أثناء التوتر في أقاليم الأقلية المسلمة الأويغور في الصين ومداهمتهم من قبل القوات العسكرية

بعد أشهر من المواراة، خرج الصراع بين رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد ونجل الرئيس حافظ قائد السبسي الذي يشغل خطة المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، إلى العلن، ما يؤكّد حسب عديد المتابعين حدّة الصراع واشتداد الأزمة داخل أروقة الحزب المسيطر على السلطة التنفيذية في تونس.

صراع من شأنه أن يعجّل بنهاية حزب نداء تونس، في ظلّ إصرار الطرفين على تمرير برامجهم وتخوين الأخر وتحميله المسؤولية الكاملة لفشل الحزب والحكومة في إدارة الشأن العام للبلاد بعد قرابة الأربعة سنوات من الانتخابات التشريعية.

نجل الرئيس يهاجم الشاهد

قبل أيام قليلة، وقّع حافظ قائد السبسي بيانا للحزب، تضمّن اقرارا بفشل حكومة يوسف الشاهد في تسيير البلاد، معتبرا إياه السبب في تدهور المقدرة الشرائية للشعب التونسي والانهيار المريع لكل المؤشرات الاقتصادية وانهيار قيمة الدينار، فضلاً عن كونها السبب في الأزمة المالية العمومية التي تشهدها تونس، والتداين من أجل خلاص الأجور، وانهيار احتياطي الدولة من العملة الصعبة بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد.

المدير التنفيذي لحركة نداء تونس قال أيضًا إن حكومة يوسف الشاهد التي تسملت مهام عملها في أغسطس 2016، تطبيقًا لوثيقة قرطاج التي أطلقها الرئيس التونسي باجي قائد السبسي ودعمتها منظمات وطنية في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، عجزت عن إنجاز أي إصلاح وحيد يذكر، إلى جانب عدم امتلاكها أي رؤية للإصلاح الاقتصادي، كما أنها تلاعبت بالعلاقة مع الأطراف الاجتماعية الفاعلة من المسايرة السلبية إلى التوتر والصدام.

حافظ السبسي الذي يدير الحزب دون أن يتم انتخابه من قواعد "النداء"، يرى أن الشاهد منافسا وليس زميلا له في الحزب

ووجّه حافظ هذا الكلام للشاهد بعد أن كان يقول إن هذا الأخير "كفاءة وطنية وأحد كوادر الحركة القادرة على تنفيذ برنامج حكومة الوحدة الوطنية نظرا لما يمثله تكليفه من جرأة وقطع مع المقاربات القديمة في منظومة حكم البلاد وذلك ببعث رسالة قوية للداخل والخارج بان مستقبل تونس في شبابها".

بحث عن مكانة مفقودة

الغاية من كلّ هذا لم تكن تأكيد فشل الحكومة وتحمّل مسؤولية فشلها على اعتبار أنه يرأس الحزب الذي يقودها، بل كانت الغاية منه الدفع نحو تغيير يوسف الشاهد، ولا يهم نجل السبسي كم سيكون عمر الحكومة القادمة المهم تغيير الشاهد الذي ينافسه مكانه.

حافظ السبسي الذي يدير الحزب دون أن يتم انتخابه من قواعد "النداء"، يرى أن الشاهد منافسا وليس زميلا له في الحزب وفقا لعدد من المقربين منه، لذلك وجب الوقوف أمامه ووضع حدّ لنشاطه الحزبي والسياسي وارجاعه لبيت الطاعة خاصة بعد أن ارتفعت أسهم يوسف في الفترة الأخيرة وتصدّره قائمة الشخصيات السياسية التي يثق فيها التونسيين.

ويرى نجل السبسي أن الشاهد سيكون - في حال مواصلة ترأسه للحكومة - منافسًا جديًا له في قادم المحطات التي تخص الحزب وتونس، ذلك أن الشاهد استطاع بمجرد إعلان حربه على الفساد صيف السنة الماضية، أن يستقطب شقًا واسعًا من النواب وأنصار النداء، وهو ما زاد في تعميق الهوة بينه وبين حافظ ومجموعته.

