أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية

فقدت ألمانيا دورها كضامنة للاستقرار في البورصة، حيث وجه المستثمرون في الأسواق المالية الانتقادات للسياسة المالية التي تنتهجها المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، في حين يندد الخبراء بسياسة التعتيم. أما الأسواق المالية، فتشترك مع الخبراء في نفس الموقف من سياسة ميركل.

عندما أعلنت وكالة الأنباء الألمانية يوم الجمعة على الساعة 12 و21 دقيقة عن أن الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي قد ينهي التحالف الذي جمعه بالاتحاد الديمقراطي المسيحي منذ 70 سنة، تراجع مؤشر داكس الألماني بشكل كبير، وفي الوقت نفسه تراجعت قيمة اليورو. وبعد دقائق، تبين أن الأمر ليس سوى مجرد إشاعة. وعلى الرغم من أن مؤشر داكس استعاد عافيته وعوض تقريبا عن خسائره، إلا أن القلق لم يتبدد.

في الواقع، راود القلق المشاركين في البورصة نظرا لأن مؤشر داكس بقي كامل اليوم  في تراجع. وعلى ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ألمانيا فقدت  دورها في الأسواق المالية، مما زاد المخاوف من أن تفقد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا دورها كضامنة للاستقرار الاقتصادي. ونتيجة لذلك، فقدت مؤسسات البورصة ثقتها في قدرة ميركل على ضمان استمرارية التحالفات. كما كشفت الاضطرابات، التي تشهدها الأسواق المالية، عن تراجع نفوذ المستشارة الألمانية.

على مستوى الأسواق العالمية، يبدو أن القيادية في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي لم تعد بعد الآن منقذة العالم الغربي، وهي تسابق الزمن من أجل تحقيق أهدافها. ويرى الخبراء في مجال المالية أن ميركل تنتهج سياسة التعتيم بعد مرور 13 سنة من تقلدها منصب المستشارة، كما تساند أسواق البورصة موقف الخبراء.

لقد أثار البطء في تشكيل الحكومة شكوك ومخاوف مختلف الأطراف الفاعلة في الأسواق المالية. ولئن تمكن مؤشر داكس من تحقيق نمو مقبول بعد إجراء الانتخابات البرلمانية بتاريخ 24 أيلول/ سبتمبر الماضي على حساب مؤشر CAC40  الفرنسي، إلا أن فشل المفاوضات حول تشكيل الحكومة قد مس من شعبية ميركل.

منذ وقت طويل، فقدت ألمانيا موقعها الريادي كدولة مستقرة. ووفقا لتصنيف المخاطر الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية، خسرت ألمانيا موقعها الريادي بـ 21 نقطة

في السابق، أشاد معارضو ميركل بقدرتها على حسن تسيير دواليب الدولة وتجميع مختلف التيارات السياسية على طاولة الحوار، ولكن ما لبث أن انهار مؤشر داكس ليصبح عاجزا عن منافسة بقية المؤشرات. ومنذ ذلك الوقت، تقهقرت شعبية ميركل لدى مختلف المستثمرين.

مع ذلك، حافظ مؤشر سوق الأسهم الألماني على المستوى الذي كان عليه في خريف 2017. ومنذ فترة طويلة، تراجع مؤشر CAC40 الفرنسي ومؤشر MSCI World العالمي، ناهيك عن مؤشر داو جونز الأمريكي، الذي ارتفع بنسبة 17 بالمائة مقارنة بيوم التداول، الذي سبق موعد إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وفي حال استمر الخلاف في صفوف الأطراف المكونة للتحالف أو انهارت الحكومة، قد تتعمق أزمة البورصة الألمانية.

في هذا الصدد، نوه كبير الخبراء الاقتصاديين لدى شركة "ديغوسا غولد هاندل"، تورستن بولايت، بأن "المستثمرين قد يشعرون بعدم الثقة على المدى القصير. وفي حال انهار التحالف الحكومي، قد تضطرب البورصات الأوروبية، خاصة وأن الاضطراب السياسي يؤثر على الاقتصاد والأسواق المالية".

فقدت ألمانيا موقعها الريادي في مؤشر الاستقرار

منذ وقت طويل، فقدت ألمانيا موقعها الريادي كدولة مستقرة. ووفقا لتصنيف المخاطر الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية، خسرت ألمانيا موقعها الريادي بـ 21 نقطة. وقبل اندلاع الأزمة المالية، وتوافد موجات اللاجئين إلى الأراضي الألمانية، كانت ألمانيا تحتل القمة بستة نقاط و13 نقطة على التوالي. وبناء على هذه المعطيات، تساءل البنك الأمريكي "سيتي بنك" إن كانت ألمانيا تعيش أزمة سياسية.

انشغل البنك المركزي الأوروبي بالأزمة السياسية الألمانية، وخلال مؤتمر صحفي انعقد يوم الخميس، سئل رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، عن انعكاسات الأزمة السياسية في ألمانيا على السياسة النقدية، فرد بأن هذا السؤال يتجاوز مجال صلاحياته كمسؤول بنكي. في المقابل، يبدو الجميع على اقتناع بأنه لا يمكن تشكيل اتحاد بنكي أو ضمان استقرار عملة اليورو دون أن تكون ألمانيا طرفا في ذلك.

تلعب ميركل دورا فعالا في الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة الدولية، إلا أنها لم تحقق الكثير من الانجازات على المستوى المحلي

في ظل الوضع الراهن، يبدو البنك المركزي الأوروبي في حاجة إلى أن تكون ألمانيا قوية أكثر من أي وقت مضى حتى يتوقف عن شراء السندات في نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل. وبهذه الطريقة، سيفقد الأوروبيين داعمهم النقدي، الذي يعتمدون عليه، علما وأن هذا الأمر مرتبط بالحنكة السياسية.

