بعد إنكار ونفي، اعترفت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان بثته وكالة الأنباء الرسمية بأن 4 سفن تجارية تعرضت لما سمتها "عمليات تخريب" في مواقع باتجاه الساحل الشرقي قرب إمارة الفجيرة في مياه الإمارات الاقتصادية، ووصف البيان ما حصل بأنه "تطورًا خطيرًا".  

نفت الخارجية الإماراتية وقوع أضرار بشرية، كما نفت وجود أي تسرب لأي مواد ضارة أو وقود من هذه السفن، ودون أن تتهم أي طرف، اكتفت الدولة التي يشوب علاقاتها الدولية كثير من الخلافات بإعلان بدء التحقيق بالتعاون مع جهات ومحلية وأجنبية لم تسمها، وأن الجهات المعنية بالتحقيق سترفع النتائج حين الانتهاء من إجراءاتها.

لماذا تأخر الاعتراف الإماراتي؟

خلا بيان الخارجية الإماراتية – الصادر في وقت تتعقد فيه الأمور السياسية والأمنية في مياه الخليج العربي - من أي اتهام، لكنه امتلأ بالتحذيرات. إذ طالبت الإمارات المجتمع الدولي بمنع ما قالت إنها محاولة أطراف المساس بأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية بما فيه من خطر على الأمن والسلامة الدوليين.

لم يأت البيان على ذكر طبيعة عمليات التخريب التي حصلت أو الجهة التي تقف خلفها، في حين يبقى الوقت الفاصل بين الإنكار والاعتراف، وهو ما يقترب من 14 ساعة، جدير بالتوقف عنده والسؤال: لماذا هذا التأخير؟  

الاعتراف الرسمي سبقه إنكار رسمي تمثل ببيان صادر عن المكتب الإعلامي لحكومة الفجيرة نفت فيه ما ورد في تقارير إعلامية نشرتها وسائل الإعلام اللبنانية والإيرانية، وتحدثت عن انفجارات هزت ميناء الفجيرة الإماراتي، وقالت وسائل إعلام إن طبيعة الانفجارات لم تتضح لكنها كانت قوية ومتتالية، ووقعت بين الرابعة فجرًا والسابعة صباحًا.

وكانت قناة الميادين المؤيدة لحزب الله اللبناني أول من نشر تقريرًا حول الموضوع، وقالت نقلاً عما اسمته "مصادر خليجية" إن النيران اشتعلت في أكثر من 7 ناقلات نفط كانت راسية في ميناء الفجيرة، قبل أن تلتقط وسائل الإعلام اللبنانية والإيرانية الحكومية وشبه الرسمية هذا التقرير الذي نشر لاحقًا أسماء السفن التي زعم أنها متورطة، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول السفن المستهدفة وأعدادها.

رغم ذلك الاختلاف حول عدد السفن وكيفية استهدافها، ثمة قاسم مشترك فيما أورده بيانا حكومة الفجيرة والخارجية الإماراتية، وهو نفي وقوع التفجيرات في ميناء الفجيرة، والتأكيد على أن العمل يجري فيه بشكل روتيني، مع الإشارة إلى أن ميناء الفجيرة يعد واحدًا من أكبر الموانئ في الإمارات.

على الرغم من محاولة حكومة الإمارات إنكار كون هذه السفن خليجية، إلا أن وسائل إعلام إيرانية ذهبت إلى أبعد من ذلك

ماذا عن هوية السفن المستهدفة؟

مع أن هذا البيان الصادر عن الخارجية الإماراتية كان الأصل فيه تقديم المعلومات المطلوبة، لكنه زاد من مساحة الأسئلة المطروحة والمعلَّقة حتى الآن، ومنها أسئلة كثيرة حول من يقف وراء الانفجارات والرسائل التي تخفيها ودلالات التوقيت.

ويتعلق السؤال الأهم بهوية السفن التي وقعت فيها أعمال التخريب، حيث ذكرت الوزارة أن هذه السفن الأربع كانت سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات أجنبية، إلا أنه لأسباب غير معلومة لم تكشف عن هوية هذه السفن أو الأعلام التي كانت ترفعها.

أدان وزير الطاقة السعودي تعرض ناقلتي نفط سعوديتين لهجوم تخريبي كانتا في طريقهما لعبور الخليج في المياه الاقتصادية لدولة الإمارات العربية قرب إمارة الفجيرة

وعلى الرغم من محاولة حكومة الإمارات إنكار كون هذه السفن خليجية، إلا أن وسائل إعلام إيرانية ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث ذكرت قناة "Press TV" الإيرانية الناطقة باللغة الإنجليزية أن "اثنتين من السفن تحملان علم الإمارات، ومثلهما تحملان علم السعودية، وخامسة تحمل علم الدومينيكان".   

