الرئيس الأمريكي ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية تصل نسبتها إلى 20 بالمائة على السيارات الأوروبية، ما من شأنه أن يضر كثيرا بصناعة السيارات الألمانية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تشهد الساحة الدولية الكثير من التطورات منذ فترة، لكن التغريدة التي نشرها دونالد ترامب مؤخرا جعلت الأمر يبدو أكثر رسمية وجدية. فخلال يوم الجمعة، استنكر ترامب الرسوم التي وضعها الاتحاد الأوروبي على السيارات الأمريكية وقال إنه إذا لم يتم إلغاؤها، فسترد الولايات المتحدة الصاع صاعين.

في 22 حزيران/ يونيو، نشر ترامب تغريدة على موقع تويتر قال فيها: "بالنظر إلى التعريفات الجمركية والحواجز التجارية التي وضعت منذ فترة طويلة على الولايات المتحدة والشركات الكبرى والعمال من قبل الاتحاد الأوروبي، سنفرض رسوما جمركية تصل نسبتها إلى 20 بالمائة على جميع سياراتهم القادمة إلى الولايات المتحدة، إذا لم يتم إلغاء هذه التعريفات والحواجز قريبًا".

في الوقت الحالي، تخوض كل من الولايات المتحدة وأوروبا نزاعًا تجاريًا متصاعداً بدأ خلال شهر آذار/ مارس، عندما أعلن ترامب عزمه على فرض تعريفات ضخمة على صادرات الفولاذ والألمنيوم القادمة من الاتحاد الأوروبي وغيره من حلفاء الولايات المتحدة. وقد سبق هذا القرار اندلاع النزاع التجاري الحالي. فقد كان الاتحاد الأوروبي يفرض رسوما بقيمة 10 بالمائة على واردات السيارات من الولايات المتحدة، في حين أن الولايات المتحدة كانت تفرض رسوما أقل بكثير على واردات السيارات الأوروبية.

منذ دخول الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب على المعادن حيز التنفيذ، قبل أسابيع من الآن، تأزم الوضع أكثر. وقد واجه هذا الإجراء استنكار العديد من الدول التي شملتها هذه التدابير بما في ذلك كندا والمكسيك، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وقد ساهم ذلك في إثارة جدل واسع في إطار قمة مجموعة السبع التي عقدت خلال هذا الشهر.

دخلت الرسوم الجمركية التي وضعها الاتحاد الأوروبي على بعض المواد، من قبيل الجينز والبوربون، حيز التنفيذ يوم الجمعة

تجدر الإشارة إلى أن هذا الاجتماع السنوي المعتاد انتهى بسحب الرئيس الأمريكي تأييده للبيان المشترك لمجموعة السبع، ومهاجمة رئيس الوزراء الكندي، جاستين ترودو، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على موقع التواصل الاجتماعي تويتر. وقد دفع ذلك بهذه البلدان إلى فرض رسوم جديدة على الواردات الأمريكية.

في الأثناء، دخلت الرسوم الجمركية التي وضعها الاتحاد الأوروبي على بعض المواد، من قبيل الجينز والبوربون، حيز التنفيذ يوم الجمعة. وليس من الواضح ما إذا كان تهديد ترامب الجديد قد جاء متزامنا مع فرض هذه الرسوم. فقبل يومين، أوضح وزير التجارة الأمريكي، ويلبر روس، للمشرعين الأمريكيين أن "البيت الأبيض لم يتخذ 'قرارًا' بشأن فرضه تعريفات جمركية على واردات السيارات من عدمه".

عند هذه النقطة، لسائل أن يسأل: هل سيؤدي كل ما يجري في الوقت الحالي إلى اندلاع حرب تجارية؟ على كل حال، يمثل فرض تعريفات جمركية، التي تم الرد عليها من خلال اتخاذ تدابير انتقامية قُوبلت بدورها بتدابير أكثر انتقامية من سابقاتها، نوعا من قواعد السلوك في التجارة العالمية التي صُممت بالأساس لثني الدول عن اتخاذ مثل هذه الخطوات.

لكن، حتى اللحظة الراهنة، تجنب الاتحاد الأوروبي استخدام عبارة "حرب تجارية" لوصف النزاع الحالي. وفي هذا السياق، أوضحت مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي، سيسيليا مالمستروم، خلال حوار أجرته مع مراسلة قناة سي إن إن، كريستيان آمانبور، في وقت سابق من هذا الشهر،  قائلة: "لن أقول إننا نخوض حربا تجارية. مع ذلك، نحن نمر بمرحلة صعبة للغاية، قد تشهد تصعيدا. وليس هناك رابحون في هذا الوضع، لذلك نأمل بالتأكيد في ألا تتحول هذه الحرب إلى حقيقة".