يسعى حافظ السبسي إلى وراثة أبيه

يرجع بعض المراقبين، سبب هجوم السبسي الابن على يوسف الشاهد بهذه الطريقة إلى خشيته على الإرث الذي ينافسه عليه الشاهد بما هو ابن للنداء أولاً ورئيس للحكومة ثانيًا، فحافظ لا يريد للنداء أن يخرج من العائلة وأن يقوده سواه.

ويدرك حافظ أن دخول الشاهد في منافسته على رئاسة الحزب ستؤول إلى هذا الأخير، وهو ما يستدعي تأخير وتأجيل أي حديث عن المؤتمر الأول للنداء إلى حين إبعاد الشاهد من رئاسة الحكومة وهو الرهان الأبرز في هذه الفترة، مهما كانت تكاليف ذلك على الحزب وعلى البلاد.

الشاهد يتهم نجل الرئيس

لم ينتظر الشاهد كثيرا، فأول ما ضمن مواصلة شغل منصب رئيس الحكومة بدعم من حركة النهضة الإسلامية، حتى خرج متهما نجل الرئيس الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء حملة المطالبة بإقالته، وبتدمير الحزب الحاكم "نداء تونس" وتصدير أزمة الحزب إلى مؤسسات الدولة ما أثّر عليها سلبا.

وقال الشاهد في خطاب بثه التلفزيون الرسمي، الثلاثاء: "إن حزب حركة نداء تونس لم يعد ذلك الحزب الذي انتمى إليه سنة 2013، إن الذين يديرون الحزب اليوم وعلى رأسهم المدير التنفيذي حافظ قايد السبسي هم من دمروا الحزب".

يسعى يوسف الشاهد أن يكون مرشحا توافقيا خلال الانتخابات الرئاسية القادمة

واعتبر الشاهد أن أزمة الحزب ليست داخلية بل أثرت على مؤسسات الدولة: ''أزمة نداء الحزب موضوع وطني لأنها تسربت إلى مفاصل الدولة وأصبحت تهدد المسار الديمقراطي والتوازن السياسي في تونس". ودعا الشاهد إلى إصلاح الحزب دعما للتوازن في الساحة السياسية في البلاد.

واعتبر رئيس الحكومة التونسية، أن وجود القيادة الحاليّة على رأس حزب نداء تونس خطر على المشروع المجتمعي للبلاد، حيث قال" "حافظ قائد السبسي والمحيطون به دمروا نداء تونس الذي خسر نحو مليون صوت في الانتخابات الأخيرة، وأزمة الحزب ليست داخلية بل أثرت على مؤسسات الدولة".

ويدلّ كلام الشاهد على شدّة الصراع والاختلاف مع حافظ قائد السبسي الذي يتهمه خصومه بالسعي لاستغلال نفوذه العائلي للسيطرة على أجهزة الحزب والدولة، وهو ما يرفضه السبسي الابن الذي يقول إنه يمارس حقًا سياسيًا متاحًا للجميع بحكم الدستور.

تعبيد الطريق لرئاسة البلاد

اتهام الشاهد للسبسي الابن، لم تكن الغاية منه اصلاح بيت النداء الداخلي وإنما ابعاد نجل الرئيس عن طريقه، فالشاهد يعلم يقينا أن بقاء حافظ على رأس النداء سيكون سببا في استبعاده من قصر الحكومة بالقصبة وتحطيم مستقبله السياسي.

ورغم نفيه المتكرر لهذا الأمر، يؤكد مقربون من الشاهد - الذي بدأ حياته السياسية مع الحزب الجمهوري (وسط) قبل أن ينتقل لحركة نداء تونس سنة 2012 كعضو في مكتبه التنفيذي، ويكلف برئاسة لجنة التوافق التي أسسها رئيس الجمهورية خلال الأزمة التي عصفت بحزبه "نداء تونس" أواخر سنة 2015 - سعيه إلى تعبيد الطريق لقصر قرطاج، والترشح خلفًا للرئيس الحاليّ الباجي قائد السبسي لشغل منصب الرئاسة.

يطمح الشاهد للوصول إلى قرطاج

ويسعى يوسف الشاهد أن يكون مرشحا توافقيا خلال الانتخابات الرئاسية القادمة المبرمجة خريف سنة 2019، وأن يحظى بدعم حركتي النهضة الإسلامية ونداء تونس العلماني، وهو ما يفسّر امضاءه على قرار مواصلة هيئة الحقيقة والكرامة لأشغالها إلى غاية نهاية السنة الحالية.

