الحكومة والبرلمان اعتادا طوال سنوات السيسي في رئاسة البلاد انتهاك المواد الدستورية في مناسبات مختلفة

ليست بالتأكيد استقاله، فهل كانت إطاحة أم إقالة أم عزل وافقت لحظته هوى يُنتظر؟ لم تختلف المسميات طالما بقيت النتيجة واحدة، فالفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع المصري السابق، والعسكري البارز، ورفيق درب السيسي في فترة رئاسته الأولى حين ورثه في وزارة الدفاع، بات الآن خارج الحكومة والمنصب، مع تفجير جدل دستوري بشأن إبعاد صبحي قبل إكمال السيسي دورتين رئاسيتين.

لم تكن الإطاحة بصبحي الواقعة الأخيرة التي تثير لغز مخالفة السيسي للدستور، فالحكومة والبرلمان اعتادا أيضًا طوال سنوات السيسي في رئاسة البلاد على انتهاك المواد الدستورية في مناسبات مختلفة، في السطور التالية نستعرض مشوار السيسي والحكومة والبرلمان في خرق عشرات المواد الدستورية.

إطاحة غير دستورية!

الحكومة الجديدة التي أدت اليمين الدستورية، وكُلف وزير الإسكان السابق مصطفي مدبولي برئاستها، هي إجراء معروف بعد الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها السيسي بولاية ثانية، لكن الملف الأمني بشقيه الجيش والشرطة كان التغيير الأهم، فقد ذهب أيضًا وزير الداخلية مجدي عبد الغفار واُستبدل بمحمود توفيق من رئاسة جهاز الأمن الوطني، الموصوف بأنه أحد أجهزة البطش، ما يشير على الأرجح إلى الإصرار على المضي في سياسية القمع.

تألفت الحكومة الجديدة - التي جاءت بعد اثنتين سابقتين في الولاية الأولى للسيسي - من 32 وزيرًا، منهم 12 جدد، غير أن الإطاحة بآخر شريك في الانقلاب في سرية تامة وتكتم شديد طوال فترة مشاورات رئيس الوزراء المكلف آنذاك مصطفى مدبولي، مخالفةً للدستور أثارت الكثير من التكهنات عن مصير نفعية الدستور المعمول به، خاصة مع إقدامه على إجراء تعديلات دستورية، تسمح له بتمديد مدة الرئاسة إلى ستّ سنوات، وترفع الحصانة عن منصب وزير الدفاع.

"يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور" المادة 234 من الدستور 

كانت الحصانة قد وُضعت بنص الدستور، بإيعاز من السيسي حينما كان وزيرًا للدفاع؛ بُغية حمايته من العزل، وتقاسم السلطة بين أبناء المؤسسة العسكرية، إذ كشفت تسريبات صوتية لحوار صحفي مع السيسي إيعازه إلى محاوره بأنه يريد مادة في الدستور الجديد "عام 2014" بتحصين منصب وزير الدفاع.

وتنص المادة 234 من الدستور على أن "يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور"، فمن المفترض أن يكونا فترتي الرئيس السيسي.

لم تذكر وسائل الإعلام المصرية التابعة للنظام فيما إذا كان السيسي قد حصل على موافقة المجلس العسكري لإقالة صبحي، غير أن قرار السيسي عزل صدقي صبحي جرى تفسيره بأنه لا يعبأ بمواد الدستور بدليل أنه عزل من رئيس جهاز المحاسبات هشام جنينة رغم أن الدستور يحظر على رئيس السلطة التنفيذية عزل رئيس الجهاز الذي يراقبه ماليًا.

يشار إلى أن دستور 2012، الذي تم إسقاطه عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، لم يكن يسمح بوضع خاص لوزير الدفاع، إذ نص في مادته رقم 195 على أن "وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويُعين من بين ضباطها"، في حين منحت المادة 147 من الدستور ذاته لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين الموظفين العسكريين وعزلهم، ولم تشترط على رئيس الجمهورية موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين الموظفين العسكريين ومن بينهم وزير الدفاع.

وفي عزل صبحي من منصبه - المُحصن وفقًا للدستور– رسائل عدة، فالرجل القادم الجديد غير بعيد عن القصور والعسكريين الذين أطاحوا برؤساء ثم بعضهم بعضًا، إنه الفريق محمد أحمد زكي قائد الحرس الجمهوري أيام فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي التي انتهت في سنة، وقيل إن زكي كان مسؤلاً عن اعتقال مرسي، في ليلة اختطافه من القصر، اختفى في مكان مجهول، ثم الشهادة ضده في المحاكمات.

هي إذًا إعادة ترتيب الرجال حول السيسي، ولعلها رسائل أبعد، مثل الفريق زكي الذي يظهر اليوم ذراعًا سابقًا لمن خطط  للإطاحة بمرسي بانقلاب عسكري، فلن يملك الأخير حتى ولاء العسكريين الواقفين عند بابه، ولعلها أيضًا محاولة تغيير في الوجوده مع المعركة الدائرة منذ 5 سنوات في سيناء دون أن تحقق هدفها، فسيناء المحتجبة وراء ستار من التعتميم والصمت هي أحد وجوه الإخفاق التي يرغب السيسي في إلصاقها بالعسكري المغادر.

