طفل أرثوذكسي يحمل صليبا عند المذبح للمشاركة في موكب احتفالات عيد الميلاد في كنيسة المهد في بيت لحم في السادس من كانون الثاني/ يناير سنة 2019.

تطمح تركيا إلى شن عملية عسكرية في شمال شرق سوريا، ضد الوحدات الكردية التي تسيطر على الشريط الحدودي المحاذي لحدودها الجنوبية الممتد من شرق الفرات وصولًا إلى أقصى شرق سوريا، تسارعت وتيرة الاستعدادات التركية في الآونة الأخيرة مع إعلان بدء الانسحاب الأمريكي من سوريا، الأمر الذي شكل الكثير من التداعيات التي ستواجه المنطقة في حال انسحاب القوات الأمريكية، أي من سيحل محلها في المنطقة؟

تركيا ليست الوحيدة التي تطمح لشن عملية عسكرية، فإيران وروسيا والنظام لهم طموحات كذلك، من خلال التعزيزات التابعة للنظام وميليشياته، إلى المنطقة إضافة إلى محاولة الوحدات التنسيق مع روسيا لإعادة النظام إلى المنطقة، لكن ما يخفى هو الرغبة الخليجية العربية في بقاء الوحدات مسيطرة على المنطقة وإنزال قوات عربية بدلًا من أمريكية، وذلك استباقًا للتمدد التركي في سوريا، وسعيًا لإيقافه، ويتزامن ذلك مع تطبيع الدول العربية مع نظام الأسد، وبشكل آخر فالكل ينتظر انسحاب القوات الأمريكية لبسط سيطرته على المنطقة.

وتعتبر تركيا أن لها الأولوية في بسط سيطرتها لأنها ستعيد الحياة للمنطقة خلال أيام دون تعريضها لأي خسائر، إذ لا تتوقف عن عرض خططها التي ستجنب المنطقة معارك كارثية تؤدي إلى خسائر بشرية في صفوف المدنيين، لكن موقف الولايات المتحدة المتردد من انسحاب قواتها في سوريا يشكل عائقًا في التنسيق الأمريكي التركي بخصوص شرق الفرات.

الأولوية لتركيا في شرق الفرات

الأولوية لتركيا في مهمة شرق الفرات

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقال نشرته نيويورك تايمز الإثنين 7 من يناير/كانون الثاني، وترجمه عربي بوست، إن خطوة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الانسحاب من سوريا خطوةً صائبة، لكن يجب أن يتم الانسحاب بعناية شديدة والتنسيق مع الشركاء المناسبين، لحماية مصالح الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والشعب السوري، و"تركيا صاحبة ثاني أكبر جيش بحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعتبر بمثابة الدولة الوحيدة التي لديها القوة والعزيمة للقيام بهذه المهمة".

وأضاف أردوغان: "تركيا الدولة الأولى التي أنزلت عناصرها البرية المقاتلة في الميدان من أجل مواجهة خطر وتهديد تنظيم (داعش) الإرهابي عام 2016"، وكانت القوات التركية قد شنت معركة درع الفرات مع قوات المعارضة ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي حول ريف حلب الشمالي إلى شلال من الدماء.

وأوضح أردوغان أنه من خلال العملية العسكرية التي قامت بها قواته منعت وصول التنظيم إلى حدود الناتو وألحقت به أضرارًا كبيرة أعاقت عمل هجماته الإرهابية في تركيا وأوربا، وتركيا مصممة بكل قوة على محاربة داعش وبقية المنظمات الإرهابية بسوريا، و"لكن نشعر بقلق بالغ حيال احتمالية تدخل بعض القوى الخارجية في الشؤون الداخلية السورية، تحت ذريعة محاربة فلول التنظيم".

قوات الجيش الوطني السوري مستعدة للمشاركة في عملية شرق الفرات

يبدو الرئيس التركي أكثر إصرارًا على شن عملية عسكرية شرق الفرات ضد الوحدات الكردية والقضاء على فلول تنظيم الدولة الإسلامية التي تهدد المسلمين والعالم بحسب تعبيره، واستطاعت تركيا القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في معركة درع الفرات عام 2016، كما سيطرت على منطقة عفرين التي كانت تحت سيطرة ميليشيا الوحدات في الربع الأول من عام 2018، وتعد الدولة الأكثر أحقية للحفاظ على المنطقة من خلال إعادة هيكلتها بعد طرد التنظيمات الإرهابية، للحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتجنيبها الخسائر البشرية والحفاظ على البنى التحتية.

