تستضيف الحكومة المصرية دورة لمنظمة حقوقية دولية، هي اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب (أعلى هيئة حقوقية في الاتحاد الإفريقي)، في حين تُجمع المنظمات الحقوقية الدولية على أن الحكومة المصرية، ومنذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطة، تقمع وتحارب وتضيِّق على المنظمات الحقوقية، فكيف يستقيم أن تستضيف إحدى هذه المنظمات؟

بين سمعة المستضيف وصفة الضيف

انطلقت صباح أمس أعمال الدورة الـ64 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في مدينة شرم الشيخ، ويشارك في أعمال الدورة مفوضو اللجنة وممثلو أمانة الاتحاد الإفريقي ووفود من الدول الإفريقية والبعثات الدبلوماسية إضافة إلى عدد من المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان.

تزامن مع ذلك انتقادات حقوقية واسعة، فقد أبدت 15 منظمة حقوقية استغرابها من استضافة مصر اجتماعات هذه القمة المعنية بحقوق الإنسان التي بدأت أعمالها أمس الأربعاء، بينما "تقود حكومتها أسوأ أزمة حقوقية في البلاد منذ عقود"، وفق ما ذكرته منظمة "هيومان رايتس واتش".

رفضت السلطات المصرية الاستجابة للطلبات المتكررة من البروفيسور كريتس دوبلر، للسماح له بزيارة موكليه المحتجزين في مصر والسماح له أيضًا بحضور الدورة الحاليّة للجنة الإفريقية

وفق ما أوردته المنظمة في تقرير على موقعها الإلكتروني، فإن "الحكومة المصرية، وعلاوة على نهجها في عدم احترام أو حماية حقوق الإنسان في البلاد، قادت أيضًا جهودًا لتقويض استقلال اللجنة الإفريقية"، وشددت على ضرورة أن تثير اللجنة الإفريقية خلال الاجتماع بحزم انتهاكات مصر الحقوقية التي تهدد حقوق العديد من المصريين بل وحياتهم.

لكن يستبعد البعض أن يحدث ذلك، فمصر في عهد السيسي تترأس الاتحاد الإفريقي هذا العام، لأول مرة في تاريخ المنظمة، وذلك بعد 6 أعوام تقريبًا من تعلّيق الاتحاد لعضوية مصر، عقب إطاحة السيسي بالرئيس محمد مرسي وتعطيل العمل بالدستور في يوليو/تموز 2013.

ويعكس ما يقوم به السيسي مخاوف حقيقية من التأثير المحتمل لرئاسته للاتحاد الإفريقي على استقلال آليات حقوق الإنسان الإقليمية ومشاركتها المستقبلية مع المجتمع المدني التي عبرت عنها منظمة العفو الدولية، بالنظر إلى سجل الرئيس المصري في مجال حقوق الإنسان منذ توليه السلطة. 

استقبل السيسي رئيسة اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب السيدة سوياتا مايجا

السيسي التقى رئيسة اللجنة سوياتا مايجا بالقاهرة، يوم الإثنين الماضي، للتعرف عن كثب على الأوضاع في مصر، وذكرت وسائل الإعلام المحلية، أن السيسي تحدث عن الجهود التي تبذلها مصر خاصة في مجال القضاء على العشوائيات وتوفير السكن اللائق لنحو مليون مواطن من قاطني الأماكن غير الآمنة، في مجمعات إسكانية حديثة كاملة التجهيز والمرافق.

وعلى عكس الصورة التي رسمها السيسي في مخيلة سوياتا التي سارعت بشكره في افتتاح الدورة، أدانت منظمة "المحامون الدوليون" منع السلطات المصرية أحد أعضاء المنظمة من حضور الدورة التي تنعقد في شرم الشيخ بين 24 من أبريل/نيسان و14 من مايو/أيار القادم بحضور وزير الدولة لشؤون مجلس النواب المستشار عمر مروان.

ورفضت السلطات المصرية الاستجابة للطلبات المتكررة من البروفيسور كريتس دوبلر، وهو محام دولي في حقوق الإنسان من مستشاري فريق الدفاع عن الرئيس العراقي صدام حسين، للسماح له بزيارة موكليه المحتجزين في مصر والسماح له أيضًا بحضور الدورة الحاليّة للجنة الإفريقية.

انتهاكات السيسي.. رقص على التناقضات

أصدرت هذه المنظمات الحقوقية المصرية والإفريقية والدولية بيانًا مشتركًا عدَّدت فيه انتهاكات السلطات المصرية لحقوق الإنسان، وأكدت أن استضافة مثل هذه الاجتماعات محاولة لتلميع سجل انتهاكات مريع.

وخلال السنوات الأخيرة اتخذت السلطات المصرية بلا هوادة إجراءات صارمة ضد المنظمات غير الحكومية، كما جمّدت أصول أبرز النشطاء الحقوقيين في البلاد ومنظماتهم وأصدرت حظر سفر ضد العشرات منهم.

حاولت الحكومة المصرية تقويض استقلال اللجنة الإفريقية من خلال قيادة تبني قرار "المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي" رقم 1015، الفقرة رقم 5

وتحدث البيان عن إصدار قانون تعسفي لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية عام 2017، يحظر فعليًا العمل المستقل الذي تقوم به هذه الجمعيات، وبينما أعلنت الحكومة في أبريل/نيسان الماضي عزمها إلغاء القانون "التعسفي"، لم تكشف بعد عن مشروع القانون الجديد.  

