لاجئون في أوغندا

مشكلة جديدة كبرى تواجه قطاع اللاجئين في أوغندا المتخم بالأزمات بالأساس، بعد أن جمدت ألمانيا وبريطانيا الأموال المتدفقة على وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بسببب "الاحتيال والفساد وسوء الإدارة" التي كشفتها مراجعة داخلية للأمم المتحدة العام الماضي، والبلدان من أكبر أربعة مانحين للمفوضية في أوغندا، واستمرار الأمور على هذا النحو قد يتسبب في تعريض حياة اللاجئين للخطر.

تعتبر أوغندا أكبر دولة إفريقية توفر وسائل الاستضافة للاجئين في القارة، وتستهدف خدماتها أكثر من 1.2 مليون لاجئ، غالبيتهم فروا من النزاع في الدول المجاورة خاصة جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ورغم ذلك لم تتوان كل من ألمانيا والمملكة المتحدة عن تنفيذ قرار تجميد تمويل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أوغندا، عقابًا لما أثير في تقرير التدقيق الصادر بنوفمبر الماضي الذي أكد أن إدارة أموال المانحين تم التلاعب بها بشكل خطير، خلال الفترة من 2016 إلى 2017.

ماذا حدث؟

في نوفمبر الماضي، كشف تقرير للأمم المتحدة أن المفوضية الأوغندية أهدرت عشرات الملايين من الدولارات ومنحت العقود الرئيسية بشكل غير صحيح وفشلت في تجنب الاحتيال والفساد والإهدار الممنهج للمعونات، وهي نتائج أكدها المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال في ديسمبر 2018، بعد أن فتح تحقيقًا في مزاعم الاحتيال والمخالفات المتعلقة بمشروعات محددة يمولها الاتحاد الأوروبي لدعم مستوطنات اللاجئين في أوغندا.

منذ يناير 2018، لم تقدم لندن حصتها للاجئين في أوغندا، وباستثناء تمويل طارئ للمساعدة في منع تفشي فيروس إيبولا، رفضت تقديم المزيد من التمويل

طلب المانحون من أربعة مسؤولين أوغنديين، التنحي المؤقت في فبراير 2018، انتظارًا للتحقيقات، بما في ذلك مفوض اللاجئين في مكتب رئيس الوزراء أبولو كازونجو وثلاثة من موظفيه، ولكن لم يتم الاستجابة لهذا الطلب، ولم تقدم المفوضية أي معلومات عن الإجراءات التأديبية التي تمت لضمان نزاهة التحقيق، ما أثار غضب تيجس فان لير مدير البرنامج في المبادرة الدولية لحقوق اللاجئين، وخرج بتصريحات تؤكد أن الوقت حان لمحاسبة الأفراد المتورطين في فضائح الفساد وإيجاد طرق بديلة لمواصلة دعم اللاجئين مع تقليل مخاطر سوء الإدارة المالية.

ومنذ يناير 2018 لم تقدم لندن حصتها للاجئين في أوغندا، وباستثناء تمويل طارئ للمساعدة في منع تفشي فيروس إيبولا، رفضت تقديم المزيد من التمويل إلا بعد أن تكون على ثقة أولاً أن المفوضية الأوغندية عالجت بشكل صحيح القضايا التي أثيرت في المراجعة الأخيرة، وحتى يعود التعاون من جديد، يجب على المفوضية تقديم معلومات مفصلة عما إذا كان أي تمويل من المملكة المتحدة قد فقد بسبب المشكلات التي أثيرت في عملية التدقيق أم لا.

قدمت بريطانيا نحو 20.1 مليون جنيه إسترليني، ما يقارب 25.9 مليون دولار، كتمويل للمفوضية في أوغندا، بين عامي 2016 و2017، طبقًا لتصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة التنمية الدولية البريطانية، وبعد ظهور رائحة الفساد في إدارة المنظومة، اتخذت لندن على الفور قرارًا بعدم التسامح مطلقًا مع الغش والفساد، وإساءة استخدام أموال دافعي الضرائب البريطانيين، وتعهدت بعدم العودة إلى تمويل المفوضية قبل اتخاذ إجراءات حازمة وفورية.

اكتفت المفوضية الأوغندية بإعلان مخاطر تجميد الصندوق، وأكدت أن تعطيل برامج المساعدات الإنسانية يشكل المزيد من الضغوط على الخدمات العامة المحدودة أصلاً في البلاد

على الجانب الآخر، أكدت ألمانيا أن أموالها تقدم مشروطة بتنفيذ تدابير النزاهة الصارمة، وحتى تعود للتمويل يجب تنفيذ التدابير اللازمة على النحو المناسب أولاً، لا سيما أنها ثاني أكبر مانح للمفوضية في أوغندا عام 2017، بتمويل يزيد على 15 مليون دولار، فالأموال الألمانية المخصصة للمساعدة الإنسانية يجب أن تستخدم بأكثر الطرق فعالية وكفاءة.

أمام هذا التصعيد، اكتفت المفوضية الأوغندية بإعلان مخاطر تجميد الصندوق، وأكدت أن تعطيل برامج المساعدات الإنسانية يشكل المزيد من الضغوط على الخدمات العامة المحدودة أصلاً في البلاد، فالانخفاض الحاد في موارد المفوضية وشركائها في أوغندا، يؤثر بلا شك على نطاق وجودة وإدارة الخدمات على أرض الواقع، وخاصة أن المفوضية لم تستطع تجميع أكثر من 173 مليون دولار، من أصل 448 مليون دولار هذا العام، وستحتاج ما لا يقل عن 40 مليون دولار حتى تتمكن من الحفاظ على الحد الأدنى للخدمات، ما يعني أن نقص التمويل يهدد بتحويل حياة اللاجئين إلى حجيم.

