مسلسل نسر الصعيد

في الوقت الذي تشهد فيه محافظة "سوهاج"، إحدى محافظات الصعيد تطويرات متصاعدة، من بينها مثلًا افتتاح أول مدرسة دولية بها، وافتتاح مرتقب لأول جامعة خاصة كذلك، وفيما تعج المدينة بالأسواق والمولات الكبرى ومظاهر الحياة التي ترفع مستوى المحافظة النائية لتصبح أفضل حالًا؛ نلحظ بوضوح أن هناك الكثير من المصريين أنفسهم ما زالوا لا يعرفون عن الصعيد شيئًا سوى جرائم الثأر وتهريب الآثار وارتداء الجلباب والمزيد من أشكال الصور النمطية السلبية. كان ذلك نتاجًا وتأثّرًا بما أنتجته الدراما والسينما عن الحياة في صعيد مصر، ولم يوجد أي تغيير حقيقي وملموس فيما نشاهده "عنا" على شاشات التليفزيون، حتى أصبح الأمر مثيرًا للملل والضجر لنا، نحن الصعايدة، ولقمة مهضومة للآخرين، فلا نحن نحن، ولا من تتحدث عنهم المسلسلات المصرية موجودون من الأساس.

ما الذي أعطى هذا الانطباع عن الصعايدة في الدراما؟

عادة ما تكون التطورات في أغلب دول العالم بالعاصمة والمدن الكبيرة، بينما تظل باقي المناطق بعيدة ونائية عن الاهتمام والحضور بل وحتى عن الشعور بوجودها من الأساس، وغالبًا ما يكون الجنوب هو الجزء المنسي في البلاد الذي ينقصه الكثير ويحتاج إلى نقلة حقيقية، وهذا الحال موجود في مصر بشكل صريح، والتجاهل الحكومي عزز فكرة الجهل والغموض عنا، فلم نصبح في نظر الكثيرين سوى أفراد همجيين صعبين المراس وأغبياء الطبع، لدرجة أننا أصبحنا المصدر الرئيسي للنكات والسخرية.

أي فكرة يعرفها العرب بل والمصريون عن الصعيد وأهله، هي بالأساس فكرة مستوحاه من التليفزيون والدراما التي تناولت هذه الموضوعات، ولكنها لم تتناولها بشكل حقيقي وواقعي

في الحقيقة يعاني صعيد مصر من عدد لا حصر له من المشكلات، مثل انعدام الاهتمام الحقيقي من الدولة وعدم وجود فرص عمل أو تعليم جيد أو وحدات سكنية وغيرها من المشاكل الجوهرية التي تجعل الجنوبيين يغوصون في مشاكلهم وفقرهم ويعزفون عن أي شيء آخر، ولهذا فقد كنا بعيدين تمامًا عن الحياة ومنغمسين في مشكلاتنا المحلية.

ومن زاوية أخرى يتميز أهل الجنوب بالعصبية، كما هو الحال في أغلب المناطق المهمشة في العالم، وهذه النقطة هي أساس الاستغلال الدرامي.

كيف صورت الدراما والسينما الصعيد؟

أي فكرة يعرفها العرب بل والمصريون عن الصعيد وأهله، هي بالأساس فكرة مستوحاه من التليفزيون والدراما التي تناولت بيئتهم، ولكنها لم تتناولها بشكل حقيقي وواقعي، فهي استمدت جزءًا من البيئة دون أن تعكسها بشكل كامل، فلا أنكر أن الصعيد به ثأر وعصبية ولأهله طباع وعادات، ولكن كل هذا يمثل جانبًا من حياتهم وليس محور حياتهم التام، لننظر إلى تاريخ صعيد مصر ونرى كم من مثقف وفنان وسياسي خرج من تلك البلدات وكيف ساهم وأثر في حياة المصريين بل وفي حياة العرب بشكل عام، لنعرف أن البيئة التي تخرج هؤلاء لا يكن أن تكون كما هي مصورة.

ونستعرض هنا بعض الأعمال الدرامية والسينمائية التي جسدت البيئة الصعيدية:

ذئاب الجبل

كانت أعمال الكاتب محمد صفاء عامر عن الحياة في صعيد مصر أول ما لقى صدى حقيقيًا وصادقًا بين الجمهور في هذا النوع من الموضوعات السينمائية، وكان مسلسل "ذئاب الجبل" الصادر عام 1992 العمل الأول والأبرز في سلسلة الدراما التي تناولت الحياة الصعيدية، ويمكننا القول إن نجاح هذا المسلسل كان السبب في نمطية هذه الصورة عن الصعيد وأهله حتى الآن، فمن بعده لم توجد صورة جوهرية مختلفة، كانت فقط بعض المحاولات التي لم تلق نفس الألق الذي اُستقبلت به أعمال الجنوبيين بحفاوة.

صور مسلسل ذئاب الجبل الصعايدة في صورتين جوهريتين: وهما الرجال الجهلة من الرعاع والمغفلين المستعدين للشجار والمشاكل دائمًا، والصورة الأخرى هي تجسيد تجار الآثار ذوي السلطة والنفوذ الأعلى نفوذًا، وفي الصورتين لم يختف بطش الصعايدة وقوتهم وجبروتهم المزعوم.

لاقى هذا المسلسل نجاحًا كبيرًا في أنحاء الوطن العربي كله، مما أدى إلى تكرار التجربة في نفس الدائرة، وألف السيناريست "صفاء عامر" مسلسلات مثل "أفراح إبليس" و"حق مشروع" و"الحب موتًا"، كما أثر نجاح هذا المسلسل على الكتاب أنفسهم وفتح لهم مجالًا ذهبيًا للكتابة والتألق حتى إن لم يزورا الصعيد يومًا.

