معبر رفح بين مصر وغزة

إقبال مخيف على الخروج من قطاع غزة، ليس وسط شريحة مجتمعية معينة بل يكاد هذا الإقبال يلامس كل شرائح المجتمع الغزي ويحل بكل بيت فيه، الإحصاءات بينت أنه وخلال الفترة الممتدة بين 12 من مايو الماضي و10 من يونيو الحاليّ نَفذ من معبر رفح البري 11 ألفًا و455 مسافرًا فلسطينيًا في الاتجاهين من وإلى قطاع غزة، منهم 8 آلاف و937 مسافرًا عبروا من قطاع غزة إلى الجانب المصري ومنه إلى دول أخرى وعدد ألفين و518 مسافرًا فلسطينيًا، عادوا من الجانب المصري إلى قطاع غزة.

دوافع الهجرة لدى سكان قطاع غزة تتشابه بشكل كبير فيما بينها فغالبية من أقدموا على الخروج من غزة دفعهم لذلك سوء الأوضاع المادية والمعيشية والاجتماعية فيها، وعدم توفر فرص عمل جيدة ومناسبة تحقق الحياة الكريمة، إضافة لما ترتب من آثار سلبية على قطاعات الإنتاج والمشاريع كافة والنقص الكبير في السلع الأساسية والمواد الخام جراء الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 11 عامًا، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل كبير، مما جعل حياة الغزيين تدور بين رحى الطوارئ والأزمات.

الحروب والمناوشات والقصف شبه يومي من العدو الإسرائيلي على قطاع غزة بصواريخ "إف 16" الحربية المرعبة، أدى لعدم وجود استقرار معيشي وأمن حياتي في القطاع، البروفيسور الإسرائيلي رافي ليوبرت قال في مقال له: "الوضع الإنساني في غزة سيزداد سوءًا، زاعمًا أن الخيار الوحيد الذي يسمح للسكان بتحسين أوضاعهم هو الهجرة".

الخلافات والمشاحنات السياسية ما بين طرفي الانقسام الفلسطيني ومداهني الطرفين من الأحزاب والأقطاب الأخرى زاد حياة الغزي مرارة وأعظم من ثقل حمله ومشقة طلبه للحياة وخصوصًا بعد العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس على القطاع، ذلك في ظل غياب إستراتيجية وطنية متكاملة لإدارة شؤون قطاع غزة، وعدم توفر رؤية واضحة لتجاوز الأزمات التي تعصف بالقطاع وتُخفف من آثارها، وتشعب الأهداف وتشابك الأولويات فلا يوجد خط سير محدد لتنظيم حياة المواطن الغزي إنما سلسلة متواصلة من ردود الفعل وعمل تحت الضغط.

المخيف في الهجرة الغزاوية تفشيها في أوساط الأكاديميين وذوي الشهادات العليا وأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين

ولا يمكن تجاهل التأثير النفسي العميق المترتب على مخططات ومحاولات بعض الأطراف العربية والدولية تصفية القضية الفلسطينية وشطبها دون إبداء أي تعاطف أو مراعاة للحقوق الفلسطينية، مما قد يدفع المحاصرين في قطاع غزة للتساؤل عن جدوى صمودهم وصبرهم.

عدد المغادرين من القطاع مهول ويحمل مؤشرات خطيرة لكنه مع ذلك عدد متوقع في ظل الحصار والإغلاق المستمر للمعابر، فالبعض وجد في فتح معبر رفح وتسهيل السفر فرصة ذهبية للفرار من هذا السجن الكبير، والهجرة في حد ذاتها ليست جريمة لكن في الحالة الفلسطينية لها اعتبارات وطنية ونضالية، فكما هو معروف أن العامل الديمغرافي يلعب دورًا ضاغطًا على العدو الإسرائيلي ويشكل أزمة يصعب التغلب عليها.

المخيف في الهجرة الغزاوية تفشيها في أوساط الأكاديميين وذوي الشهادات العليا وأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، ناهيك عن هجرة أكثر من 50 طبيبًا متخصصًا ممن يشهد لهم بالكفاءة والخبرة الطبية التي لا يمكن للقطاع الطبي تعويضها وليس من السهل بناؤها في الأطباء الجدد، خصوصًا أن القطاع مغلق في وجه الوفود الطبية الخارجية التي يمكن بحضورها تعويض النقص الحاصل في الخبرات والكفاءات، ومغلق أيضًا أمام ابتعاث أطباء للخارج للمشاركة في المؤتمرات والدورات العلمية.

