الـ9 المنفذ بحقهم الإعدام

"أنا خصيمك أمام الله يوم القيامة، أنا واللي معايا مظلومين وأنت عارف ده كويس"، القاضي حسن فريد: "بس أنت اعترفت يا محمود"، محمود: "أديني صاعق كهربا ودخلني أنا وأنت في أوضة وأنا أخليك تعترف إنك قتلت السادات! أحنا اتكهربنا كهربا تكفي مصر عشرين سنة"، بهذه الكلمات أنهى محمود الأحمدي أحد الشباب الذي نفذ بحقه الإعدام صباح اليوم مرافعته الأخيرة أمام محكمة استئناف القاهرة.

بعد أقل من سبعة أيام على تنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة معارضين أدينوا بقتل ضابط كبير في أحداث مدينة كرداسة (غرب القاهرة) في سبتمبر/أيلول 2013، ومن قبله ثلاثة في قضية مقتل ابن أحد القضاة بمدينة المنصورة (شمال)، في 2014، نفذت السلطات المصرية صباح اليوم الإعدام بحق 9 آخرين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"مقتل النائب العام" إثر تفجير استهدف موكبه بالقاهرة في يونيو/حزيران 2015.

وكانت محكمة طعون مصرية قد أيدت حكمًا نهائيًا بإعدام المتهمين الـ9 في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 الماضي، ومن أبرز من صدر بحقهم حكم الإعدام النهائي، الشاب أحمد نجل محمد طه وهدان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان (أعلى هيئة تنفيذية بالجماعة) المحبوس أيضًا.

وبتنفيذ الحكم صباح اليوم يرتفع عدد المنفذ في حقهم الإعدام إلى 41 مواطنًا خلال السنوات الخمسة الأخيرة بينما يقبع 59 شخصًا في انتظار تنفيذ الحكم دون تدخل من السلطات المصرية أو استبدال العقوبة رغم الإدانات الحقوقية الدولية لهذا النهج في التعامل مع القضايا لا سيما السياسية منها.

عدد من علامات الاستفهام فرضت نفسها مع تصاعد موجة تنفيذ أحكام الإعدام في الأيام الأخيرة، في الوقت الذي يشكك فيه الكثير من الحقوقيين في عدالة إجراءات التقاضي، الأمر الذي دفع إلى التساؤل عن المضي قدمًا في تنفيذ تلك الأحكام في هذا التوقيت على وجه التحديد؟ وما الرسائل التي تبعث بها السلطات المصرية من وراء هذا الأسلوب؟

9 ضحايا جدد

أفادت عدد من الصحف المصرية أن مصلحة السجون، نفذت صباح اليوم أحكام الإعدام، بحق كل من المعتقلين: أحمد طه وأبو القاسم محمد وأحمد جمال حجازي ومحمود الأحمد وأبو بكر السيد وعبد الرحمن سليمان وأحمد محمد وأحمد محروس سيد وإسلام محمد.

الصحف لفتت إلى أن سجن استئناف القاهرة، بدأ التنفيذ في الساعة السادسة صباحًا، بعد نقل المعتقلين لغرفة الإعدام، وفي التاسعة والنصف، تم الانتهاء من إعدامهم كافة، ثم جرى نقل الجثث بواسطة سيارات إسعاف لمشرحة زينهم في القاهرة، فيما أشارت أن عضوًا في النيابة العامة وطبيبًا شرعيًا، وشيخ دين، وعددًا من ضباط مصلحة السجون، حضروا عمليات الإعدام.

كما نقلت عن عدد من المصادر داخل المشرحة تأكيدها تسلم جثث المعتقلين للانتهاء من عمليات الغسل تمهيدًا لاستدعاء ذويهم لاستلامهم فيما لم تتضح الصورة بعد بشأن السماح بالصلاة عليها أو المشاركة في جنائز لدفنهم كما حدث مع إعدام الثلاثة الآخرين الذي نفذ بحقهم الإعدام في الـ13 من الشهر الحاليّ.

استغاثات دون جدوى

نُفذ حكم الإعدام بحق المتهمين الـ9 باغتيال النائب العام السابق هشام بركات رغم الاستغاثات المتواصلة التي أطلقها أهالي المعتقلين والمنظمات الحقوقية في مصر وخارجها، حيث قال الأهالي في بيان مشترك لهم: "نحن أهالي المحكوم عليهم بالإعدام في القضية رقم 7122/261 لسنة 2016 جنايات قسم النزهة، والمُقيدة برقم 1300 لسنة 2016 كلي شرق القاهرة، والمعروفة إعلاميًا باسم "قضية النائب العام المصري"، التي شهدت مُخالفات وانتهاكات وإجراءات محاكمة غير عادلة، تخالف كل الأعراف والمواثيق القضائية في المحاكمات العادلة".