التحالف دمر الرقة والموصل.. لكن تركيا...

تختلف العمليات التي استخدمتها القوات التركية في درع الفرات عن عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في الرقة السورية والموصل العراقية، إذ إن التحالف الدولي كان أسلوبه قائمًا على الغارات الجوية التي تجاهلت بشكل كامل أو جزئي الخسائر المدنية، وبعد سيطرة الوحدات على محافظة الرقة السورية تناقل ناشطون صورًا لدمار هائل خلفته غارات التحالف الدولي وألغام تنظيم الدولة الإسلامية خلال المعارك التي دارت بينهم.

وعلى الرغم من تعرض الكثير من قوات المعارضة والقوات التركية للخطر نتيجة كثافة الألغام التي زرعها تنظيم الدولة الإسلامية، فإنهم نجحوا بتحرير المدينة بأقل الخسائر البشرية والمادية

بينما تركيا على العكس تمامًا، فقد حافظت على البنى التحتية وجنبت المنطقة الخسائر، فالجنود الأتراك، وغيرهم من المحاربين المنتمين للجيش السوري الحر، نجحوا في إخراج الإرهابيين من مدينة الباب إحدى قلاع تنظيم داعش بسوريا، وذلك من خلال طواف كل البيوت بيتًا بيتًا، الأمر الذي قلل الخسائر البشرية في صفوف المدنيين.

وعلى الرغم من تعرض الكثير من قوات المعارضة والقوات التركية للخطر نتيجة كثافة الألغام التي زرعها تنظيم الدولة الإسلامية، فإنهم نجحوا بتحرير المدينة بأقل الخسائر البشرية والمادية، وقال الرئيس التركي إن الأطفال اليوم يذهبون إلى المدارس والمرضى يعالجون في المستشفيات التي أقامتها تركيا، كما تم تنفيذ العديد من المشروعات الهادفة لزيادة فرص العمل وإنعاش الاقتصاد المحلي.

ترميم المدارس في درع الفرات

وقامت تركيا بترميم المدارس في منطقة درع الفرات بعد فرض سيطرتها على المنطقة بأيام معدودات، كما دعمت المكاتب التعليمية في كل منطقة إضافة إلى تدريب معلمين بإشراف التربية التركية، ومن الناحية الطبية فقد أنجزت خلال العام الماضي بناء ثلاثة مشافي إلى جانب المشافي القديمة في المنطقة ودعم القطاع الطبي بكامله.

تعرف على الخطة التركية لإدارة شرق الفرات

اتخذت تركيا كل التدابير للمراحل التي ستلي السيطرة على شرق الفرات، بعد طرد التنظيمات الإرهابية، لإدارة المنطقة من مختلف المكونات السورية، وذلك بتشكيل قوة عسكرية تحرر المنطقة، ثم تشكيل مجالس محلية منتخبة من الشعب لتمثيلها سياسيًا ومدنيًا، وتقديم مختلف الخدمات التي تحتاجها كل منطقة.

تدريب عناصر من الجيش الوطني للمشاركة في معركة شرق الفرات

تشكيل قوة عسكرية بدعم تركي

لا شك أن تركيا استطاعت قبل معركة درع الفرات توحيد صفوف قوات المعارضة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، فقد قال الرئيس التركي: "الخطوة الأولى التي ينبغي اتخاذها في هذا الصدد، هي تأسيس قوة استقرار تضم محاربين من أطياف المجتمع السوري كافة".

 تركيا شكلت قوات من المعارضة المسلحة في ريف حلب الشمالي (منطقة معركة درع الفرات) للمشاركة في عملية شرق الفرات وهم من سكان محافظات الرقة ودير الزور والحسكة ويبلغ عددهم نحو 20 ألف جندي

وذلك باعتبار أن منطقة شرق الفرات تحتوي على عدد من المكونات السورية منها الكردية والإيزيدية والآشورية والعربية، وأضاف: "هذا الكيان الذي سيجمع بين الأطياف كافة، يمكنه تحقيق الأمن والنظام من خلال تقديم خدماته للمواطنين".

