الإغلاق الجزئي للحكومة الفدرالية بأمريكا يدخل أسبوعه الرابع؛ ليصبح بذلك أطول فترة إغلاق حكومي يشهدها تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزًا إغلاقًا مشابهًا حدث منتصف التسعينيات من القرن الماضي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، ودام 21 يومًا عامي 1995-1996.

ويعد هذا الإغلاق هو الثالث في عهد الرئيس الحاليّ ترامب الذي يخوض نزاعًا مع الديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب بشأن توفير أموال لبناء حدار حدودي مع المكسيك، ومع ذلك تفادى ترامب اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية لحل الأزمة.

ماذا يعني الإغلاق بالنسبة للموظفين الفيدراليين؟  

في 22 من ديسمبر/كانون الأول الماضي أغلقت أجزاء رئيسية من الحكومة الأمريكية أبوابها بعد أن واجه الرئيس دونالد ترامب والساسة الديمقراطيون مأزقًا بسبب طلب الرئيس تخصيص 5.7 مليار دولار لتمويل جدار على الحدود الجنوبية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهو طلب يعارضه الديمقراطيون.

وطلب الرئيس إضافة تكاليف الجدار إلى تشريعات الإنفاق الفيدرالية الجديدة التي يجب تمريرها قبل انتهاء الإنفاق السابق في 21 من ديسمبر/كانون الأول، لكن بعد رفض ترامب التخلي عن الطلب الذي عارضه الديمقراطيون بشدة، بدأ سريان الإغلاق في اليوم التالي.   

الإغلاق يؤثر على أكثر من 800 ألف موظف فيدرالي في 9 إدارات مختلفة، بالإضافة إلى العديد من الوكالات الفيدرالية

ومع رفض ترامب حتى الآن التراجع عن الطلب، طلب البيت الأبيض من مؤسسات الحكومة الفيدرالية أن تهيئ نفسها تحسبًا لاستمرار الإغلاق حتى الشهر المقبل، بينما غادر كثير من أعضاء الكونغرس العاصمة واشنطن لقضاء العطلة الإسبوعية في ولاياتهم، وهو ما دفع الديمقراطيين منهم بالعودة للعمل على إنهاء الإغلاق الحكومي، وذلك رغم فشل جولات سابقة من المفاوضات وتعذر الإجماع على قانون بهذا الشأن بسبب الانقسام الحزبي.

هذا الإغلاق يؤثر على أكثر من 800 ألف موظف فيدرالي في 9 إدارات مختلفة، بالإضافة إلى العديد من الوكالات الفيدرالية، أي أن ربع مؤسسات الحكومة الفيدرالية معطل بسبب الإغلاق وتعطلت معها مصالح ملايين الأمريكيين، وهذا يشمل إدارات الزراعة والتجارة والعدل والأمن الداخلي والإسكان والتنمية الحضرية والداخلية والنقل والخزانة.

الموظفون الفدراليون الذين يعتبرون "ضروريين" مطالبون بالعمل دون أجر، والبعض الآخر وُضع في إجازة إجبارية دون مرتب، ويواجه الآلاف منهم صعوبة في دفاع إيجارات او أقساط منازلهم والوفاء بالتزاماتهم الأخرى، لذلك قام موظفون فيدراليون بمقاضاة الحكومة الأمريكية بسبب شرط أن يعمل بعض العمال دون أجر.

وبعد الإغلاق الحكومي السابق، في فبراير/شباط الماضي، وافق الكونغرس على دفع أجور الموظفين الفيدراليين، لكن الاتحاد الأمريكي لموظفي الحكومة، الذي أطلق الدعوى القضائية الأخيرة، وصف شرط العمل دون أجر بأنه "غير إنساني"، وكنتيجة لاستمرار الإغلاق، أوقفت دائرة الإيرادات الداخلية التي تتبع وزارة الخزانة الأمريكية العديد من خدماتها، لكن المسؤولين قالوا إن الوكالة ستستمر في إصدار المبالغ المستردة من الضرائب، كما تأثرت محاكم الهجرة، مما زاد من تراكم القضايا القائمة بالفعل، التي تشمل أكثر من 800 ألف حالة.

ومع افتقاد الموظفن الفيدراليين لأول دفعة لهم يوم الجمعة الماضي، وزيادة التأثير على المنتزهات الوطنية والاقتصاد والبرامج الفيدرالية، زادت المخاوف من تصاعد الضغوط المالية على الموظفين، بما في ذلك مراقبي الحركة الجوية ومسؤولي الأمن في المطار الذين يواصلون العمل دون أجر، ويشعر الجمهوريون بالضغط لإيجاد طريقة لإنهاء عملية الإغلاق، لكن ميتش ماكونيل، الجمهوري الأعلى في مجلس الشيوخ، رفض هذا العام حتى الآن تقديم أي تشريع لن يوقع عليه ترامب للتصويت.