وأضافوا: "لقد نمي إلى علمنا، وتواترت الأنباء الواردة من داخل (مجمع سجون طره بالقاهرة)، بأن السلطات المصرية تنوي الإقدام في تنفيذ الإعدام بحقهم (9 أشخاص)، وذلك من خلال تجميعهم جميعًا اليوم - وهم من كانوا في سجون مختلفة - في (مجمع سجون طره بالقاهرة)، وهو الإجراء المُتبع عند تنفيذ الأحكام بالإعدام في مثل هذه القضايا".

"الوقت ينفد لإنقاذ حياة هؤلاء الرجال التسعة، لدى السلطات المصرية فرصة للقيام بالشيء الصحيح من خلال التوقف الفوري عن أي خطط لتنفيذ عمليات الإعدام هذه".. العفو الدولية

وتابع الأهالي: "لذا، نُناشدكم، ونَطلب منكم، التدخل السريع من أجل الضغط، ومناشدة الحكومة المصرية، بوقف تنفيذ هذه المجزرة بحق شباب أبرياء لم يرتكبوا جريمة، وذاقوا كمًا من الانتهاكات والظلم خلال سنوات الحبس الماضية".

وفي السياق ذاته طالبت، منظمة العفو الدولية، السلطات المصرية بضرورة وقف تنفيذ الحكم، قائلة في بيان لها: "أدين المعتقلون بعد محاكمة جائرة بشأن مقتل المدعي العام المصري السابق في عام 2015، وتم نقلهم من زنزاناتهم إلى سجن الاستئناف استعدادًا لتنفيذ أحكام الإعدام، وخلال المحاكمة قال بعض المتهمين إنهم اختفوا عنوة وتعرضوا للتعذيب للاعتراف بالجريمة".

فيما ذكرت مديرة حملات شمال إفريقيا لمنظمة العفو الدولية، ناجية بونيم، أن "الوقت ينفد لإنقاذ حياة هؤلاء الرجال التسعة، لدى السلطات المصرية فرصة للقيام بالشيء الصحيح من خلال التوقف الفوري عن أي خطط لتنفيذ عمليات الإعدام هذه"، غير أن تلك الاستغاثات لم تغير من الأمر شيئًا، إذ تم تنفيذ الحكم صباح اليوم.

اعترافات تحت التعذيب

كشف حقوقيون أن اعترافات المتهمين جاءت تحت تعذيب واضح فضلاً عن عدم توافر إجراءات التقاضي معايير المحاكمة العادلة حسبما أشار مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، خلف بيومي الذي حذر قبل أيام من تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين.

وأشار إلى أن "القضية بها شبهة محاباة للنيابة، حيث تم اعتقال المتهمين تعسفيًا وإخفاؤهم قسريًا، وتعرضوا للتعذيب الوحشي للاعتراف بتهم ملفقة وتم تقديمهم للمحاكمة أمام دائرة غير مختصة وهي إحدى دوائر الإرهاب برئاسة المستشار حسن فريد"، موضحًا: "شهدت المحاكمات الكثير من العوار ولم يتوافر بها الحد الأدنى لضمانات المحاكمة العادلة بداية من عدم السماح لهيئة الدفاع بالحصول على حقوقهم كاملة مرورًا بتعسف رئيس الدائرة وعدم التحقيق في وقائع الإخفاء القسري"، منوهًا إلى أنه يتم إنزال عقوبة الإعدام في مصر بإجراءات سريعة وموجزة تُشكل خطورة وتهديد للحق في الحياة.

وتابع: "تُعد محاكمة المتهمين أمام محاكم استثنائية غير مختصة، وذلك في القضايا السياسية منذ 3 من يوليو/تموز 2013 وحتى الآن من أبرز الخروقات التي تتم بالمخالفة للدستور المصري والمواثيق الدولية المُصدق عليها من مصر، التي تُلزم بأن حق التقاضي مكفول أمام القاضي الطبيعي والمحكمة المُختصة، ونصت تلك القواعد القانونية على عدم جواز إنشاء أي محاكم خاصة، إلا أن عكس ذلك يتم في مصر، في إخلال واضح بالقواعد القانونية والقضائية المُستقر عليها".

59 آخرين على قوائم الانتظار

بأحكام اليوم يصبح عدد من نُفذ بحقهم الإعدام 41 شخصًا، منهم 15 في هذا الشهر فقط، حيث نفذت السلطات المصرية في الـ13 من الشهر الحاليّ حكم الإعدام بحق ثلاثة معارضين أدينوا بقتل ضابط كبير في أحداث مدينة كرداسة (غرب القاهرة) في سبتمبر/أيلول 2013، وقبلها بستة أيام، أعدمت الداخلية ثلاثة آخرين، بسبب مقتل ابن أحد القضاة بمدينة المنصورة (شمال)، في 2014، في حين ينتظر 59 آخرين ما بين لحظة وأخرى تنفيذ الحكم دون إعلان مسبق للتنفيذ.

