تناولت ألسن الصحف والمواقع الإعلامية أخبارًا بشأن إغلاق السلطات النمساوية 7 مساجد تركية وطرد عدد من الأئمة مع عائلاتهم الذين أدعت أنهم ممولون من بلدان أجنبية ولهم صلة بالقوميين الأتراك في إطار حملة موجهة ضد "الإسلام السياسي والراديكالي"، بحسب تصريح وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورتس.

ومنذ نحو يومين قررت وزارة النقل النمساوية الاستغناء عن اللغة التركية من اختبارات الحصول على رخصة السيارة في البلاد بحلول عام 2019،  بهدف تخفيض التكاليف التي تتكبدها الدولة، وعلى اعتبار أن إتقان اللغة الألمانية مفتاح الاندماج في النمسا، رغم إبقائها على اللغة الإنجليزية والكرواتية والسلوفينية.

حيث جاءت تحركات القرار الأول عقب تحقيق أجرته هيئة الشؤون الدينية، بعد قيام أطفال بتمثيل معركة غاليبولي في أحد المساجد التركية الذي تديره الجمعية الإسلامية في النمسا، وهي معركة وقعت خلال الحرب العالمية الأولى وتعتبر أحد آخر انتصارات الإمبراطورية العثمانية، لكن الحكومة النمساوية انزعجت تحديدًا من تمثيل الأطفال دور القتلى في المعركة وتغطيتهم بالأعلام التركية، إضافة إلى تأديتهم لتحية الذئاب الرمادية القومية التركية.

بالمقابل أثارت هذه الخطوة غضب الحكومة التركية التي رأت أنها انعكاس للإسلاموفوبيا والعنصرية والتمييز في البلاد، خاصة أن نحو 150 شخصًا فقدوا حقهم في الإقامة على اعتبار أنهم أحد أفراد عائلات الأئمة، واستنادًا إلى هذه الأحداث المتلاحقة والتوترات المتصاعدة سنعرف في هذا التقرير علاقة البلدين في زمن الدولة العثمانية.

مواقف عدائية واختلافات حادة

لم تتسم العلاقات النمساوية التركية يومًا بالسلام، فلطالما سادت أجواء من العداء العلني، فمنذ تولي اليمني المحافظ كورتس منصبه، حاول لفت الأنظار إليه من خلال الاهتمام بقضية اندماج المسلمين في المجتمع النمساوي، ومنذ ذلك الحين اشتهر بمواقفه الحادة مع الحكومة التركية وسياساتها خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشل.

من أبرز مواقفه دعوته إلى وقف التفاوض بشأن إمكانية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى إعلانه منع السياسيين الأتراك من تنظيم حملات انتخابية لاستفتاء التعديلات الدستورية على الأراضي النمساوية بحجة أنه إعاقة لعملية الاندماج في النمسا.

توالت هذه السياسات المحبطة بأشكال مختلفة، مثل منع وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي من دخول البلاد لحضور فعالية في ذكرى مرور عام على محاولة الانقلاب في تركيا، حفاظًا على النظام العام والأمن في النمسا

كما توالت هذه السياسات المحبطة بأشكال مختلفة، مثل منع وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي من دخول البلاد لحضور فعالية في ذكرى مرور عام على محاولة الانقلاب في تركيا، حفاظًا على النظام العام والأمن في النمسا، إلى جانب تفتيش سلطات مطار فيينا الدولي ركاب الخطوط الجوية التركية بكلاب بوليسية.

ولدت هذه الأفعال حساسية شديدة بين البلدين لا سيما داخل المجتمع الإسلامي في النمسا، حيث يوجد نحو 360 ألف شخص من أصل تركي في النمسا بينهم 117 ألف مواطن تركي، من أصل 600 ألف مسلم في البلاد التي تضم نحو 8.8 مليون نسمة.

150 سنة من الحروب والهجمات العسكرية المتبادلة


لوحة من حصار فيينا عام 1529

بدأت العلاقة المريرة بين النمسا والدولة العثمانية عندما أراد الخليفة سليمان القانوني أن يجعل النمسا ولاية عثمانية، فأمر 120 ألف مقاتل مدعمين بـ300 ألف مدفع بغزوها عام 1529، بهدف إحكام الإمبراطورية العثمانية سيطرتها على مملكة المجر التي كانت ضمن ملكية هابسبورغ، لكن بعد 25 يومًا من المسيرة الطويلة والحصار هزمت الأمطار والثلوج الأوروبية الجيش العثماني وساءت أحوالهم الصحية على الحدود.