وينما لا يشعر معظم الأمريكيين بتأثير التوقف، إلا أنه يمكن أن يصاب الملايين إذا لم تنته الفجوة بحلول فبراير/شباط القادم

رفعت نقابة تمثل آلاف من مراقبي الحركة الجوية دعوى قضائية ضد إدارة الطيران الفيدرالية يوم الجمعة، قائلة إنها انتهكت قانون الأجور الفيدرالي بالفشل في دفع أجور العمال، وهي على الأقل الدعوى الثالثة التي رفعتها النقابات نيابة عن العمال غير مدفوعي الأجر.

ووفقًا للعضوة الديمقراطية شاريس ديفيدز، التي أدت اليمين مؤخرًا، كان لإيقاف العمل تأثير مباشر على حياة الأمريكيين الأصليين، وفي حديثها للإذاعة الوطنية العامة مؤخرًا، أوضحت ديفيدز أن الأموال الاتحادية التي تذهب إلى المجتمعات القبلية لخدمات مثل تسوية الطرق والرعاية الصحية توقفت بسبب الإغلاق.

وبينما لا يشعر معظم الأمريكيين بتأثير التوقف، إلا أنه يمكن أن يصاب الملايين إذا لم تنته الفجوة بحلول فبراير/شباط القادم، على سبيل المثال، السكان الذين هم جزء من برنامج المساعدات الغذائية التكميلية (SNAP) قد يتم تعطيل مساعداتهم في مارس/آذار، وفي هذا السياق، قال مسؤولو وزارة الزراعة الأمريكية إن المستفيدين من برنامج ""SNAP سيستمرون في تلقي المساعدة خلال شهر فبراير، لكنهم لا يستطيعون تقديم أي ضمانات إذا استمر الإغلاق في الشهر التالي.

وفي 28 من ديسمبر، أشارت وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن شحنات السلع المشتراة والبرامج الأخرى (مثل برنامج الأغذية التكميلية للسلع الغذائية، وبرنامج توزيع الأغذية) قد تستمر في العمل على مستوى الدولة والمستوى المحلي اعتمادًا على الأموال المتوفرة حاليًا، ولكنها لن تتلقى أي تمويل فيدرالي جديد في أثناء الإغلاق.

خيارات ترامب.. "إن تعين عليّ فعل ذلك فسوف أفعل"

يأتي طلب ترامب للحصول على تمويل الجدار الحدودي بالإضافة إلى العديد من التدابير الأخرى التي تهدف إلى تقييد طالبي اللجوء والهجرة بموجب سياسة "عدم التسامح" التي تتبعها الإدارة، فهو يؤكد أن الجدار مطلوب لتأمين الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك ووقف الهجرة غير النظامية.

ويستحضر في كثير من الأحيان لهجة تهدف إلى زرع الخوف في قلوب الآلاف من سكان أمريكا الوسطى الذين فروا في نهاية العام الماضي من بلدانهم الأصلية أملاً في طلب اللجوء في الولايات المتحدة، بعد هروبهم من العنف والاضطهاد السياسي والفقر المدقع، كما يقولون.

وفي مواجهة معارضة الكونغرس، بدا أن ترامب يقترب من إعلان محتمل من شأنه أن يوقف عملية الإغلاق ويسمح له بالحصول على تمويل الجدار من خلال التحايل على الكونغرس، فمنذ أيام، هدد مع استمرار الإغلاق بإعلان حالة الطوارئ الوطنية من أجل تأمين الأموال للجدار، وهي خطوة من المرجح أن تؤدي إلى تحديات قانونية.    

لكن في خطاب متلفز لشبكة "فوكس نيوز" في 8 من يناير، قال ترامب إنه لن يتخذ مثل هذه الخطوة "في الوقت الحاليّ"، لكنه وصف الوضع على الحدود بأنه "أزمة إنسانية، أزمة قلب وأزمة روح"، وقال ترامب "لدي الحق المطلق في إعلان حالة الطوارئ الوطنية، إذا لم يأتوا إلى رشدهم، سأفعل ذلك، أنت تعرف ماذا سأفعل، سأفعل حالة طوارئ وطنية نحن جميعًا مضبوطة، إنها 100 يوم وسأضطر إلى القيام بذلك".  

