لا تزال ليلة التخريب الغامض تلقي بأسئلتها في ليل الخليج وفوق مياهه المزدحمة بقطع السلاح، وبعد 24 ساعة تظهر إلى العلن صور شحيحة عن السفن التي تعرضت لما وُصف بـ"هجوم تخريبي" قرب ميناء الفجيرة الإماراتي بحسب التصريحات الرسمية الإماراتية التي أعقبتها تأكيدات سعودية.

هذه الصور التي نشرت تُظهر الأضرار التي لحقت بجسم بعض السفن، ومع قلة المعلومات وكثرة التساؤلات عن طبيعة الهجوم والجهة التي تقف وراءه، يتزايد التصعيد الأمريكي بترجيح وقوف إيران أو الجماعات التي تدعمها وراء الهجوم.  

أحداث متسارعة

في حين تحشد أمريكا دون خطاب حربي مباشر، تنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجع الخطط العسكرية التي قدمها وزير الدفاع بالوكالة باتريك شانهان للبيت الأبيض في اجتماع لكبار مساعدي ترامب الأمنيين يوم الخميس الماضي بشأن إيران، وتشمل الخطط بحسب قولهم إمكانية إرسال 120 ألف جندي إلى الشرق الأوسط إذا هاجمت إيران قوات أمريكية أو سرعت العمل على إنتاج أسلحة نووية.

وبحسب ما كشفت الصحيفة الأمريكية، جرت تعديلات لهذا المخطط من بعض المتشددين الذين لا يدعون إلى غزو بري لإيران، الأمر الذي يتطلب المزيد من القوات، وعلى رأس هؤلاء كان مستشار الأمن القومي جون بولتون، أحد أكثر صقور الإدارة قسوة ضد إيران، الذي تجاهل الرئيس جورج دبليو بوش دفعه نحو المواجهة مع طهران قبل أكثر من عقد.  

من غير الواضح ما إذا كان الرئيس قد اطلع على عدد القوات أو غيرها من التفاصيل في الخطط التي يراها البعض مجرد تكتيك مخيف لتحذير إيران من اعتداءات جديدة

تُظهر هذه الخطط مدى خطورة التهديد الإيراني الذي يدفع بقوات يقترب جحمها من حجم القوة الأمريكية التي غزت العراق عام 2003، لكن مع هذا التصعيد غير المسبوق، وإن كان في مراحله الأوليّة، يبدو من غير المؤكد إذا كان ترامب الذي سعى إلى فك الارتباط بين الولايات المتحدة وأفغانستان وسوريا، سيعود في نهاية المطاف بالكثير من القوات الأمريكية إلى الشرق الأوسط.

كما أنه من غير الواضح ما إذا كان الرئيس قد أطلع على عدد القوات أو غيرها من التفاصيل في الخطط التي يراها البعض مجرد تكتيك مخيف لتحذير إيران من اعتداءات جديدة، يُضاف إلى ذلك أن هناك انقسامات حادة في الإدارة بشأن كيفية الرد على إيران في وقت تتصاعد فيه التوترات بشأن سياسة إيران النووية ونواياها في الشرق الأوسط.

ويرى بعض المراقبيين أن نشر مثل هذه القوة الجوية والبرية والبحرية القوية من شأنه أن يعطي طهران المزيد من الأهداف لضربها، وربما أكثر من سبب للقيام بذلك، مما يخاطر بتورط الولايات المتحدة في صراع طويل، كما أنه سيعكس سنوات من تقليص الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط الذي بدأ بسحب الرئيس باراك أوباما للقوات من العراق عام 2011.

تظهر هذه الصورة الفضائية التي قدمتها شركة "Maxar Technologies" ناقلة النفط الإماراتية قبالة ساحل الفجيرة

وقد يؤكد هذا الانقسام رد ترامب عندما سُئل عمَّا إذا كان يسعى لتغيير النظام في إيران، إذ قال في أول تعليق له منذ تفجيرات الفجيرة "سنرى ما سيحدث مع إيران، وإذا أقدموا على أي شيء فسيكون خطأً فادحًا"، متهمًا إياها بالتخطيط لتنفيذ "هجمات" ضد مصالح أمريكية في الشرق الأوسط، وصعَّد ترامب من لهجته في أثناء لقائه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض، قائلاً: "إذا فعلوا أي شيء، فسوف يتألمون كثيرًا".

تصعيد ترامب - الذي بدا أنه يقتصر على رد الفعل - لم يكن أول رسالة واضحة إلى إيران، فقد أعلنت وسائل الإعلام الغربية قيام القاذفات الأمريكية "بي 52" التي وصلت إلى المنطقة، بتنفيذ مهمتها الأولى بطلعات جوية فوق مناطق بعينها تتبع إيران وأذرعها في المنطقة للدفاع عن القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، دون إعطاء المزيد من التفاصيل، لكنها وفق عسكريين تنفذ طلعات رصد استكشافية تجريبية لتحديد الأهداف المطلوب قصفها بدقة من أعلى نقطة.  