اللاجئون بدورهم لم ينتظروا كثيرًا للتعبير عن غضبهم من توقف المساعدات، وخرجوا في شوارع مدينة بيدي، وهي أكبر مستوطنة للاجئين في العالم، ونظموا احتجاجًا عنيفًا على نقص الغذاء ودمروا مركبات المنظمات غير الحكومية، ووقعت عمليات نهب للممتلكات، كما وقعت احتجاجات مماثلة في مقاطعتي أروا، فضلاً عن توقف البلاد عن استقبال الوافدين الجدد، إضافة إلى انتشار فيروس إيبولا القادم من الكونغو.

لماذا أوغندا تحديدًا؟

يحّج اللاجئون إلى أوغندا بهذه الكثافة، حيث لا يوجد جدران على الحدود ولا أسلاك شائكة، والقادم إليها لا يجد أي أزمة في العبور، بل على العكس يجد ترحيبًا كاملاً من مواطني الشمال الغربي بمنطقة البحيرات العظمى، والأهالي يتعاملون بحس إنساني رفيع مع وافدين أغلبهم من النساء والأطفال.

تشجع السلطات الأوغندية مواطنيها على منح الأراضي للاجئين، حتى يتمكنوا من العيش والزراعة، كما يستأجر البعض الحقول مقابل حصص الإعاشة

وأوغندا هي أول أرض لجوء في إفريقيا، وكانت على مدار السنوات الثلاثة الماضية، محط أنظار مواطني جنوب السودان والكونغوليين، فوفقًا للأرقام الرسمية، يوجد نحو 1.2 مليون لاجئ يتاح لهم حرية المجيء والمغادرة كما يحلو لهم ويمكنهم تعليم أطفالهم في المدارس العامة والحصول على الخدمات الصحية، وهو نهج فريد من نوعه بالنسبة للأمم المتحدة والجهات المانحة التي تعتبر أوغندا جنة للاجئين قبل اكتشاف فضيحة فساد أساءت لهذه الصورة على نحو كبير.

وتشجع السلطات الأوغندية مواطنيها على منح الأراضي للاجئين، حتى يتمكنوا من العيش والزراعة، كما يستأجر البعض الحقول مقابل حصص الإعاشة، ولكن المثالية والفكر الحالم ليس كل شيء، وحتمًا يواجه المصاعب، إذ اشتكى أصحاب الأرض من أن العبء أصبح ثقيلًا للغاية، بسبب الخلافات المتصاعدة بشأن أحقية التعيين بالوظائف القليلة المتاحة، بجانب تحكم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، بالسلطات الأوغندية، والعمل بشكل وصائي على توزيع الحكومة للمساعدات الخارجية على السكان المحليين في المناطق التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين، واشتراطها أن لا يصل إليهم أكثر من ثلث المساعدات الدولية فقط.

بجانب هذه الأزمات، عرف الفساد طريقة إلى أوغندا وأصبح يبتلع البلاد بعد تضخم عدد اللاجئين الراغبين في الحصول على مساعدات الأمم المتحدة، وتؤكد بعض التقارير أن موظفي وكالة الأمم المتحدة مشتبه في تورطهم بالاحتيال، بعد الكشف في نوفمبر 2018 بواسطة الأمم المتحدة، عن سوء الإدارة وإهدار عشرات الملايين من اليورو من المفوضية، وأصبح هناك خوف متزايد من إهدار الموارد دون تقديم أسباب مقبولة للجهات المانحة على رأسها الاتحاد الأوروبي الذي دعا إلى اتباع عمليات التدقيق وإنشاء نظام تسجيل بيومتري لتجنب المخالفات.

يستند الاتحاد في مخاوفه إلى قوانين مكافحة الشذوذ الجنسي بأوغندا التي تصل مجمل العقوبات حولها إلى الإعدام

وتتبع أوغندا آليات بيروقراطية بطيئة وشاقة تتسبب في تأخر توزيع المواد الغذائية، ما يهدد إدماج اللاجئين على المدى الطويل، ويدخلهم في نزاعات مع المجتمعات المحلية، الأمر الذي اضطر العديد من الدول الغربية، لتجميد مساعداتها خوفًا من تعقيد وضع اللاجئين وتوريطهم في صراعات يومية جراء هذه الأنظمة المعقدة الهشة، بجانب عدم ارتياح الاتحاد الأوروبي لمنهج السلطة في حماية الأقليات من الاضطهاد والتمييز.

ويستند الاتحاد في مخاوفه إلى قوانين مكافحة الشذوذ الجنسي بأوغندا التي تصل مجمل العقوبات حولها إلى الإعدام، وهو موضوع محل أزمة بين الطرفين (المانح والمستقبل للمعونات)، حيث تضغط الجهات المانحة على الحكومة الأوغندية لضمان احترام وحماية حقوق الإنسان لجميع المواطنين، ولن يحدث ذلك من وجهة نظرها إلا بحماية المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنساني، وهي مطالب تتكسر على عتبة أوغندا الرافضة لهذا النوع من الحريات، وتعتبره ضد الهوية الثقافية للبلاد وترفض الانصياع له مهما كانت التكلفة والتحديات.