ويوم الخميس الماضي، وخلال زيارة إلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، جدد ترامب تهديده باللجوء إلى إعلان حالة الطواوئ للالتفاف على الكونغرس وإيجاد أموال للجدار الحدودي، وهو تحرك يمكن، إذا ما أخذه، أن يواجه تحديًا في المحاكم، وقال في تصريحات صحفية: "لدي كل الصلاحية بإعلان حالة الطوارئ، وقد أشار عليّ بذلك المحامون، ولكني لست مستعدًا بعد لإعلان ذلك، ولكن إن تعين عليّ فعل ذلك فسوف أفعل".    

من شأن الإغلاق الحكومي الجزئي لمدة أسبوعين آخرين أن يُكبِّد الاقتصاد الأمريكي بحسب التوقعات خسائر قد تصل إلى 6 مليارات دولار، وهو مبلغ يتجاوز ما طلبه الرئيس ترامب لبناء السياج الحدودي

يسعى ترامب لاستغلال صلاحيات طارئة لتمويل بناء الجدار الحدودي، حيث ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية، نقلاً عن مصادر لم تسمها، أن البيت الأبيض طلب من مهندسي الجيش الأمريكي البحث عن طريقة لتحويل الأموال من ميزانية وزارة الدفاع لبناء الجدار واستكشاف مدى السرعة التي يمكن أن يبدأ بها البناء في إطار إعلان الطوارئ، لكن بعض الجمهوريين الآخرين عبروا عن شكوكهم، في ضوء العقبات القانونية المحتملة التي قد تواجهها مثل هذه الخطوة.

وبحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن لجوء ترامب لمثل هذه الإجراءات الاستثنائية قد يضع البلاد في عين عاصفة سياسية وقانونية قد تطول، وتمثل حالة الطوارئ في حال أعلنها ترامب تصعيدًا جيدًا وفتيل أزمة قانونية تتعلق بصلاحيات الرئيس.

في حين يتريث في إعلان الطوارئ، ذكرت مصادر أن ترامب قد يصادر أموالاً مخصصة لمواجهة الكوارث لاستخدامها في مشروعه، ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مصادر في الكونغرس الأمريكي أن الرئيس دونالد ترامب يبحث عن طرق محتملة لتمويل الجدار الحدودي مع المكسيك من خلال استخدام أموال الميزانية المخصصة للاستجابة للكوارث الطبيعية في إقليم بورتوريكو وولايات أمريكية أخرى.

خطة الديمقراطيين

خلال اجتماع مع كبار الديمقراطيين قبل بدء الاغلاق، قال ترامب إنه سيكون "فخورًا بإغلاق الحكومة لأمن الحدود"، ومنذ ذلك الحين حذر من أنه مستعد لإغلاقه في السنوات الأخيرة، وأخبر كبار الديمقراطيين أنه "سيبدو أحمقًا" إذا تراجع عن مطلبه.

وفي يوم 9 من يناير، انسحب ترامب من اجتماع مع الديمقراطيين بعد أن قالوا إنهم لن يعطوه المال لبناء الجدار الحدودي حتى إذا أنهى الإغلاق، وعلى الرغم من أنه بدا متمسكًا بقوة بطلبه للحصول على 5.7 مليار دولار في تمويل الجدار، قال ترامب، في 6 من يناير، إنه سيقبل بنية خرسانية معدنية بدلاً من جدار خرساني.   

نانسي بيلوسي تتحدث مع نائب الرئيس مايك بينس وترامب في أثناء لقائهما مع زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر 

وبينما يواصل ترامب التهديد بإعلان حالة الطوارئ، فضَّل الديمقراطيون عدم كشف أوراقهم والتعويل على شق صفوف الجمهوريين، على أمل وضع حد لأزمة الإغلاق الحكومي.

ويرى الديمقراطيون أن الجدار الحدودي باهظ الثمن وغير فعال، ووصفت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي الجدار بأنه "غير أخلاقي"، وبدلاً من ذلك، قالوا إنهم مستعدون لتمويل إجراءات أمنية لا تشمل الجدار، وغالبًا ما يلومون ترامب على هذه الأزمة، ويشيرون إليه على أنه سبب إغلاق الحكومة.  

وبعد ساعات من سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في الـ3 من يناير/كانون الثاني أقر الديمقراطيون حزمة إنفاق مزدوجة تهدف ألى إعادة فتح الحكومة على الفور، ويشمل هذا 1.3 مليار دولار للسياج الحدودي و300 مليون دولار لبنود أمن الحدود الأخرى مثل التكنولوجيا والكاميرات.