الجبهة المصرية لحقوق الإنسان (غير حكومية) في رصدها الشهري أوضحت أن ما لا يقل عن 41 حكمًا بالإعدام صدر خلال الشهر الماضي: 23 منها في قضايا جنائية، في حين أحالت المحاكم أوراق ما لا يقل عن 60 شخصًا لمفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه في إعدامهم في 21 قضية: ثلاث منها على خلفية سياسية و18 في قضايا جنائية.

 581 متهمًا على الأقل صدرت ضدهم أحكام بالإعدام منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي

وأشارت الجبهة في بيان لها إلى أن عقوبة الإعدام في مصر تواجه العديد من الإشكاليات، منها تطبيقها على مساحة واسعة من الجرائم وليست فقط الجرائم الخطيرة، كما أن المتهمين في القضايا السياسية أو الإرهاب يتم غالبًا انتهاك حقهم في الحصول على محاكمة عادلة، وهي الضمانات التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية.

فيما أكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (مستقلة) في تقريرها الشهري بشأن أحكام الإعدام التي صدرت وتم تنفيذها منذ شهر يناير/كانون الثاني وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أن 581 متهمًا على الأقل صدرت ضدهم أحكام بالإعدام منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك في 174 قضية مدنية و9 قضايا عسكرية، مشيرة إلى أن الأرقام الواردة في الحصر، تمثل الحد الأدنى الذي استطاع الباحثون الوصول إليه من خلال الأهالي وما تم تداوله في وسائل الإعلام.

أحكام الإعدام تأتي ضمن محاولات النظام لتصفية أي نوع من المعارضة، خاصة التي لها علاقة بثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011

المبادرة في حصادها أوضحت أن عام 2018 يعد عام الإعدامات في مصر من الدرجة الأولى، ففيه صدر حكم الإعدام بحق 30 متهمًا، بالإضافة إلى 51 متهمًا آخر في 17 قضية تمت إحالة أوراقهم إلى المفتي، استعدادًا لتنفيذ العقوبة، وتم تنفيذ العقوبة فعليًا على 11 شخصًا في 6 قضايا منها 5 قضايا عسكرية.

لكن يبدو أن هذا العام 2019 ربما يتصدر الأعوام الخمس الأخيرة، ففي أقل من شهرين فقط أُعدم 15 شخصًا هذا بخلاف 60 آخرين في انتظار موعد التنفيذ، هذا في الوقت الذي تحذر فيه كل المنظمات الحقوقية من السير قدمًا في هذا النهج، مطالبين بتوفير ضمانات لنزاهة إجراءات التقاضي وفق ما أقرها القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.

لماذا في هذا التوقيت؟

تساؤلات عدة فرضها توقيت تصعيد موجة تنفيذ تلك الأحكام، حيث ربط مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية الدكتور ممدوح المنير بينها وبين زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للقاهرة الشهر الماضي، لافتًا إلى أن تجاهله لملف حقوق الإنسان كان نقطة ضوء آخر للسلطات المصرية لتنفيذ تلك الأحكام.

المنير في حديثه لـ"الجزيرة" توقع أن النظام في مصر سيتخذ مزيدًا من الخطوات القمعية في الفترة المقبلة، وذلك بعدما حصل على ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية، في حين رأى البرلماني السابق جمال حشمت أن النظام المصري يبحث عن ضمان استمراره بممارسة العنف في قتل الرافضين له بكل الطرق الممكنة، كاشفًا أنها مقدمة للتعديلات الدستورية لإرهاب الرافضين.

فيما ذهب مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان الحقوقي علاء عبد المنصف، إلى أن أحكام الإعدام تأتي ضمن محاولات النظام لتصفية أي نوع من المعارضة، خاصة التي لها علاقة بثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، منوهًا إلى أن المتابع للنظام المصري منذ يوليو 2013 "يعلم أنه في معادلة صفرية بين نظام السيسي وقوى ثورة 25 يناير/كانون الثاني المختلفة، التي استخدم فيها النظام كل أدواته وقواته للنيل من التيار الإسلامي، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، وبمرور الوقت طالت حالة القمع شرائح المجتمع كافة".

وهكذا تحصد مقصلة الإعدام حياة 9 شباب في مصر يضافون إلى قائمة المنفذ بحقهم الإعدام التي من المتوقع أن قوسها لن يغلق قريبًا في ظل توقعات بالمزيد من تنفيذ تلك الأحكام خلال الأيام القادمة، في الوقت الذي تناشد فيه المنظمات الحقوقية وأهالي المعتقلين السلطات المصرية بوقف التنفيذ لكنها دون جدوى.