صعيدي في الجامعة الامريكية

عام 1998 صدر واحد من أشهر الأفلام المصرية التي أثارت ضجة ونجاحًا كبيرين، وكان محور الفيلم يدور حول الشاب الصعيدي الذي حصل على منحة تفوق للدراسة في الجامعة الأمريكية وتبدأ شخصيته بالتخبط والارتباك بعدما يصطدم ابن الصعيد الفظ بحياة "أبناء الأكابر"، كان الفيلم كوميديًا بعض الشيء وناجحًا، ولكنه ركز على فكرة الصعيدي الشاب الذي أتى من بلد المواشي والأراضي الزراعية ليقابل أبناء العالم الذي لا يعلم عنه شيئًا، وللأسف لم يقدم الفيلم صورة جديدة أو أكثر واقعية عن حياة الصعيد.

نسر الصعيد

صدر مسلسل نسر الصعيد في رمضان 2018، وكان أحد أقوى المسلسلات التي تحدثت مرة أخرى عن الصعيد، لمؤلفه محمد عبد المعطي ومخرجه ياسر سامي، تدور الفكرة الرئيسية للمسلسل عن حياة الصعايدة، عبر قصة حياة الصعيدي زين القناوي الذي جسد دوره الفنان محمد رمضان، وهو صعيدي مقيم في القاهرة ورغم ذلك لم يتخلص من صفات الشهامة والجدعنة والفتونة أيضًا.

وما يثير التساؤولات هنا، أنه منذ صدور مسلسل ذئاب الجبل عام 1992 إلى عام 2018 ما زالت صورة الصعيدي كما هي! وما زالت المسلسلات التي تتحدث عن الصعايدة، حتى لو بشكلهم التقليدي، تلقى نفس الألق والنجاح، ليست القصة هي عامل النجاح الوحيد بالتأكيد ولكن لها دور مهم في بروز المسلسل، ولكن النمطية المستمرة شيء خطير، كأن العالم كله يتغير ويتطور إلا نحن!

هل قدم الأدب شيئًا مختلفًا عن السينما؟

من سمات الأدب الجوهرية في كل زمان ومكان عكس الواقع والثقافات، فقد لا نعرف ما الذي يدور في بيئة محددة ونعرف من قراءة آدابها الكثير والكثير، فعلى سبيل المثال ربما لا نعرف شيئًا عن الحياة في اليابان والصين وأفغانستان سوى ما نراه في التليفزيون فقط، وهي غالبًا ما تكون معلومات سطحية وبسيطة ومشوشة، على عكس الأدب الذي يصور لنا ثقافات الشعوب بشكل أكثر واقعية، فنعرف ما الذي يدور في تلك الأماكن وما مشكلاتهم وأحلامهم وواقعهم الذي تقدمه لنا آدابهم.

رغم قلة تلك النوعية من الأدب التي تتحدث عن صعيد مصر، فإنها لم تأت بجديد كذلك

الأدب الذي يتحدث عن صعيد مصر، لم يأت بجديد كذلك، والمشكلة الأساسية تكمن في أن من كتبوا تلك الروايات ليسوا من أبناء الصعيد أو حتى عاشوا في الصعيد لفترة كافية، فلكي أكتب قصصًا عن حياة الأوروبيين يجب أن أعايشهم وأتعرف عليهم عن قرب ولا أكتفي بما يعرفه العامة عنهم، وهذا ما فعله الأدباء المصريون الذين كتبوا في هذا النوع من الأدب، فكانوا مجرد موهوبين متأثرين بشكل الأعمال الدرامية التليفزيونية التي لم تأت بجديد، ومن أمثال تلك الأعمال:    

خالتي صفية والدير

تعتبر تلك الرواية أحد أبرز روايات الصعيد بامتياز، فمؤلفها هو الأديب بهاء طاهر المولود في القاهرة، وتحدث في مؤلفه الذي يروي قصة حب تخللها الثأر، عن إحدى المشكلات الطائفية في الصعيد، وهي المشاكل بين المسلمين والمسيحيين وهي مشكلة جديدة في التناول بعض الشيء، وقد لاقت الرواية رواجًا وتحولت إلى مسلسل تليفزيوني.

الجبل

كما سبق وذكرت في السينما أن هنالك فارقًا في أن يكتب شخص وليد البيئة التي يكتب عنها ومن يكتب ولا يدرك أبعاد ما يتحدث عنه، أي يكتب لأنه وجد رواجًا وإثارة للجدل في الموضوع وأوحى له بالفكرة، وهذا ما حدث مع هذه الرواية، ففتحي غانم هو كاتب مصري ولد في القاهرة وليس لديه خلفيه جوهرية عن الحياة في صعيد مصر وجاءت تلك الرواية شبيهة بالمسلسلات الصعيدية إلى حد كبير، بل تم تحويلها إلى مسلسل يدور حول نفس الموضوع كذلك.

دارت أحداث الرواية، حول منطقة البر الغربي في الأقصر مع "مطاريد الجبل" الأشخاص المخيفين القتلة وسفاكين الدماء، أي التزم بنمطية الدور الصعيدي في الرواية أيضًا، وبهذا لم تختلف السينما عن الأدب في تصوير صورة الحياة في صعيد مصر.

لكي تجسد واقًعا يجب أن تعيشه، ولكي تصور فيلمًا سينمائيًا أو عملًا دراميًا يجب أن تكون ملمًا بالبيئة التي ستجسدها، وإلا فإن العمل لا يعدو عن كونه أداة أخرى للتضليل والتنميط.