الدكتور منتصر إسماعيل كتب على فيسبوك بعد خروجه من غزة: "إلى أحبتي في فلسطين وبالذات في قطاع غزة وأخص منهم مرضاي الأعزاء وزملائي وأصدقائي، سأتغيب عن الوطن (مضطرًا) لفترة من الزمن قد تطول لعدة سنوات، ومن يحتاج مشورة طبية أو أخذ رأيي في أي صور أو نتائج قسطرة قلبية أو تحاليل مراسلتي على الإنترنت، وأسأل الله تعالى أن لا تطول فترة الغياب، وأن نلتقي ثانية على أرض الوطن عندما تتوفر للموظف عمومًا وللطبيب خصوصًا، فرصة الحياة الكريمة له ولأسرته، دون أن يحاربه أحد في رزق أبنائه ويمنع عنه أبسط حقوقه".

الشارع الغزي انقسم ما بين مؤيد ومعارض للهجرة حتى وصل الأمر بالبعض إلى إطلاق مناشدات بمنع أصحاب الشهادات والكفاءات النادرة والمهمة من السفر

لاعبي الأندية والفرق الرياضية جرفتهم هم الآخرين أحلام الهجرة فقد غادر قطاع غزة عدد لا بأس به من الرياضيين المعروفين وأصحاب بصمة وكفاءة عالية في الملاعب الغزية ممن قادوا فرقهم لإحراز الكؤوس وحصد الألقاب الرياضية المتميزة، بحثًا عن فرصة أفضل في نواد رياضية توفر لهم ما يحتاجون إليه من تأهيل وتطوير ومكانة.

الشارع الغزي انقسم ما بين مؤيد ومعارض للهجرة حتى وصل الأمر بالبعض إلى إطلاق مناشدات بمنع أصحاب الشهادات والكفاءات النادرة والمهمة من السفر، في حين نصح آخرون الشباب بالهجرة لتحقيق أنفسهم وذواتهم، صراع المجتمع الغزي بالخصوص بائن وواضح على صفحات التواصل الاجتماعي، فالشاب المحاسب كمال مطر نصح في منشور له على فيسبوك الشباب بالهجرة والبحث عن مستقبلهم، والدكتور جمال نعيم  برأ الأطباء المهاجرين من الخيانة، معتبرًا أن الخائن الحقيقي هو من تسبب في تردي الأوضاع، في حين أن الإعلامية هنادي نصر الله قالت في منشور لها إن بينها وبين غزة ميثاق صمود غليظ وأنها لن تبيعها بالجواهر والناشط الشبابي محمد يونس الذي هدم بيته في العدوان الأخير ولم تتم إعادة بنائه حتى الآن أكد أنه لن يخرج من غزة مهما كان الواقع سيئًا.

على المهاجرين من غزة والشباب منهم على وجه التحديد أن يضعوا في حسبانهم أنهم قد لا يحصلوا من الهجرة إلا على مزيد من البؤس والشقاء فأمامهم الكثير من الاستحقاقات التي قد تستنفد أعمارهم وجهدهم قبل أن تصل بهم إلى الحياة الكريمة التي يحلمون بها وقد طالت الأزمات كل ناحية تشرق عليها الشمس، وعليهم أن يكونوا على مستوى التضحية المطلوبة ليصلوا لما تطمح إليه نفوسهم.

وهناك من النماذج الفلسطينية المشرقة في الغربة ما يبشر بالنجاح ليس آخرها فوز الفلسطينية سارة أبو الخير بلقب أفضل مهاجرة كندية لعام 2018، وعليهم أن يدركوا أن كل دول العالم دون استثناء لديها فيض من الشهادات في شتى التخصصات وأيدٍ عاملة في كل المجالات، ويتوجب عليهم قبل اللحاق بقافلة الهجرة أن يدرسوا الأوضاع القانونية والمالية والحياتية في البلدان التي يرغبون في التوجه إليها، وألا تكون هجرتهم مبنية على الأماني والآمال دون تخطيط ودراسة.

إذا كانت الهجرة مغامرة غير مأمونة الجانب وتجربة غير مضمونة النتائج، فالأفضل البقاء بين الأهل والخلان، فمداواة مرارة العيش في الوطن بالصبر والمصابرة خير من الضياع في بلاد الأغراب والتشتت في متاهات الغربة.