يؤكد ذلك ما قاله وزير الطاقة السعودي خالد الفالح بعد ساعات من إعلان الأخيرة، حيث أدان تعرض ناقلتي نفط سعوديتين لهجوم تخريبي كانتا في طريقهما لعبور الخليج في المياه الاقتصادية لدولة الإمارات العربية قرب إمارة الفجيرة، معتبرًا أن الهجوم يشكِّل تهديدًا لحرية الملاحة البحرية وأمن الإمدادات النفطية للمستهلكين في أنحاء العالم كافة.

لم يحدّد الفالح هوية السفن المعنية، ولم يذكر من يشتبه في قيامه بعملية التخريب المزعومة، لكنه اقتصر على القول إن "إحدى السفينتين كانت في طريقها من ميناء رأس تنورة لتحميلها بالنفط الخام السعودي، وتسليمه إلى عملاء شركة "أرامكو" السعودية للنفط المملوكة للدولة في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنه "لم ينجم عن هذا الهجوم أي خسائر في الأرواح أو تسرّب للوقود، في حين نجم عنه أضرار بالغة في هيكلي السفينتين".

بعد فترة وجيزة من الإعلان السعودي، دعت طهران إلى تحقيق للكشف عن ملابسات وأبعاد ما وقع لعدة سفن، كما دعت إلى مزيد من التوضيح حول ما حدث بالضبط مع الناقلات السعودية، ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية عباس موسوي قوله إنه يجب أن يكون هناك مزيد من المعلومات حول الحادث، كما حذر موسوي من أي "مؤامرات لزعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة البحرية من قبل عناصر أجنبية".     

ميناء الفجيرة يقع على بعد نحو 140 كيلومتراً (85 ميلاً) من مضيق هرمز

وجاء إعلان الفالح في الوقت الذي أدان فيه الحلفاء الإقليميون لدولة الإمارات ما تعرضت له هذه السفن، وكانت مصر من أوائل الدول التي أصدرت بيانًا لوزارة الخارجية أدانت فيه "كل ما من شأنه المساس بالأمن القومي الإماراتي"، وأكد البيان "تضامن مصر حكومة وشعبًا مع حكومة وشعب الإمارات الشقيقة في مواجهة كافة التحديات التي قد تواجهها".

وعلى عكس الموقف السعودي الذي تأخر كثيرًا أصدرت كل من البحرين موقفًا سريعًا، حيث أدانت الخارجية البحرينية بشدة الحادثة نفسها، ووصفتها بأنها "عمل إجرامي خطير يهدد أمن وسلامة حركة الملاحة البحرية"، وشددت المنامة على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لضمان وسلامة حركة الملاحة البحرية والتصدي لأي تهديد للأمن والسلم الدوليين.

وفي إطار التأكيد على المخاطر الإقليمية، أصدر مجلس التعاون الخليجي المكون من 6 دول بيانًا ندد فيه بأعمال التخريب التي تعرضت لها السفن في المياه الاقليمية للإمارات، وقال الأمين العام للمجلس عبداللطيف الزياني  في بيان "مثل هذه الممارسات غير المسؤولة من شأنها أن تزيد من درجة التوتر والصراع في المنطقة وتعرض مصالح شعوبها لخطر جسيم".

من يقف وراءها؟  

ما زال هذا السؤال هو الأكثر إلحاحًا حتى الآن، وهناك غموض في الحادث، فلم يحدث إطلاق نار ولم يسقط ضحايا في السفن، هذا فضلاً عن عدم وجود مؤشر على أن السفن تعرضت لهجوم عسكري سواء داخل الميناء أو بعيدًا عنه.

لكن لا فرق بين وقوع الحادثة في الميناء أو قربه، طالما أن العملية تأتي في سياق يغرق فيه الخليج كله في التوتر، وهنا يبدو تفرد تفجيرات الفجيرة باعتبارها الإماراة الوحيدة التي لا تطل أراضيها على سواحل الخليج، إنما تطل على بحر عُمان الذي يتصل بالخليج عبر مضيق هرمز، الذي يمثل عنوان الأزمة الحادة التي تعيشها المنطقة محور زيادة التوترات بين إيران والولايات المتحدة، والذي هدّدت طهران أكثر من مرة بإغلاقه إذا صعَّدت الولايات المتحدة ومنعتها من تصدير نفطها إلى العالم.

وهنا لم يتأخر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، فغرد في حسابه على تويتر متبنًا فرضية وجود تفجير في ميناء الفجيرة، ومعتبرًا أن ما وقع قبالة الفجيرة يثبت هشاشة الأمن جنوب المياه الخليجية.

وفي حين تتوجه أصابع الاتهامات إلى إيران عبر الإمارات ومسؤوليها وحلفائها في المنطقة، فإن ترجيحات الكثير من الخبراء تشير إلى أنه ليس من مصلحة إيرإن شخصيًا توتير الأوضاع أكثر مما هي عليه، لكن هناك من قال في الوقت ذاته إن الأمر قد يكون بمثابة رسالة إيرانية غير مباشرة.  