وأشار البيان كذلك إلى محاكمة عشرات الحقوقيين العاملين في المنظمات المصرية وتجميد أصول أبرز النشطاء الحقوقيين في البلاد ومنظماتهم وحظر سفر العشرات منهم.

كما ذكَّر بانتقام السلطات المصرية من نشطاء حقوقيين لتعاونهم مع مراقبين حقوقيين إقليميين ودوليين، كما حدث مع العديد من المواطنين الذين التقوا بمقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالسكن اللائق خلال مهمتها الرسمية في مصر، وقالت المنظمات الحقوقية إن منازلهم هدِّمت ومُنعوا من السفر.

لم تفت هذه المنظمات الإشارة إلى أن اجتماعات اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان في مصر تتزامن مع تعديل الدستور المصري وما رافقه من اضطهاد شديد للمعارضة ومحاولة القضاء على أي مساحة للتعبير أو التجمع السلميين.

اعتبرت هذه المنظمات التعديلات الدستورية "قمعية للغاية"، وقالت إنها ستعزز سيطرة الجيش على الحياة العامة والسياسية، وتزيد من تقويض القضاء الضعيف أصلاً، وبعد كل هذا تستضيف السلطات المصرية اجتماعات اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

هذه التعديلات، وقوانين أخرى متعددة وافق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، في السنوات الأخيرة، مثل قوانين الإعلام والقوانين الجديدة لتوسيع استخدام المحاكم العسكرية ضد المدنيين، وجميعها تتعارض مع القانون الدولي بما في ذلك "الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب".

خطر مصر على حقوق الإنسان

منذ فوز السيسي بفترة رئاسية ثانية في انتخابات كانت إلى حد كبير غير حرة أو نزيهة في مارس/آذار، صعّدت قواته الأمنية حملة الترهيب والعنف والاعتقالات التعسفية ضد المعارضين السياسيين والنشطاء والكثيرين غيرهم ممن انتقدوا الحكومة باعتدال، وعللت الحكومة المصرية ووسائل الإعلام الحكومية هذا القمع بذريعة مكافحة الإرهاب.

تحاول مصر الظهور كدولة ترحب بمندوبي حقوق الإنسان ومؤتمرات القمة، بينما تسحق فعليًا جميع الأصوات المعارضة ومجتمعها الحقوقي الذي كان نابضًا بالحياة يومًا

لكن لم تحقق مصر بفعالية أو تحاسب أي مسؤول أو فرد من قوات الأمن على عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين خلال فضها بعنف للاعتصام السلمي إلى حد كبير المؤيد لمرسي في ميدان رابعة في القاهرة صيف 2013، وذلك رغم النداءات الوطنية والدولية العديدة، منها نداء اللجنة الإفريقية ذاتها ورغم الأدلة الدامغة.  

حاولت الحكومة المصرية تقويض استقلال اللجنة الإفريقية من خلال قيادة تبني قرار "المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي" رقم 1015، الفقرة رقم 5، هذا البند الذي اعتُمد في يونيو/حزيران 2018، ويقوّض استقلال اللجنة الإفريقية عبر محاولة وضع عملها تحت سيطرة الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي.

كذلك تجاهلت الحكومة المصرية المقررات والقرارات التي اتخذتها اللجنة الإفريقية وخبراؤها حيال العديد من الانتهاكات والإساءات، بما فيها قمع المجتمع المدني والقيود المفروضة على حرية الدين والمحاكمات الجائرة وأحكام الإعدام الجماعية والاعتقالات التعسفية والعنف الجنسي.

كما كانت سببًا في إعاقة تمثيل بعض الدول في هذه الدورة، وعلى رأسها ليبيا، وذلك نتيجة للانقسام المؤسسي والمجتمعي الحاصل في الدولة وغياب السلطات الليبية من النزاع المسلح الحاضر، بالإضافة إلى عدم إعطاء ملف انتخاب المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان أهمية حتى الآن من السلطات التي تتالت منذ انتهاء المجلس.

تشهد ليبيا انتكاسة عن التحوّل الديمقراطي نتيجة عوامل داخلية وخارجية متشابكة، فيما القاهرة حليفة صريحة لأحد طرفي الصراع فيها وهو اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي التقى السيسي قبل أقل من 10 أيام في العاصمة المصرية، وسرعان ما شنت قواته هجومًا على طرابلس وحكومتها المعترف بها دوليًا.

وسط هذه الأجواء الملبدة بالانتهاكات، تحاول مصر أن تظهر كدولة ترحب بمندوبي حقوق الإنسان ومؤتمرات القمة، بينما تسحق فعليًا جميع الأصوات المعارضة ومجتمعها الحقوقي الذي كان نابضًا بالحياة يومًا، كما يقول مايكل بيج نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، حيث لا يُسمح للعديد من المنظمات المصرية والدولية العمل بحرية في مصر، ولا يمكنها التعبير عن مخاوفها دون انتقام حكومي شديد.  

والحال أن هذه اللجنة لو خصصت كل أعمالها خلال يومين لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ما أسعفها الوقت لكثرة هذه الانتهاكات.