إعلان حالة الطوارئ سيحرر ترامب من معظم القيود الدستورية، وسيمنحه صلاحيات واسعة، كشن الحرب مثلاً بمعزل عن الكونغرس وتمويل مشاريع من ميزانية وزارة الدفاع لبناء الجدار

وفي مقابلة مع "MSNBC" بعد فترة وجيزة من توليها السيطرة على مجلس النواب، سعت بيلوسي إلى الفصل بين قضية الجدار والتمويل الحكومي، وقالت "الجدار والإغلاق الحكومي ليس لهما أي علاقة فيما بينهما"، مضيفة أنها غير مسؤولة تمامًا للتفكير بخلاف ذلك.

وكان هناك 21 إغلاقًا للحكومة الفيدرالية منذ بدء عملية الموازنة الحديثة، وقد تنوعت الأسباب من الاختلافات بشأن الإجهاض إلى "أوباما كير"، وبينهما أمور أخرى، ومن شأن الإغلاق الحكومي الجزئي لمدة أسبوعين آخرين أن يُكبِّد الاقتصاد الأمريكي بحسب التوقعات خسائر قد تصل إلى 6 مليارات دولار، وهو مبلغ يتجاوز ما طلبه الرئيس ترامب لبناء السياج الحدودي.

ماذا لو فعلها ترامب؟

يسلط تهديد ترامب الضوء على عمق الانقسامات والخلافات بين الكونغرس والبيت الأبيض، ويعد تصعيدًا للأزمة السياسية القائمة أصلاً بينهما، ومن المعروف أن صلاحيات الرؤساء الأمريكيين تُستمد من الدستور والكونغرس، لكن إعلان حالة الطوارئ سيحرر ترامب من معظم القيود الدستورية، وسيمنحه صلاحيات واسعة، كشن الحرب مثلاً بمعزل عن الكونغرس وتمويل مشاريع من ميزانية وزارة الدفاع لبناء الجدار.

لافتة على مدخل منطقة الترفيه الوطنية، ساندي هوك يحذر الزوار من الخدمات المحدودة خلال إغلاق الحكومة جزئي

داخليًا، من ضمن صلاحيات الرئيس في ظل حالة الطوارئ اعتقال من يُشتبه بأنه يعرِّض أمن البلاد للخطر، ومطالبة بعض الأفراد بتسجيل بياناتهم لدى الحكومة، وتقييد أي تحركات شعبية وإصدار أوامر اعتقال دون إذن قضائي وإعلان الأحكام العرفية وتكليف الجيش بتفيذ مهام في الخارج.

كما بإمكانه فرض قيود على تصدير البضائع الأمريكية وتوزيع موارد الدولة بالطرق التي يراها ضرورية، في حين لا توجد أي ضوابط إجرائية مع الكونغرس على الرؤساء اتخادها للتمكن من إعلان حالة الطوارئ عدا تحديد الصلاحيات التي يعتزم الحصول عليها من إعلانه.

ومن الأحداث التي ما زالت عالقة بأذهان الأمريكيين لجوء الرئيس بوش إلى حالة الطوارئ على مستوى الدولة بعد هجمات 11 من سبتمبر/أيلول، والإعصار "كاترينا"، في حين لجا الرئيس أوباما إلى هذا الخيار عقب انتشار وباء إنفلونزا الخنازير، فحالة الطوارئ تعجل بإيصال الأموال إلى الجهات المعنية دون الخضوع لبيروقراطية الإجراءات الحكومية.

قد تغير قرارات ترامب ملامح المستقبل القريب في أمريكا وربما أيضًا في مناطق أخرى من العالم تقع ضمن نفوذ الولايات المتحدة

قد يكون تهديد ترامب بفرض حالة الطوارئ مجرد أداة لدفع الكونغرس للموافقة على تكلفة بناء الجدار، لكن مصادر مطلعة ذكرت أن الموضوع كان قيد النقاش خلف الستار في البيت الأبيض الذي ألقى على كاهل الديمقراطيين مسؤولية اتخاذ الخطوة التالية.

وفي حال كان تهديده جديًا، ولم يتمكن من التوصل إلى اتفاق مع الديمقراطيين بشأن الجدار لإنهاء تعطيل الإدارات الحكومية جزئيًا، قد تغير قرارات ترامب ملامح المستقبل القريب في أمريكا وربما أيضًا في مناطق أخرى من العالم تقع ضمن نفوذ الولايات المتحدة.