عشرات المخالفات الدستورية.. للحكومة نصيب أيضًا

بينما يؤكد السيسي مرارًا وتكرارًا "حرص مصر على ترسيخ دولة القانون والمؤسسات على مدار السنوات الستة الماضية، من خلال تبني إجراءات جادة لضمان ذلك"، تتعمد الحكومة والرئاسة ارتكاب عشرات المخالفات الدستورية خلال أعوام قليلة من فترة رئاسته.

وفي سياق ذلك، رصدت صحيفة "النبأ" الأسبوعية المصرية في فبراير من العام الماضي، 163 مخالفة دستورية خلال عام ونصف العام، كان النصيب الأكبر منها لمجلس الوزراء الذي ارتكب 32 مخالفة دستورية، يليه مجلس النواب الذي ارتكب ما يقرب من 16 مخالفة دستورية، ثم مؤسسة الرئاسة بعشر مخالفات، والباقي موزع على جميع الوزارات والهيئات القضائية والحكومية والرقابية".

آخر هذه الوقائع - حتى صدور عدد الصحيفة - كانت موافقة النائب العام نبيل صادق، على طلب المدعي العام الإيطالي بإرسال وفد من المحققين الإيطاليين لزيارة القاهرة؛ لفحص تسجيلات الاتصالات الهاتفية في الأماكن التي وجد بها الباحث الإيطالي جوليو ريجيني قبل مقتله".

أبرز الخروقات الدستورية تمثلت في انتهاك مبدأ عدم جواز مصادرة الأموال إلا بحكم قضائي، حيث صدر قرار من لجنة حصر ومصادرة أموال جماعة الإخوان المسلمين

هذه الموافقة جاءت متناقضة تمامًا مع تصريحات سابقة للنائب العام المساعد مصطفى سليمان، إلا أن الحكومة انتهكت الدستور، بتسليمها تلك التسجيلات، بمخالفة نص المادة 57 من الدستور التي تنص على "للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس، وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفس الأحوال التي يبينها القانون".

من بين الانتهاكات الدستورية أيضًا، بحسب أستاذ القانون الدستوري بجامعة الأزهر، الدكتور رجب عبد المنعم، كان مخالفة قانون الخدمة المدنية الذي قصر حق النيابة الإدارية في التحقيق مع كبار موظفي الدولة على المخالفات المالية فقط دون الإدارية، حيث صدر تعديل على هذا القانون يستثني فيه رئيس الجمهورية موظفي رئاستي الجمهورية والوزراء من الخضوع لمادتين فيه، ما يصطدم بالدستور الذي ينص على تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، ما أعطى فرصة كبيرة لشاغلي الدرجات العليا للتهرب من مسؤولياتهم، وفتح لهم باب الفساد على مصراعيه.

أما عن أبرز الانتهاكات الدستورية، فتمثلت في انتهاك مبدأ عدم جواز مصادرة الأموال إلا بحكم قضائي، حيث صدر قرار من لجنة حصر ومصادرة أموال جماعة الإخوان المسلمين التي تتبع وزارة العدل، بالتحفظ على أموال اللاعب محمد أبو تريكة، في مخالفة للدستور الذي لا يجيز المصادرة بقرار من لجنة شكلها وزير العدل.

تيران وصنافير.. خروقات بالجملة في قضية واحدة

وفقًا للمادة 151 من الدستور المصري، فإنه "لا يجوز في جميع الأحوال إبرام معاهدة يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة"، لكن تلك المادة لم تكن الوحيدة التي جرى خرقها من أجل تمرير اتفاقية رفضتها أعلى هيئة قضائية في الدولة، بل كانت مقدمة لمزيد من الانتهاكات الدستورية.

ففي 8 من أبريل/نيسان عام 2016، وقّع عن الجانب المصري رئيس الوزراء شريف إسماعيل، وعن الجانب السعودي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، 17 اتفاقية أبرزها إنشاء جسر بري بين السعودية ومصر، وأخرى لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، من دون إعلان التفاصيل؛ وذلك خلال زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة، في مخالفة أولى لدستور 2014 الذي تنص الماده 151 منه على أن "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويُصدّقُ عليها بعد موافقة مجلس النواب".

وطبقًا للمادة 5 من الدستور، فإن "النظام السياسي يقوم على الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، على الوجه المبين في الدستور"؛ وهو ما لم يحدث، فبعد أن قضت محكمة القضاء الإداري باستمرار تبعية الجزيرتين للسيادة المصرية، سارع النظام المصري للطعن على حُكم المحكمة، بعد يومٍ واحد فقط من رفض الاتفاقية.