وكانت تركيا قد شكلت قوات من المعارضة المسلحة في ريف حلب الشمالي (منطقة معركة درع الفرات) للمشاركة في عملية شرق الفرات وهم من سكان محافظات الرقة ودير الزور والحسكة ويبلغ عددهم نحو 20 ألف جندي، إضافة إلى مشاركة قوات درع الفرات المحلية في المعركة إلى جانب القوات التركية التي ستدير العملية.

عبارات كتبتها المجالس المحلية في درع الفرات

مجالس محلية بإشراف تركي

حققت تركيا نجاحًا باهرًا في إدارة منطقة درع الفرات في شمال حلب، وذلك بعد تأسيس المجالس المحلية المنتخبة من الشعب المقيم في كل مدينة، ليكون الواجهة السياسية لها في التمثيل المدني والسياسي وتقديم الخدمات التربوية والطبية وغيرها.

ومن خطط تركيا تفعيل المجالس المحلية في شرق الفرات، وذلك من خلال قول الرئيس التركي: "كل الأراضي السورية الواقعة تحت سيطرة تنظيم (ي ب ك) أو داعش، ستتم إدارتها من المجالس المحلية المعلنة بانتخابات من الشعب وذلك تحت رقابة تركية"، ويحق لأي شخص لم يتورط بالعمل مع التنظيمات الإرهابية تمثيل مجتمعه في الإدارات المحلية.

جانب من الخدمات التي تقدمها المجالس المحلية في درع الفرات

وأكد أن في المجالس التي ستؤسس بالمناطق ذات الغالبية الكردية شمالي سوريا ستكون الأغلبية لممثلي المجتمع الكردي، لكن أيضًا ستعطي الأطياف الأخرى فرصة الاستفادة من حق التمثيل السياسي بشكل عادل، وقد أشرفت تركيا خلال العام الفائت بعد سيطرتها على منطقة عفرين بمعركة غصن الزيتون على سبع مجالس محلية التي تتبع إدارتها لمنطقة عفرين وتنوعت المقاعد تبعًا للطوائف الموجودة في المنطقة لتحقيق العدل بينهم وتعزيز عمل المجتمع المدني في المنطقة، فيما تعهد الرئيس التركي بمشاركة مسؤولين أتراك لتقديم الاستشارات اللازمة لهذه المجالس في العديد من المجالات مثل شؤون البلديات والتعليم والصحة وخدمات الطوارئ.

وأشار الرئيس التركي أن تركيا ليس لديها أي مشكلة مع أكراد سوريا، ولكنها ستحارب الوحدات الكردية، وذكر أن بعض الشباب السوريين ممن لا يملكون أي خيارات في ظروف الحرب انضموا لصفوف تنظيم (ب ي د/ ي ب ك) المصنف على قوائم الإرهاب، وأكد أن التنظيم يجند الأطفال بشكل فيه انتهاك للقانون الدولي، وبهذا الصدد ستقوم تركيا بتحقيقات معمقة بعد الانسحاب الأمريكي من المنطقة لإعادة الأطفال المحاربين لذويهم.

وتعتبر تركيا أحد أهم الأطراف الخارجية في سوريا، وتحتل دورًا مهمًا في القضية السورية، وحققت إنجازًا واسعًا في إدارة منطقة درع الفرات وغصن الزيتون وجنبتهما الويلات التي واجهتهما خلال السنوات الماضية، لكنها تحاول جاهدةً أخذ موافقة المجتمع الدولي لشن حملة عسكرية نحو شرق الفرات، لكن المواجهات والتغيرات التي شكلت خطرًا على العملية وخاصة محاولة إدارة الرئيس الأمريكي بتمييع قضية الانسحاب من سوريا، بعد إعلانه عنه في وقت سابق، إلا أن الرئيس التركي مجددًا يؤكد اقتراب العملية العسكرية نحو شرق الفرات، والتراجع الأمريكي عن الانسحاب والمماطلة فيه قد يدفع تركيا مجددًا للتعاون مع روسيا، فهل ستحافظ أنقرة وواشنطن على مصالهما في سوريا؟