زيادة استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية منذ سنة 1979 تعني أن نسبة الأراضي المصادرة أصبحت تشكل 22 بالمئة من الضفة الغربية برمتها.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يقف تيسير عطايا منحنيًا على عكازه محُدّقا في قطعة أرضه التي تقع في جبل ريسان، غرب رام الله. وقد مُنع هذا الرجل، البالغ من العمر 65 سنة، من الدخول إلى أرضه منذ سنة تقريبًا. ففي آب/ أغسطس 2018، بنى المستوطنون الإسرائيليون منازل على أجزاء من أرضه التي تبلغ مساحتها 104 دونمًا، أي ما يعادل 10.4 هكتارا، في قرية رأس كركر. ويقول عطايا إنه منذ تلك اللحظة، كان يعلم أن حلمه في توريث الأرض لأبنائه وأحفاده قد تلاشى.

لا تعتبر قطعة الأرض التي يمتلكها عطايا سوى جزء بسيط من أراضي تمتد مساحتها على حوالي 100 هكتار استولت عليها إسرائيل لأول مرة سنة 1983. ومن ثم أصدرت محكمة عسكرية قرارًا يقضي بتجميد أمر مصادرتها. وظلّ الحال على ما هو عليه طوال 35 سنة. لكن، على مدار السنة الماضية، تكثفت جهود بناء المستوطنات. وخلال الحوار الذي أجراه معه موقع "ميدل إيست آي"، ذكر عطايا أن أمر المصادرة لن يقتصر على الأراضي الممتدة على 100 هكتار فحسب، بل سيمتد إلى أبعد من ذلك بذريعة الهواجس الأمنية.

في هذا السياق، قال عطايا: "لقد حاولت في العديد من المناسبات الدخول إلى أرضي. لكن، كلما كنت أحاول الاقتراب من الأرض، يحاصرني الجنود ويمنعونني من الوصول إليها". الجدير بالذكر أن عطايا ورث قطعة الأرض هذه عن جدّه. وأردف عطايا قائلًا: "لن أتخلى عن أرضي، ورغم أنني أجد صعوبة في المشي، إلا أنني أحاول الدخول إلى أرضي كل أسبوع، ولن أتوقف عن محاولة استردادها"، مضيفًا أن "هذا هو النضال الذي سأورّثه لأطفالي، الذين لن يستسلموا أبدا".

العديد من القضاة الإسرائيليين يعيشون في المستوطنات التي وقع إنشائها على أراضينا الخاصة. لذلك، نحن لا نتوقع أن يحكموا لصالحنا في هذه القضايا، على الرغم من جميع الأوراق والإثباتات التي بحوزتنا"

القانون العثماني

يقف المحامي وديع نوفل، البالغ من العمر 52 سنة، بجانب عطايا، حاملا في يده حزمة من الأوراق التي تثبت ملكية 75 وريثًا من عائلة عطايا لحوالي 4 هكتارات من الأراضي الواقعة في جبل ريسان. وحيال هذا الشأن، أفاد المحامي أن "العديد من القضاة الإسرائيليين يعيشون في المستوطنات التي وقع إنشائها على أراضينا الخاصة. لذلك، نحن لا نتوقع أن يحكموا لصالحنا في هذه القضايا، على الرغم من جميع الأوراق والإثباتات التي بحوزتنا".

إن ربط المستوطنات ببعضها البعض يعني خسارة المزيد من الأراضي بالنسبة للفلسطينيين.

في سنة 1979، تقدم الفلسطينيون الذين وقعت مصادرة أراضيهم بالتماس إلى المحكمة العليا في "إسرائيل"، بحجة انتهاك القانون الدولي، وفازوا في هذه القضية. لكن هذه الحادثة كانت نادرة، حيث لم تستطع المحكمة آنذاك إصدار الحكم ضد هؤلاء الفلسطينيين لأن إنشاء المستوطنات لم يكن لدواعي أمنية أو عسكرية ولكن لأن المستوطنين شهدوا بأنهم يعتزمون العيش هناك لأسباب دينية وسياسية.

حقائق على الأرض

بعد صدور حكم المحكمة، بدأت "إسرائيل" في إعادة صياغة الأحكام التابعة لقانون الأراضي العثماني وتطبيق تفسيراتها الخاصة لضم الأراضي الفلسطينية الخاصة لتصبح تابعة للدولة. وفي الفترة الممتدة بين سنة 1979 و2002، أعلنت "إسرائيل" عن زيادة مساحات الأراضي التابعة للدولة إلى أن أصبحت هذه الأراضي تشكل في الوقت الراهن 22 بالمئة من الضفة الغربية في مجملها.

