يعود أول اكتشاف للغاز في شرق البحر المتوسط في العام 1969 في مصر

في الأيام القليلة الماضية، طُرِح ملف غاز شرق المتوسط على الطاولة مجددًا وسط تخوفات أمريكية وتحذيرات قبرصية ومصرية بخصوص عمليات التنقيب التي أعلنت تركيا عن إجرائها في بداية الشهر الحالي. ومنذ تلك الساعة بدأت الدول المتنافسة بتراشق الاتهامات والتصريحات اللاذعة، ولا سيما من قبل الخارجية الأمريكية التي وصفت هذه الخطوة بـ"الاستفزازية" ودعت لضرورة وقفها، إلا أن أنقرة لم تتراجع واستمرت في أنشطة التنقيب.

يأتي هذا الإصرار التركي جراء إيمان الحكومة التركية بحق التنقيب في جرفها القاري وحق شعب جمهورية قبرص التركية في موارد الطاقة في الجزيرة، كدولة ضامنة على حقوق القبارصة الأتراك. ونظرًا لذلك، من المرجح أن يؤدي هذا العناد إلى فتح فصل جديد من الصراعات والتحالفات الإقليمية. ولكي نفهم مسار التطورات المقبلة، نقدم في هذا التقرير لمحة مختصرة عن أهمية هذا الغاز بالنسبة لدول المتنافسة والمصالح الأمريكية في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب الاحتمالات المتوقعة جراء عمليات التنقيب.

هكذا تصادمت الأطماع بالآمال على حوض شرق المتوسط

عقب أول اكتشاف للغاز في شرق البحر المتوسط في العام 1969 في مصر، توالت الاكتشافات قبالة سواحل دول شرق البحر المتوسط، فتم العثور على مصادر أخرى في عامي 1999 و2000 في مدينتي عسقلان وقطاع غزة، ما شجع دول الإقليم على زيادة الأنشطة والمشاريع الأجنبية الاستكشافية في المنطقة، ولا سيما مع تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية التي أشارت إلى احتمال وجود نحو 122 تريليون متر مكعب من مصادر الغاز غير المكتشفة قبالة سواحل سوريا ولبنان وغزة وقبرص ومدن الداخل الفلسطيني، بالإضافة إلى حوالي 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج.

أما بالنسبة للحقول، فلقد اكتشف أول حقل عام 2009 أمام ساحل مدينة حيفا الفلسطينية على يد شركتي "نوبل إنيرجي" الأمريكية و"ديليك أفنير" الإسرائيلية، وعقبه اكتشافات أخرى في نفس المنطقة وغيرها، مثل حقل ظُهر (850 مليار متر مكعب) في مصر، وأفروديت (127 مليار متر مكعب) في قبرص، ومع توالي هذه الاكتشافات التي من شأنها أن تزيد النفوذ السياسي في المنطقة وتقلب موازين القوى في الشرق الأوسط كاملًَا، لم تهدأ طموحات وأطماع دول الإقليم في توسيع أنشطتها وعملياتها.

في المقابل، تصادمت هذه الأطماع بآمال دول أخرى في المنطقة ما أدى إلى احتدام المنافسة والخلافات على مصادر الغاز، وتحديدًا بين "إسرائيل" ولبنان، وبين "إسرائيل" وقطاع غزة، وبين تركيا واليونان وقبرص الرومية، وبين اليونان وتركيا ومصر، وبين "إسرائيل" وقبرص، ومؤخرًا بين تركيا وجمهورية مصر، فلقد وقعت الأخيرة في عامي 2017 و2018 اتفاقيتين مع قبرص لنقل الغاز الطبيعي من حقل أفروديت إليها.

مصر وتركيا.. أحدث الخلافات حول غاز المتوسط

حاليًا، تحذر مصر الحكومة التركية من استمرار أعمال التنقيب في هذا الحقل، خوفًا وحفاظًا على مصالحها الاقتصادية التي اتفقت مع قبرص اليونانية عليها، لكن على ما يبدو فأن تركيا تتجاوز جميع التهديدات التي تلوح بها بعض الدول الإقليمية والدولية، سعيًا لتحقيق أهدافها التي تأمل من خلالها الاستغناء تمامًا عن استيراد موارد الطاقة والتحول إلى تصديرها، وذلك ضمن إطار سياسة الطاقة الوطنية التي تجتهد في تحقيقها خلال السنوات المقبلة.