وفي ظل الأنباء المتضاربة وشحّ المعلومات الموثّقة، تتوزع الجهات التي تقف وراء التفجيرات بين احتمالات كثيرة من بينها أن تكون التفجيرات مفتعلة لتحريض أمريكا أكثر على إيران، كما أن جهات قريبة من إيران أو قريبة من التنظيمات الجهادية على غرار القاعدة وتنظيم الدولة "داعش"، قد تكون وراء ما جرى للسفن الإماراتية.

لا يمكن فصل ما حدث في ميناء الفجيرة عن التحذير الذي أصدرته الإدارة البحرية الأمريكية لسفن الشحن التجاري من احتمال استهداف إيران حركة النقل البحري التجارية في المنطقة

أمَّا الاحتمال الأرجح بحسب الكاتب والمحلل السياسي عمر عياصرة فيبقى محصورًا في أن أذرعًا إيرانية أرادت توجيه رسالة مفادها أن الإمارات ليست بعيدة عن الفوضى، وهي بذلك تدفع كلفة سلوكها بالمنطقة، حيث إنها ضالعة في كثير من الملفات مثل حصار إيران والحرب في اليمن وليبيا، فضلاً عن دورها في إجهاض الثورات.

كذلم تتوجه أصابع الاتهام إلى جماعة الحوثي اليمنية كأحد الأذرع اليمنية التي تشن الإمارات ضمن التحالف التحالف حربًا ضدها منذ أكثر من 4 سنوات، ففي وقت سابق، هددت الجماعة بضرب أهداف في الإمارات ردًا على العمليات التي تقوم بها قوات التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، وتحدث الحوثيون قبل أشهر عن استهداف مطاري أبو ظبي ودبي بطائرات مسيرة.

وفي وقت سابق عبرت إيران عن قلقها من الهجوم الذي استهدف سفنًا تجارية، معتبرة أن "الحادث مؤسف"، ووجَّه رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه الاتهامات لمن سماهم "مخربون من دولة ثالثة" بالمسؤولية عن الهجمات التي وقعت في ميناء الفجيرة لزعزعة استقرار المنطقة، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.

لماذا الآن؟

تشهد منطقة الخليج العربي توترًا غير مسبوق منذ سنوات؛ بين إيران والولايات المتحدة، لذلك لا يمكن فصل ما حدث في ميناء الفجيرة عن التحذير الذي أصدرته الإدارة البحرية الأمريكية، يوم الجمعة الماضي (10 مايو 2019)، لسفن الشحن التجاري من احتمال استهداف إيران حركة النقل البحري التجارية في المنطقة.

وجاء في التحذير "منذ أوائل مايو، هناك احتمال متزايد بأن إيران أو وكلائها الإقليميين قد يتخذون إجراءات ضد مصالح الولايات المتحدة والشركاء، بما في ذلك البنية التحتية لإنتاج النفط أو السفن العسكرية الأمريكية في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب أو الخليج الفارسي بعد تهديدهم الأخير بإغلاق مضيق هرمز".

ويأتي التحذير مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وبعد تقارير استخبارية أمريكية أظهرت أن إيران نشرت صواريخ عابرة قصيرة المدى على قوارب في الخليج.   

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان التحذير السابق من الإدارة البحرية الأمريكية هو نفس التهديد المتصوَّر الذي دفع البيت الأبيض إلى إصدار أمر بتوجيه مجموعة حاملة طائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" وقاذفات "بي 52" إلى المنطقة في 4 مايو/أيار الجاري، لمواجهة إشارات تهديدية واضحة من طرف إيران كما قال البيت الأبيض.

السؤال حول طبيعة الحادث إذا ما كان عملية مفتعلة أم هجوم، فإنه من المبكر على الأرجح البت في الإجابة، لكن السياق العام يؤكد بما لا يدع مجالاً من الشك أن التوتر ما يزال مخيمًا وقد يستمر

وقبل يوم واحد على وقوع حادثة الانفجارات حلّقت مروحيّة عسكرية أمريكية فوق زوارق تابعة للحرس الثوري الإيراني، بعد أن اقتربت من حاملة طائرات أمريكية في الخليج العربي. وفي الأسبوع الماضي، حذّرت إيران من أنها ستبدأ تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى خلال 60 يومًا إذا فشلت القوى العالمية في التفاوض على شروط جديدة للصفقة.

وازدادت التوترات في العالم منذ إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي وُقّع في عام 2015؛ بين إيران والقوى العالمية، وبدأت بعدها بفرض عقوبات على الاقتصاد الإيراني.

أمَّا السؤال حول طبيعة الحادث إذا ما كان عملية مفتعلة أم هجوم، فإنه من المبكر على الأرجح البت في الإجابة، لكن السياق العام يؤكد بما لا يدع مجالاً من الشك أن التوتر ما يزال مخيمًا وقد يستمر ويتفاقم.