ومع ذلك حاول الجيش دخول البلاد لكن نجحت الخطط النمساوية في عرقلة أهدافهم ونجحت في حماية أسوار مدنها وإلقاء القبض على الصدر الأعظم إبراهيم باشا، ما جعل علامات النصر تتلاشى أمام جنود الدولة العثمانية التي قررت في نهاية المطاف التراجع والتخلى عن طموحها في السيطرة لفترة من الوقت.

انتهت المعركة بانتصار النمساويين وضعف النفوذ العثماني في الإقليم وتوتر علاقاتها مع فرنسا وتنفيذ اتفاقية سلام بين الطرفين باسم "فسفار" دامت لمدة 20 عامًا

بعد 134 عامًا أعلنت الإمبراطورية العثمانية عزمها شن حرب على الإمبراطورية النمساوية عام 1663، وعلى إثر ذلك ناشد الإمبراطور النمساوي ليوبولد الأول البابا لكسب الدعم العسكري من فرنسا وألمانيا، فزودت كل منهما النمسا بأفواج من الجنود التي باغتت العثمانيين في أثناء عبورهم نهر رابا شرق فيينا، ما ألحق بهم خسائر فادحة وصلت إلى حد فقدان أكثر من 22 ألف جندي عثماني، وهذا بعد حصار للمنطقة استمر 59 يومًا.

انتهت هذه المعركة مبكرة الحدوث بانتصار النمساويين وضعف النفوذ العثماني في الإقليم وتوتر علاقاتها مع فرنسا، لكن في المقابل اضطرت النمسا إلى تقديم تنازلات للعثمانيين من أجل تنفيذ اتفاقية سلام بين الطرفين باسم "فسفار" دامت 20 عامًا.

ماذا تبقى من تاريخ الدولة العثمانية في فيينا؟


صورة للفارس العثماني

حافظت هذه العلاقة التاريخية على ملامحها العدائية والحربية، حيث تحتفظ بعض شوارع فيينا بقذيفة منجنيق عثمانية معلقة في واجهة مبنى سقطت عليه خلال المعركة عام 1683، إضافة إلى تمثال جندي عثماني وصل إلى نقطة متقدمة في الأراضي النمساوية.

ومن بعض الجوانب السلمية، هو تمثال ناقل البريد كوليشتيتسكي الذي ساعد في توصيل الأخبار للنمساويين خلال الحصار الثاني، وأصبح فيما بعد أول صانع قهوة في فيينا وهي من الآثار التي تركها العثمانيون خلفهم، كما قلد النمساويون البقلاوة التركية بصنع فطيرة تفاح محشوة بالتفاح بدلًا من المكسرات لكنها مشابهة لها بطريقة التحضير، هذا ولا تخلو البلاد من المتاحف التي تعرض صور هذا التاريخ ومن شاركوا في صنعه من جنود وقادة وأباطرة.

 ترمز الزخارف التركية إلى العلاقات السلمية بين هاتين الإمبراطوريتين التي كانت تحدث عند تبادل الزيارات بين السلاطين والأمراء

منذ 3 سنوات عثر علماء الآثار في مدينة تولن النمساوية على أول هيكل عظمي لجمل يعود إلى القرن الـ17، ووفقًا لنتائج التحليل فإن الخبراء يرجحون أنه قد ترك في البلاد من القوات العثمانية وقد يكون شارك في الهجوم العثماني على فيينا، ويعتقد أنها كانت مناسبة للاستخدام العسكري ونقل الأحمال لأنها حيوانات سهلة التعامل وأكثر صبرًا وقوةً من غيرها.

بجانب الزخارف التركية التي ترمز إلى العلاقات السلمية بين هاتين الإمبراطوريتين التي كانت تحدث عند تبادل الزيارات بين السلاطين والأمراء، جدير بالإشارة وجود كتاب باسم "الوجه التركي لفيينا" كتبه المستشرق كيرستين توميندال ووثق فيه الآثار التاريخية.