الحرب على الفساد.. بداية الأزمة

بوادر هذه الأزمة بدأت مع انطلاق الحرب على الفساد التي أعلن عنها رئيس الحكومة التونسية في الثالث والعشرين من مايو/ايار سنة 2017، واعتبرت بعض قيادات "النداء" حينها أن الحرب انتقائية وموجهة لحزبهم، ذلك أن أول الموقوفين في الحملة وأبرزهم كان رجل الأعمال شفيق جراية.

يعتبر رجل الأعمال والموضوع على ذمة القضاء العسكري بتهم تتعلق بالاعتداء على أمن الدولة الخارجي والخيانة والمشاركة في ذلك ووضع النفس تحت تصرف جيش أجنبي زمن السلم، شفيق جرّاية، أحد ناشطي حزب نداء تونس وأكبر مموّليه، وهو ما كان سببا لتلقي الحزب اتهامات عديدة مباشرة عند الاعلان عن القبض على جراية، خاصة مع تردد "نداء تونس" في الإعلان عن موقفه الرسمي من هذه الحملة التي يقودها أحد أبنائه.

يعرف الحزب منذ فترات هزات متتالية كان أخرها الهزيمة التي تكبّدها خلال الانتخابات المحلية الأخيرة

فضلا عن شفيق جراية، مسّت حملة الاعتقالات الواسعة عدد مهم من رجال الأعمال المنتمين للنداء أو المساندين له، ما أعتبر استهدافا مباشرا للممولي الحزب وجناحه المالي. ويرى "النداء" أو ما تبقى منه أن الشاهد أراد من خلال هذه الحملة الترويج لشخصه على حساب الحزب.

فضلا عن ذلك، أدّت محاولة يوسف الشاهد الاستقلال بقراراته الحكومية إلى اتهامه من قبل المدير التنفيذي للحزب بالتمرّد على نداء تونس وعدم الانضباط لمقرّراته. وكان حافظ قد اتهم في إحدى الاجتماعات الحزبية الداخلية رئيس الحكومة بتوظيف أجهزة الحكم ومستشاريه وبعض وسائل الإعلام المحلية لتشويه حزب نداء تونس لخدمة غايات وأجندات انتخابية سابقة لأوانها وغير مشروعة.

انهيار وشيك؟

هذه الأزمة بين قيادات الصف الأول للحزب من شأنها إن لم يتم تداركها (أمر مستبعد لغياب هيئات تحكيم منتخبة تبت في النزاعات الحاصلة بين أعضائه)، وفقا لعدد من الخبراء، أن تعجّل بانهيار الحزب وانتهاءه بعد ستّ سنوات من تأسيسه على يد الباجي قائد السبسي الذي يشغل الأن منصب رئيس الجمهورية التونسية.

ويعيش نداء تونس منذ تأسيسه على وقع الصراعات والانقسامات، نتيجة عدم الانسجام بين أعضائه، فقد ضم في بداية تكوينه منتصف 2012 يساريين ودستوريين وتجمعيين ورجال أعمال ونقابيين ومستقلين، لا رابط بينهم سوى عداء حركة النهضة والرغبة في الاستلاء على الحكم، وما إن تحقق هدف الوصول إلى السلطة حتى انفك العقد لدقة خيطه.

ارتبط اسم "النداء" منذ التأسيس بالباجي قائد السبسي 

ويعرف الحزب منذ فترات هزات متتالية كان أخرها، الهزيمة التي تكبّدها خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث خسر نداء تونس مركزه كأول حزب في الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت هذا الشهر وحل ثانيا وراء حزب النهضة. وخسر نداء تونس حوالي 900 ألف صوت في الانتخابات الأخيرة مقارنة بانتخابات 2014 البرلمانية.

وتؤكّد الهزيمة الأخيرة، ما ذهب إليه البعض أن "النداء" فقد تعاطف الكثير من التونسيين بمجرّد خروج الباجي قائد السبسي منه، واقتصار على قصر قرطاج وفقا لما ينصّ عليه دستور البلاد الذي يجبر الرئيس على الاستقالة من النشاط الحزبي، ويؤكّد هذا "النداء هو السبسي والسبسي هو النداء".