في هذا الإطار، أوضح وديع نوفل قائلًا: "إنهم يخلقون حقائق على الأرض من خلال الاستيلاء على الأراضي والتوسع في المناطق المحيطة بها". وأورد المحامي أن هذه الأراضي المصادرة هي تابعة لفلسطينيين ينحدرون من القرى المحيطة، على غرار رأس كركر، وخربثا بني حارث، وكفر نعمة. وأضاف نوفل، وهو يرتّب رزمة الأوراق التي بيده ويحكم قبضته عليها خشية أن تحملها الرياح، أنه "من المؤلم للغاية أن أقف هنا على بعد بضعة أمتار من أرضي، ولا أستطيع الوصول إليها. من المؤلم أن أكون محاميا وليس لدي القدرة على الدفاع عن حقوقي".

تداعيات على المنطقة بأسرها

أكّد عبد الله أبو رحمة، الذي ينشط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية، لموقع "ميدل إيست آي"، أن هذه البؤرة الاستيطانية هي مجرد تمهيد لإقامة مستوطنة كبيرة على تل ريسان في المنطقة ج من الضفة الغربية المحتلة. ويوضح أبو رحمة أنه بالإضافة إلى الاستيلاء على الأرض، يتمثّل هدف الاحتلال الإسرائيلي في ضمّ المستوطنات القريبة غرب رام الله إلى إحدى المستوطنات الرئيسية الأخرى في منطقة موديعين عيليت، حيث يعيش حوالي 70 ألف إسرائيلي.

وقع بناء هذه المستوطنة على أراض تابعة لقرى فلسطينية على غرار نعلين وصفا ودير قديس وخربثا بني حارث. وحيال هذا الشأن، يقول أبو رحمة إن "ضم المستوطنات إلى بعضها البعض يؤدي إلى فقدان المزيد من الأراضي بالنسبة للفلسطينيين حيث أنهم بصدد إنشاء بنية تحتية تخدم مصالح المجتمعات اليهودية. ولن تؤثّر هذه الخطة على مالكي الأراضي فحسب، بل ستكون لها عواقب وخيمة على منطقتي الضفة الغربية والقدس بأكملها". كما واصل أبو رحمة حديثه مؤكدا أن هذه العملية ستعرقل التواصل الجغرافي بين القرى الفلسطينية والحد من توسّعها الطبيعي.

هجمات المستوطنين ضد القرية تصاعدت بشكل مكثف منذ آب/ أغسطس 2018. وقد قُطعت 130 شجرة زيتون رومانية قديمة على الأقل.

الأرض تعني الحياة

يملك ناصر نوفل، البالغ من العمر 63 سنة، قطعة أرض في تل الريسان ورثها عن جده وتبلغ مساحتها هكتارًا واحدًا. ويقول ناصر إن "أي شخص يزور هذه المنطقة، سيدرك جيدًا أن مزاعم "إسرائيل" باطلة. إن أراضينا مزروعة وغنية بأشجار يبلغ عمرها حوالي 400 سنة. لقد اعتدنا على الذهاب إلى أراضينا والعمل فيها". ويدرك ناصر جيدا أن منطقتهم تتمتّع بموقع استراتيجي بالنسبة للمستوطنين الإسرائيليين، إذ يطلّ تل الريسان على كل من ساحل البلاد والتلال الأردنية والقدس. وأضاف ناصر أنه "باستخدام ادعاءات زائفة وقوانين قسرية، تستولي "إسرائيل" على قمم التلال وتسرق الأراضي الفلسطينية التي تشكل مصدرًا للقوت اليومي بالنسبة للسكان المحليين. إن الأرض تعني الحياة، وسأستمر في الدفاع عن أرضي حتى الموت ولن أسمح للإسرائيليين بالسيطرة عليها".

اعتداءات المستوطنين

أفاد رئيس المجلس المحلي بقرية رأس كركر، راضي أبو فخيذة، لموقع "ميدل إيست آي" بأن عريضة أخرى قُدّمت ضد قرار المصادرة، لكن المحاكم الإسرائيلية رفضت الاستئناف. مع ذلك، صدر حكم قضائي لصالح أرض على ملك أحد السكان يدعى إبراهيم أبو فخيذة، حيث وقع بناء طريق بطول 700 متر لخدمة المستوطنة الإسرائيلية.