تؤكد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية ذلك بنشر صور بالأمس لطائرات F-15Cs" و "F-35As التي شاركت في طلعات "الردع" يوم الأحد، وتُظهر الصور تزويد قاذفات "بي 52" بالوقود في الهواء فوق موقع غير معلوم في المنطقة، وتأتي المهمة بعد أيام من إصدار البنتاغون شريط فيديو يوضح أن الطائرات تغادر قاعدة جوية في لويزيانا.

آفاق التصعيد الأمريكي مقابل الصبر الإيراني

تأتي تلك الخطوات التصعيدية بالتزامن مع حديث أمريكي صريح عن اتهام طهران بالتورط في التفجيرات التي استهدفت السفن التجارية في الإمارات، فقد نقلت وكالة "أسوشيتيد برس" عن مسؤول أمريكي قوله إن تقييمًا أوليًا لفريق عسكري أمريكي يقوم بالمساعدة على معاينة السفن المتضررة، يشير إلى أن إيرانيين أو مجموعات تدعمها إيران استخدموا عبوات ناسفة لإحداث فجوة بحجم ما بين 5 إلى 10 أقدام بالقرب من مستوى المياه أو أسفله مباشرة في السفن المستهدفة.   

بدت طهران وكأنها تمارس سياسة الصبر الإستراتيجي التي دامت طويلاً، وتشير تصرفاتها وإعلاناتها بعد حادث الفجيرة إلى أنها مستمرة في تلك السياسة

وقال مسؤول أمريكي أمس الإثنين لوكالة "رويترز" إن الجيش الأمريكي يساعد في التحقيقات المتعلقة باستهداف السفن قبالة إمارة الفجيرة، بناء على طلب من الإمارات التي أعلنت بدء التحقيق بالتعاون مع جهات أجنبية لم تسمها، في حين أعرب المبعوث الأمريكي الخاص لإيران برايان هوك بأن بلاده سعيدة بتقديم المساعدة التي طلبها الإماراتيون.

هذه الخطوات التصعيدية عززتها تصريحات مسؤولين أمريكيين لم تخل أيضًا من التصعيد، وقد بدأت مبكرًا، فمنذ أيام قال مستشار الأمن القومي جون بولتون: "أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائنا سيقابل بقوة لا هوادة فيها"، مضيفًا "الولايات المتحدة لا تسعى إلى شن حرب على النظام الإيراني، لكننا على استعداد تام للرد على أي هجوم، سواء بالوكالة أو فيلق الحرس الثوري الإسلامي أو القوات الإيرانية النظامية".

توالت بعد ذلك التصريحات، إذ أكد المبعوث الأمريكي الخاص بإيران بريان هوك عزم واشنطن على التصدي لأنشطة إيران، قائلاً: "طهران لا تفهم سوى الضغط الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية"، مشيرًا إلى تورط إيران بقوله: "لقد انتهى عهد تهرب إيران من المسؤولية عن الهجمات"، مضيفًا "لا يمكن أن تقوم طهران بتنظيم وتدريب وتجهيز الوكلاء ثم تتوقع أن يجري غض الطرف عمَّا تقوم به".

كما خرج وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بتصريح يشدد فيه على أنه حان الوقت لتغيير سلوك إيران لأنها أكبر مزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، لافتًا في مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" إلى أن الرئيس دونالد ترامب لن يتراجع عن هذا الهدف كي تتوقف عن دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.

وفي زيارة لم يُعلن عنها مسبقًا، أجرى بومبيو تعديلاً في برنامج سفره، وألغى زيارته لموسكو كانت مقررة أمس الإثنين، وتوجه إلى بروكسل، لتبادل المعلومات السرية بشأن الموضوع مع نظرائه الأوروبيين الغارقين في الحيرة والترقب، وفي حال لا يُحسدون عليها، يتنازعهم الحليف والمصلحة، ويتخوفون من خطورة التصعيد، وقد بدأت نُذُره، فثمة ارتفاع كبير في أسعار النفط بعد خبر الفجيرة، ومع التصعيد العام في المنطقة هبطت بقوة الأسهم في أسواق السعودية والإمارات.

الطائرة "بي 52" التي شاركت في طلعات "الردع" فوق الخليج يوم الأحد – المصدر: القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية

لم يتحدث بومبيو بعد اللقاء إلى وسائل الإعلام، لكن الخارجية الأمريكية قالت إنه أطلع مسؤولي حلف شمال الأطلسي على معلومات تتعلق بالتهديدات الإيرانية، في حين حذر المسؤولون الأوروبيون من تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، ورحجوا أنها قد تتفاقم، وربما عن غير قصد، كما حثوا واشنطن على ضبط النفس، خوفًا من التصعيد العرضي الذي قد يؤدي إلى اشتعال الصراع مع إيران وانفلاته.

