الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

المفارقة بين الخطابين: الإيراني التهديدي الذي يتوعد فيه الرئيس حسن روحاني بإلحاق الهزيمة النكراء بالولايات المتحدة إذا التزم الإيرانيون بواجباتهم تمامًا، والخطاب الأمريكي الأخير الذي قدم فيه مايك بومبيو أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، إستراتيجية جديدة تتضمن 12 مطلبًا ينبغي على إيران تنفيذها، التي عقب بعدها قائلاً إن تنفيذ ذلك ليس بالأمر الصعب!

هذه المفارقة تعيد إلى الأذهان مرة أخرى أجواء الأزمة النووية بين كيم جونغ وان (الولد السمين) وترامب (المخبول)، حسب ما كان يصف به وقتها كل منهما الآخر.

وعلي الرغم من توقيع روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا اتفاق خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاقية النووية) التي جعلت لإيران حدودًا لا تتخطاها في التصنيع النووي، فإن إعلان ترامب الانسحاب الأحادي ترتب عليه فقدان مصداقية دولة عظمي كان الأخلق بها أن تلتزم بالمواثيق والعهود والأخلاق، ويؤكد من ثم ذلك الانسحاب الأحادي أنه كان قرارًا منفلتًا.

وكونه قرارًا منفلتًا - فيما أتصور - فلأنه أدخل الولايات المتحدة في مأزق كبير مع الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) وهي الدول التي تعتبر حليفًا أساسيًا ورئيسيًا لها في مواجهة الدول المارقة مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق (كما تصنفها الإدارات الأمريكية المتعاقبة).

إذا تحققت هذه الفرضية في هذه الأجواء المعقدة، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من عزلة الولايات المتحدة، وسيكون بمثابة صفعة شديدة تقدمها الدول الأوروبية لها

ذلك أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية وإن كان في ظاهر الأمر يتحدى به ترامب القيادة الإيرانية التي تمثل محور الشر ومصدر قلق وإزعاج دائمين، إلا أنه من جهة ثانية أدخلها في تحدٍ آخر مع حلفائه الأوربيين (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، وهي الدول الموقعة على الاتفاقية بكامل إرادتها وسيادتها.

ورغم مشاركة بريطانيا وفرنسا مع الولايات المتحدة في هجوم ثلاثي على مخازن الأسلحة الكيمائية في سوريا بالأمس القريب (ذرًا للرماد في العيون، ودفاعًا عن حقوق الإنسان كما يزعمون) ومشاركة الدول الأوروبية ذاتها بقيادة الولايات المتحدة، في تحالف جمع ما يقارب ستين دولة في قوات التحالف لسحق تنظيم الدولة الإسلامية (كان المقصد الرئيسي سحق تنظيم الدولة الإسلامية والدولة الإسلامية ذاتها أينما وجدت)، رغم ذلك فإن الإدارة الأمريكية التي افتقدت المصداقية والأخلاق والالتزام بالمواثيق والعهود، فإنها بذلك ربما تفتح الباب على مصراعيه لأي من هذه الدول في عدم مشاركتها في أي مواثيق أو اتفاقيات أو عمل عسكري قادم ربما تخوض أتونه الولايات المتحدة.

فرضية تحدي الدول الأوروبية لقرار الانسحاب الأحادي والعمل على إنقاذ الاتفاق من الانهيار، ربما تظل فرضية قابلة للتحقق لأن القرار وما سيتبعه من عقوبات اقتصادية على إيران والشركات الأوروبية التي تتعامل معها، سيعرض تلك الشركات لانهيارات وخسائر فادحة، ويضع الدول الأوروبية في مكان خضوع للولايات المتحدة التي تتعامل مع كل الملفات بعنف وغشم!

وليس من المستبعد أن تستخدم الدول الأوروبية لائحة المجلس الأوروبي لعام 1996 التي تحمي الشركات الأوروبية من الآثار المترتبة على تطبيق التشريعات من طرف ثالث خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، ويتيح لها بذلك ممارسة سيادتها الاقتصادية في المنطقة.

انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاقية النووية سيضيف تعقيدات عديدة على المشهد، وربما يكون ذلك من ناحية أخرى هي البداية لتصدع وانهيار حلف الأطلسي برمته.

وإذا تحققت هذه الفرضية في هذه الأجواء المعقدة، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من عزلة الولايات المتحدة، وسيكون بمثابة صفعة شديدة تقدمها الدول الأوروبية لها بعد الصفعة الأولى التي تلقتها في التسعينيات في ذات الموضوع (هدد الاتحاد الأوروبي في التسعينيات بطرد الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية، عندما وقعت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على بعض الشركات الأوروبية، وكانت رؤية الاتحاد الأوروبي وقتذاك أنه لا ينبغي للولايات المتحدة توقيع عقوبات اقتصادية على الدول الأوروبية من خارج الحدود الإقليمية، وهو التهديد الذي أدى في نهاية الأمر إلى إلغاء العقوبات الثانوية المفروضة علي الشركات الأوربية).

انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاقية النووية سيضيف تعقيدات عديدة على المشهد، وربما يكون ذلك من ناحية أخرى هي البداية لتصدع وانهيار حلف الأطلسي برمته.