الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو

في لقاء تليفزيوني بعنوان ساعة حوار على قناة المجد، أيام ثورات الربيع العربي عام 2011 تحدث الباحث السعودي وليد الهويريني - فك الله أسره - عن الإسلاميين وأهم إشكاليتين وقعوا فيهما، وكانت الإشكالية الأولى وهي التي ما زلنا نعاني منها حتى الآن إشكالية الرضوخ للأنموذج الثقافي الغربي، ومحاولة تطويع أحكام الإسلام وفق هذه المنظومة الليبرالية لأجل تقديم صورة متوافقة مشرقة عن الإسلام من وجهة النظر الغربية.

وكانت الإشكالية الثانية، وهي الأهم الآن لتعلقها بموضوع المقال، هي تقديم لغة تبريرية تجاه الانحرافات والممارسات الاستبدادية للسلطة، حتى أفضى بهم الأمر إلى شرعتنها، وظنوا أنه من المستحيل أن تتبدل تلك الأنظمة.

الشباب الذي لم يتعرض إلى المحن السجنية هو الأقدر على التغيير وأخذ المبادرة وله من الطموح والآمال ما ليس لغيره، وفوق ذلك وضوح الفكرة والغاية من الكفاح وترجمتها إلى مشاريع نافعة

هذه النظرة كانت ثاقبة جدًا من الباحث، لأن التجارب السجنية تضع أصحابها في قوالب من الحيطة والحذر المستمر الذي غالبًا ما يكون باعثه الخوف، ففي كل خطوة يريد أن يخطوها المعارض، سيستعرض معها ذكريات الذل والعذاب وضيق السجون وسوء المعاملة والخوف من المجهول، وفي النهاية يفضي الأمر إلى تراجعات، وأحيانًا تبريرات ومراجعات!

وعلى العكس من ذلك تجد أن الشباب الذي لم يتعرض إلى تلك المحن السجنية هو الأقدر على التغيير وأخذ المبادرة وله من الطموح والآمال ما ليس لغيره، وفوق ذلك وضوح الفكرة والغاية من الكفاح وترجمتها إلى مشاريع نافعة، مما يدفعه إلى البعد عن الشقاق بشأن جدليات المنهج، وكذلك البعد عن فرض السيطرة  في الآراء وأنماط التفكير الذي تتميز به كل جماعة عن أخرى.

وهذا كانت له نماذج حية، ففي الثورة المصرية كان محركوها هم الشباب لا السياسيين المحنكين أصحاب الكفاح الطويل والتاريخ المرير في سجون العسكر، وكذا ظهر العامل الشبابي بقوة في صفوف حركة حازم صلاح أبو إسماعيل مما جعله الأكثر تحررًا في كلماته وتوقعاته التي غالبًا كانت تدركها أغلب الحركات الأخرى إلا أنه لم يكن مثلهم، للطابع التحرري الاندفاعي الذي تميزت به حركته، فهو لا يستحضر في كل تصريح تجارب السجون وغضب العسكر ونفسية الخوف من ردة فعلهم المجهولة، فصرح برغبة المجلس العسكري في مصر بالاستئثار بالسلطة ورغبة الجيش في الانقلاب، وغيرها من التصريحات الجريئة.

النظم الاستبدادية تخشي من الوجوه الجديدة لحركات المعارضة، كالذي حدث في الأردن لما همت جماعة الإخوان المسلمين هناك بعمل انتخابات داخلية وصل التهديد على الفور بأن أي تحرك انتخابي سيقابل بشدة وحزم وتنكيل

ومثله في الثورة السورية كان يضرب المثل بالشهيد عبد القادر صالح المشهور بحجي مارع فهو الذي كان بين الناس بوجهه البشوش وابتسامته الدائمة، ولم يعرف عنه جدالاً عن المناوشات المنهجية ولا التهافت لفرض السيطرة فيما يعرف بالمناطقية، وكان يصب جل تركيزه على حرية الناس والعدل بينهم وتحرير مناطقهم، وهو من القلائل الذين لم يدخلوا سجن صيدنايا السيء السمعة!

ولهذا فإن النظم الاستبدادية تخشي من الوجوه الجديدة لحركات المعارضة، كالذي حدث في الأردن لما همت جماعة الإخوان المسلمين هناك بعمل انتخابات داخلية وصل التهديد على الفور بأن أي تحرك انتخابي سيقابل بشدة وحزم وتنكيل، فاختبر الإخوان ذلك في دائرة محددة وكان الرد قاسيًا، وهذا مفهوم فالوجوه القديمة تعرف السلطات مداخلها ومخارجها، وتعرف كيف تسيطر عليها، أما الجديدة فهي مغامرة تخشاها الأنظمة!