ومن بين التحديات والصعوبات التي تواجهها تركيا أيضًا في المنطقة، هو تقاطع الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في هذا الشأن واتفاقهما على إضعاف الهيمنة التركية بهدف تقوية هيمنة "إسرائيل" الإقليمية

وما يفسر الإصرار التركي على المضي قدمًا هو خوفها وقلقها من  تحالف "إسرائيل" ومصر واليونان وقبرص الرومية الذي تعتقد أنقرة بأنه يهدف إلى منعها من التمتع بحقوقها المتداخلة والمشتركة مع اليونان وقبرص اليونانية، كما يسعى إلى عرقلة استثمارات من التوسع في المنطقة، بالإضافة إلى منتدى الغاز الذي ضم مصر والأردن و"إسرائيل" وقبرص واليونان واستبعدها من المعادلة. ومع ذلك، وبحسب بعض التحليلات فأن امتلاك تركيا أكبر قوة بحرية إقليمية من شأنه أن يهدأ مخاوفها الأمنية من أي تصعيدات ممكنة.

ومن بين التحديات والصعوبات التي تواجهها تركيا أيضًا في المنطقة، هو تقاطع الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في هذا الشأن واتفاقهما على إضعاف الهيمنة التركية بهدف تقوية هيمنة "إسرائيل" الإقليمية، وبالطبع، الحفاظ على مصالحها وتأثيرها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وهو الدور الذي تسعى موسكو إلى تأديته بدلًا من الولايات المتحدة على أساس أن من يحكم شرق المتوسط يحكم العالم.

المصالح الأمريكية الروسية في منطقة شرق المتوسط

منذ البداية حطت أمريكا أنظارها على موارد الغاز في هذه المنطقة، فنشرت واشنطن شركات الاستكشاف والتنقيب الأمريكية على السواحل، ما دفع العديد من دول الحوض إلى الاستعانة بخبراتها وأدواتها المتقدمة، وبذلك أصبحت لاعبًا إقليميًا في الميدان ولا سيما مع مشاركتها في مفاوضات إنهاء انقسام جزيرة قبرص المستمرة منذ عام 1974.

موسكو تريد فرض حضورها في جميع المشاريع، وذلك ما لا يلقى إعجاب واشنطن التي تحاول إنشاء أنابيب إلى دول الاتحاد الأوروبي لفك ارتباطها مع الصادرات الروسية.

وذلك بالإضافة إلى الحرص الأمريكي الدائم على مواجهة التمدد الروسي في منطقة الشرق الأوسط، إذ تملك روسيا في شرق المتوسط نحو 16 سفينة و4 مروحيات بحرية وحاملة طائرات، وأصول تُقدر بنحو 31 مليار دولار أمريكي في قبرص، فضلًا عن امتلاكها علاقات تجارية ودبلوماسية جيدة مع قبرص وحليفتها المقربة "إسرائيل"، والأهم من ذلك اتفاقها مع نظام بشار الأسد بإبرام اتفاقية لاكتشاف مصادر نفطية في المناطق الاقتصادية الخاصة بسوريا، وذلك لمدة 25 عامًا بقيمة بلغت نحو 90 مليون دولار، عدا عن امتلاكها حصة من حقل ظُهر المصري.

وبالتالي، فإن هذه التمويلات المالية والصفقات الثنائية ساعدتها بقوة على بسط نفوذها وسيطرتها في سوق غاز المتوسط، ما سيمكن الاستثمارات الروسية لاحقًا من تقلد مراكز رئيسية في مجال الطاقة في الشرق الأوسط، على الرغم من أن الغاز الروسي ليس له بديل، إلا أن موسكو تريد فرض حضورها في جميع المشاريع، وذلك ما لا يلقى إعجاب واشنطن التي تحاول إقناع دول شرق المتوسط بإنشاء أنابيب إلى دول الاتحاد الأوروبي لفك ارتباطها مع الصادرات الروسية.

من جانب آخر، تدير واشنطن التحالفات الدائرة في الإقليم، رغبةً في خلق مصالح اقتصادية مشتركة بين "إسرائيل" والدول العربية بالتحديد، وهذا ما نجحت فيه بالفعل حين وقع الأردن اتفاقًا مع دولة الاحتلال لشراء الغاز من حقل ليفاثيان في مدينة حيفا المحتلة على مدى 15 عامًا بقيمة 18 مليار دولار.

وفي المحصلة، بالنسبة للخلاف المصري والتركي، ليس من المرجح أن تنتهي الخلافات القائمة الآن بالصلح، ولا سيما أن الأطراف المتنازعة لديها تاريخ طويل من المناوشات السياسية والدبلوماسية، ولذلك قد يتحول حوض شرق المتوسط إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات القديمة على حساب المصالح الاقتصادية المشتركة الممكنة.