كان للبرلمان له النصيب الأكبر من المخالفات الدستورية في قضية تيران وصنافير رغم أنه ليس الخصم الرئيسي

لكن بعد بطلان الاتفاقية لم تقم الحكومة المصرية بالإفراج عن المُعتقلين الذين تظاهروا في "جمعة الأرض" في 25 من أبريل/نيسان 2016؛ لرفض تسليم الجزيرتين للسعودية، إذ حُكم على 101 شاب بالسجن خمس سنوات مع تغريم كل منهم مبلغ 100 ألف جنيه، بينما حُكم على 51 آخرين بالسجن مدة عامين، ويعتبر هذا الحُكم غير دستوري؛ طبقًا للمبدأ القانوني "لا يجب أن تتعارض أحكام القضاء"، إضافة إلى تعارضه مع المواد الرابعة والسادسة، والمواد من 94 إلى 99، كما أنه لا يتفق مع المادة 190 التي تقول "مجلس الدولة جهة مختصة مستقلة لا يجوز التدخل في عملها".

أما البرلمان فقد كان له النصيب الأكبر من المخالفات الدستورية في هذه القضية، ورغم أنه ليس الخصم الرئيسي، فمناقشته للاتفاقية في ظل وجود حكم قضائي يُعرضه لخطر الحل، فالدعوى مُقامة بالفعل وتنظرها محكمة القضاء الإداري، كما أن مناقشة البرلمان للاتفاقية تُخل بمبدأ "الفصل بين السلطات".

لكن البرلمان استند في مناقشته للاتفاقية على الحق الدستوري للمادة 51، التي تنص على فقرة: "ويُصدّق عليها بعد موافقة مجلس النواب"، إلا أنّ المفاجأة أن الاتفاقية تخالف اللائحة الداخلية للمجلس؛ إذ تنص المادة 197 على أن "يُبلغ رئيس الجمهورية المُعاهدات التي يبرمها إلى رئيس المجلس"، لكن الذي قام بتبليغها هو رئيس الوزراء مرة أخرى؛ وهو ما يجعلها مُخالفة للدستور.

مجلس النواب.. مزيد من انتهاكات الدستور

كان لمجلس النواب النصيب الأكبر من انتهاكات الدستور، بداية من صدور قانون الضريبة العقارية، وتعديلاته، وقانون حماية المنشآت العامة والمدنية، الذي منح القوات المسلحة الحق في مشاركة جهاز الشرطة في تأمين المنشآت العامة والحيوية، وإحالة مرتكبي الجرائم ضدها إلى المحاكم العسكرية، وهذا القانون مخالف بدوره للدستور، لأنه شمل المرافق العامة التي تقدم خدمات عادية للمواطنين، ولا تعد من المنشآت العسكرية.

كما انتهك المجلس الدستور؛ بالمماطلة في مسألة تنفيذ أحكام النقض الخاصة بدائرة الدقي والعجوزة، علاوة على قرار المجلس بمنع البث المباشر للجلسات، إلى انتهاء دورته الأولى دون إقرار بعض القوانين التي ألزمه بها الدستور، ومنها المادة 241 الخاصة بقانون العدالة الانتقالية.

كما أجاز السيسي، قانونًا يسمح لرئيس الجمهورية تسليم المتهمين الأجانب إلى بلدانهم لمحاكمتهم أو تنفيذ العقوبة الصادرة في حقهم، ما أثار جدلاً واسعًا عن دستوريته، ونال اتهامات بمخالفته للدستور، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يحصل هذا في ظلّ الإجراءات الاستثنائية والقوانين غير الدستورية التي يصدرها قائد انقلاب 3 من يوليو/تموز 2013.

ممارسة التعذيب الممنهج الموثق بحق الكثير من المعتقلين السياسيين، سواء ماديًا أم معنويًا، يمثل اعتداءً على المادة 52 من الدستور

بخلاف قانون تسليم المتهمين الأجانب، هناك العديد من الإجراءات والقوانين الصادرة في الفترة الأخيرة، تحمل شبهة عدم الدستورية، مثل تهجير أهالي مدينة رفح بشمال سيناء، المخالف للمادة 63 من الدستور، وتنصّ على حظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله".

وفي حين تنص المادة 65 من الدستور على أن "حرية الرأي والفكر مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بأي وسيلة من وسائل التعبير"، إلا أن السلطة تحاكم قضاة على آرائهم السياسية؛ بينما لم تحاكم قضاة آخرين اتهموا بالاستيلاء على أراضي الدولة وتزوير الانتخابات السابقة.

كما دأبت السلطة على مخالفة الدستور بالمصادرة العامة لأموال الشخصيات المعارضة لها، دون وجود أحكام قضائية، والاستيلاء على أموال قيادات جماعة الإخوان المسلمين والموالين لها، ويمثل ذلك اعتداءً صريحًا على المادة 40 من الدستور التي تنص على أن "المصادرة العامة للأموال محظورة، ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي".

وغير ذلك، فإن ممارسة التعذيب الممنهج الموثق بحق الكثير من المعتقلين السياسيين، سواء مادياً أو معنوياً، يمثل اعتداءً على المادة 52 من الدستور، التي تنص على أن" التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم". وغير ذلك الكثير من الانتهاكات  في دولة القانون، التي قد تشمل خلال الفترة القادمة تعديل الدستور برمته وفقًا لمصالح النظام.