خلال القمة الأوروبية ببروكسل، التي ستنعقد خلال الأسبوعين القادمين، يعتبر عامل قوة التفاوض والقدرة على إيجاد الحلول أمرين مطلوبين أثناء التفاوض بشأن ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات المقبلة ومسألة اللاجئين، بالإضافة إلى الإجراءات الواجب اتخاذها لإخراج أوروبا من الأزمة الخانقة. وفي الواقع،  قد تصبح المستشارة الألمانية عبئا على القارة الأوروبية بعد أن تتراجع مصداقيتها السياسية. وفي الآونة الأخيرة، انتقد المؤرخ البريطاني الشهير، نيال فيرغسون، السياسة الأوروبية لميركل معتبرا أن "المستشارة الألمانية قد فشلت بدرجة كبيرة، مما يحتم عليها الاستقالة".

على المستوى المحلي، لم تحقق ألمانيا العديد من المكاسب السياسية

تلعب ميركل دورا فعالا في الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة الدولية، إلا أنها لم تحقق الكثير من الانجازات على المستوى المحلي. ولعل هذا ما أكده العديد من الخبراء الاقتصاديين، الذين لاحظوا أن جمهورية ألمانيا الاتحادية لم تفعل الكثير  لتحافظ على مكانتها في المستقبل. وحيال هذا الشأن، أفاد كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك "إينج ديبا"، كارستن بيزسكي، بأنه "خلال السنوات الأخيرة، أنفقت ألمانيا الكثير من مواردها الاقتصادية، مما جعلها تفقد قدرتها التنافسية بشكل ملحوظ". في المقابل، يرى بيزسكي أنه يجب على ألمانيا أن تبعث المزيد من الاستثمارات في مجالي البنية التحتية الرقمية والتعليم. وفي السياق ذاته، أورد أستاذ الاقتصاد لدى جامعة لايبتزغ، غونتر شنابل أنه "منذ سنوات، تعثر المسار الإصلاحي في ألمانيا".

وفقا لشنابل، يجب على برلين أن تحاول تجاوز تعثر مسارها الإصلاحي، حيث قال إنه "إذا حاولت الحكومة الجديدة تغيير سياستها تجاه الاتحاد الأوروبي، فقد تتحسن آفاق النمو في كامل أوروبا بما في ذلك ألمانيا على المدى المتوسط". كما توقع هذا الخبير الاقتصادي أن هذا التحول قد يزيد من منسوب الثقة في الاقتصاد الألماني.

في الوقت الراهن، تشهد الأسهم الألمانية انخفاضا ملحوظا. فمقارنة بمتوسط الأرباح، حقق مؤشر داكس أرباحا بنحو 12 نقطة، أي خمس المتوسط العالمي

من هذا المنطلق، يجب على ألمانيا أن تغير سياستها الأوروبية بصفة عاجلة نظرا لأن الوضع الاقتصادي في ألمانيا ليس على ما يرام. وفي ظل الظروف، خفض الخبراء توقعاتهم بشأن النمو خلال هذه السنة. ويوم الجمعة، خفض البنك المركزي الألماني توقعاته بشأن الناتج المحلي الإجمالي بمقدار نصف نقطة مئوية، في حين لا يتوقع خبراء الاقتصادي سوى زيادة بنسبة 2 بالمائة خلال هذه السنة.

المؤسسات تخفض توقعاتها بشأن النمو

في وقت سابق، خفض المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية هدف النمو بنسبة 1.9 بالمائة. ولكن يبدو أن الحرب التجارية المرتقبة ألقت بظلالها على توقعات النمو العالمية، علما وأن هذه الحرب قد تضر بالاقتصاد الألماني الذي يعتمد بشكل كبير على التصدير. كما يتوقع معهد الأبحاث الاقتصادية لمدينة هاله أن نسبة النمو لن تتجاوز 1.7 بالمائة. وإجمالا، تأمل مختلف الأطراف أن ألمانيا ستحقق نسبة نمو2 بالمائة. وفي شهر أبريل/ نيسان، كانت أغلب التوقعات في حدود 2.5 بالمائة.

في حال سقطت حكومة ميركل، سيكون تغيير السياسة الأوروبية أمرا مستبعدا. في هذا السياق، قال بولايت إنه "في حال انتهت ولاية ميركل بشكل مبكر أو انعقدت انتخابات جديدة، ستتواصل السياسية الأوروبية الحالية". ففي الحقيقة، ترى مختلف الأطراف ضرورة إنقاذ اليورو بأي ثمن. في المقابل، فقدت السياسة كل قدرة على التأثير، حيث أوضح الخبير الاقتصادي بولايت أن "البنك المركزي الأوروبي أصبح في مركز القرار خاصة وأنه بات يقرر مصير الدول والبنوك". وأضاف هذا الخبير الاقتصادي أن "الأزمة الحالية لا تشكل أهمية كبرى بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل. وفي حال انخفضت الأسعار، يجب اغتنام الفرصة لإعادة النظر في الأسهم الرخيصة للشركات الجديدة".

في الوقت الراهن، تشهد الأسهم الألمانية انخفاضا ملحوظا. فمقارنة بمتوسط الأرباح، حقق مؤشر داكس أرباحا بنحو 12 نقطة، أي خمس المتوسط العالمي. وباستثناء البورصات في ميلانو وفيينا، يعتبر سعر الأسهم في ألمانيا الأكثر ارتفاعا مقارنة ببقية الدول الغربية.

المصدر: صحيفة فيلت الألمانية