 دمّر المستوطنون أشجار الزيتون الرومانية القديمة.

في السياق ذاته، أكّد راضي أنه "في حال نجحنا في استعادة أرض إبراهيم، فسنصبح قادرين على إغلاق الطريق المؤدي إلى المستوطنة الجديدة ووقف حركة المستوطنين في اتجاه هذه المنطقة. وحتى الآن، منعنا الجيش الإسرائيلي من تحقيق هذه الغاية، وزعم أنه لا يمكن بناء طريق بديل". وتقع قرية رأس كركر على بعد حوالي 15 كيلومترًا غرب مدينة رام الله، وتبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 700 هكتارًا. وتحيط بها ست مستوطنات إسرائيلية مبنية على أجزاء من أراضي القرية. في هذا الصدد، أشار راضي إلى أن حوالي 200 هكتار من الممتلكات تعرّضت حتى الآن للمصادرة بهدف إنشاء بنية تحتية ملائمة لبناء المستوطنات.

واصل رئيس المجلس المحلي للقرية حديثه مؤكدًا أن "هجمات المستوطنين ضد القرية تصاعدت بشكل مكثف منذ آب/ أغسطس 2018. وقد قُطعت 130 شجرة زيتون رومانية قديمة على الأقل، وحُفرت الشعارات المعادية للفلسطينيين على السيارات، كما مُنع المزارعون باستمرار من الوصول إلى أراضيهم. ويقول راضي: "لم تستسلم الأسر في رأس كركر في وجه اعتداءات المستوطنين حيث دأبت على الذهاب إلى أراضيها ومزارعها يوميًا لتحصد محاصيلها".

الدفاع عن الأرض

بلغت الأوامر الإسرائيلية بمصادرة الأراضي قرية كفر نعمة القريبة أيضا، التي تمتد إلى تل الريسان، حيث أوضح رئيس المجلس المحلي لقرية كفر نعمة، خلدون الديك، أن السلطات الإسرائيلية صادرت أكثر من 65 هكتارا من الممتلكات التابعة للأسر في تلك القرية. وقد احتلّ طريق يخدم المستوطنة مساحة تمتد على حوالي 25 هكتارا إضافيا من أراضي القرية. ويقرّ الديك بأن الأسر التي سُرقت منها أراضيها حاولت استخدام جميع الوسائل المتاحة والسلمية لاستعادتها، بما في ذلك تقديم عريضة للمحاكم الإسرائيلية والاعتصام داخل أراضيها المُفتكّة.

ووفقا للديك، "تعد هذه الأرض فلسطينية وبإمكاننا الاستظهار بجميع الوثائق اللازمة لإثبات هذه الحقيقة. ومن المحتمل أن تؤثّر مصادرة هذه الأراضي وبناء المستوطنات فوقها بشكل كبير على أمن المنطقة، وستتمادى السياسات الاستعمارية لتشمل المزيد من الأراضي داخل القرى". ومنذ آب/ أغسطس 2018، مثّلت منطقة تل الريسان بؤرة التوتر التي تشهد مواجهات ساخنة بين الفلسطينيين القادمين من مختلف القرى المحيطة والذين يحاولون النفاذ إلى أراضيهم، وجنود الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة رفض أصحاب الأرض لهذه السياسات الاستعمارية.

ما تم الاستيلاء عليه بالقوة لا يمكن استعادته إلا بالقوة".

بناء على ذلك، تميل العائلات إلى إقامة صلاة الجمعة على التل كعمل احتجاجي، ما يدفع الجنود الإسرائيليين إلى الرد بواسطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. وبالعودة إلى رأس كركر، يقول عطايا إنه ينبغي على المزيد من الفلسطينيين الاحتجاج في وجه السياسات الإسرائيلية القائمة على التمييز العنصري، حيث قال: "نحتاج إلى آلاف الفلسطينيين للانضمام إلينا والدفاع عن هذه الأرض". كما استشهد عطايا بكلمات الزعيم المصري الراحل، جمال عبد الناصر: "ما تم الاستيلاء عليه بالقوة لا يمكن استعادته إلا بالقوة".

المصدر: ميدل إيست إي