لكن، كيف يمكن أن تصبح هذه الحرب واقعا؟ في هذا الصدد، أخبرتني الزميلة الأمريكية في علم الجغرافيا الاقتصادية في معهد تشاتام هاوس في لندن، ماريان شنايدر بيتسنجر، أن "اندلاع حرب تجارية يتطلب توفر عنصرين، يتمثل أولهما في تبادل فرض التعريفات الجمركية الذي يؤدي بدوره إلى الدخول في دوامة سياسة الحماية الجمركية. أما العنصر الثاني فيقترن بغياب مجال للمفاوضات تمنع قيام أي نزاع محتمل".

ضمن بيان نشرته هذه الأسبوع، أفادت الرابطة الألمانية لصناعة السيارات أنه "يجب أن تمثل قواعد منظمة التجارة العالمية أساس الاتفاقيات المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة"

على أرض الواقع، يبدو العنصر الأخير مفقودا. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قد صرح في السابق أنه لن يتفاوض تحت التهديد، غير أنه لم يستبعد تماما الدخول في المفاوضات. أما صانعو السيارات في ألمانيا، وهو المجال الذي سيكون الأكثر تضررا من رسوم السيارات، فصرحوا أنهم قد يوافقون على الحد من التعريفات الجمركية على السيارات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بشرط أن تتم مناقشة هذا الموضوع خلال المفاوضات.

ضمن بيان نشرته هذه الأسبوع، أفادت الرابطة الألمانية لصناعة السيارات أنه "يجب أن تمثل قواعد منظمة التجارة العالمية أساس الاتفاقيات المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما لا يوجد اقتراح للقيام بتنازلات من طرف واحد أو إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات بشكل حصري".

في الأثناء، تظل مسألة استعداد إدارة ترامب لإجراء هذه المفاوضات من عدمه، غير واضحة. فقد أمر الرئيس الأمريكي وزارة التجارة بالتحقيق فيما إذا كانت هناك أسباب أمنية وطنية لفرض تعريفات على السيارات الأوربية وقطع غيار السيارات، وهو المبرر الذي استخدمته الإدارة لفرض تعريفات على المعادن. وفي هذا السياق، أشار وزير التجارة الأمريكي إلى أن "الإدارة تهدف إلى إنهاء مراجعتها لهذا الموضوع خلال الشهرين القادمين".

لكن، في حال لم تكن إدارة ترامب مستعدة للدخول في المفاوضات، فقد أشار الاتحاد الأوروبي بالفعل إلى رغبته في تقديم رد جماعي. وفي هذا الإطار، أوضحت مالمستروم خلال تصريح أدلت به يوم الأربعاء، في إشارة إلى الرسوم الجمركية الانتقامية قائلة: "نحن لم نرغب في أن نُقحم في هذا الموقف". أما فيما يتعلق بالتدابير الانتقامية التي سيتخذها الاتحاد الأوروبي، فأضافت مالمستروم أن رده سيكون متناسبًا ومتماشيا تمامًا مع قواعد منظمة التجارة العالمية، مشيرة إلى أنه لا داعي لأن تقول إنه إذا قامت الولايات المتحدة بإلغاء رسومها الجمركية، فستسير أوروبا على خطاها.

لا يمكن اعتبار الوضع الحالي حربا تجارية، فمما لا شك فيه أنه سيكبد كلا الجانبين المتنازعين خسائر كبيرة

من جانبها، أشارت شنايدر بيتسنجر إلى أنها "تعتقد أن ترامب يستخدم في الوقت الحالي سياسة التهديد كتكتيك تفاوضي، ولا تعتقد أن نشره لتغريدة على تويتر في اليوم ذاته الذي دخلت فيه التعريفات الجمركية الأوروبية [الانتقامية] حيز التنفيذ، مجرد صدفة. وأضافت شنايدر بيتسنجر أن "هناك توترات لا يمكن تجاهلها، ولكن ما يجري لا يعتبر حربًا تجارية مكتملة بعد، لأنه لا يزال هناك مجال لتهدئة التصعيد".

إذا كان لا يمكن اعتبار الوضع الحالي حربا تجارية، فمما لا شك فيه أنه سيكبد كلا الجانبين المتنازعين خسائر كبيرة. فقد باعت ألمانيا 1.35 مليون سيارة في الولايات المتحدة خلال سنة 2017. ووفقا لما صرحت به الرابطة الألمانية لصناعة السيارات في الشهر الماضي، توظف مصانع السيارات الألمانية في الولايات المتحدة ما يصل إلى 110 ألف شخص وتعتمد نصف هذه الوظائف على الصادرات الألمانية.

المصدر: ذا أتلانتيك