في مقابل التصعيد الأمريكي، ما زالت إيران لا تريد تصعيدًا، بحسب ما تقول مجلة "فورين بوليسي"، فقد بدت طهران وكأنها تمارس سياسة الصبر الإستراتيجي التي دامت طويلاً، وتشير تصرفاتها وإعلاناتها بعد حادث الفجيرة إلى أنها مستمرة في تلك السياسة، لكن الصبر يمكن أن ينفد بسهولة أمام الضغط الأمريكي المتزايد بعد أن قررت إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي العام الماضي.

الإيرانيون الذين يقفون على الجهة المقابلة اعتبروا "الأحداث في بحر عُمان مقلقة ومؤسفة"، ثم أبدوا حرضًا واضحًا على تحديد هوية من يقفون وراء الهجوم الذي اعتبروه مقلقًا، وحضوا على التحقيق الجاد في ملابساتهن وحذر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي من "مغامرة لاعبين خارجيين" لعرقلة أمن الملاحة، ومن "مؤامرات الحاقدين لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة".

الأمر لم يطل بمراقبين قبل أن يستنتجوا أن المعني قد يكون "إسرائيل" الماضية في نهج التحريض ضد إيران

ثم أثار رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني احتمالاً رآه واردًا، وهو احتمال أن يكون طرف ثالث هو من دبَّر لخلط الأوراق، وكما يقول "نحن والأمريكيون نستطيع السيطرة على الأمور، لكن المشكلة في طرف ثالث".تحذر إيران إذًا من مكيدة ما لتقويض الاستقرار والأمن في المنطقة، ربما نفذها من تصفهم بـ"متآمرين من الخارج"، وثمة من يرجح عملاً استخباراتيًا لإشعال المنطقة أو  قياس ردود الأفعال المتوقعة.

لكن الأمر لم يطل بمراقبين قبل أن يستنتجوا أن المعني قد يكون "إسرائيل" الماضية في نهج التحريض ضد إيران، وربما يكون أيضًا أطرافًا في الإدارة الأمريكية التي تحللت من الاتفاق النووي وتقلقها الصواريخ البالستية الإيرانية، لذا عادت تطوق الجمهورية الإسلامية بإجراءات عقابية ولا تزال تدفع نحو تصفير صادراتها النفطية.

الخليج على صفيح ساخن

ليست هذه البداية، ولكنها قد تكون شرارة حرب لا تُحمد عقباها، فمنذ أسبوع يشهد مضيق هرمز، أكبر شريان للطاقة في العالم، توترًا غير مسبوق منذ أن هددت إيران بغلقه ردًا على عودة العقوبات الأمريكية على قطاعيها النفطي والمصرفي.  

إن كان ما يجري من باب الرسائل فقد وصلت، وإن كانت نُذر حرب حقيقية تبحث عن شرارة فإن "تخريب الفجيرة" يبدو لكثيرين حجة ضعيفة بما يكفي لحرب تبدو كارثية

عززت واشنطن وجودها العسكري في مياه الخليج، وأرسلت حاملة طائرات وسفينة حربية وقاذفات "بي 52" وبطارية صواريخ باتريوت، في حين تعلن إيران تعليق بعض التزاماتها بالاتفاق النووي، وتقول إن حاملة الطائرات والقاذات الأمريكية ليست محصنة من الخطر.

وبحسب جورج فريدمان في مقال له على موقع "جيوبوليتيمال فيوتشرز"، فإن الانتشار العسكري الأمريكي له غرضان، أولًا، معرفة ما إذا كانت القوة الجوية تشكل تهديدًا كبيرًا لإجبار الإيرانيين على الامتناع عن الأعمال العدوانية في المنطقة، ثانيًا، معرفة ما إذا كان هذا كافيًا لوقف التوسع الإيراني.

كل هذا في قصة بدأت بعد إعلان الرئيس ترامب وقف العمل بالاتفاق النووي الإيراني، لأن إيران ما تنفك تمارس وتدعم ما يعتبرها أنشطة إرهابية، ثم فرض عقوبات عليها وطلب من العالم الالتزام بما يقرره، وهو ما فهمته إيران بأنه قرارًا لتجويعها وهددت أن نفطًا لن يمر إن لم يمر نفطها، ثم كان حديث أمريكي عن خطط إيرانية لاستهداف مصالح أمريكية في المنطقة عبر وكلائها.

سفينة حرس السواحل الإماراتية تمر عبر ناقلة نفط قبالة ساحل الفجيرة الإماراتي

ذلك ربما ما حمل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى العراق الذي تشتد عليه المنافسة السعودية والإيرانية، فهل كانت الزيارة لفرز مَنْ مع ومَنْ ضد؟ لم يُعرف ذلك، لكن ما أعقبها من تحذير أمريكا من انتهاك إيران للسيادة العراقية هو في العادة مؤشر تصعيد.  

تلك إذًا لعبة العض على الأصابع التي تجر في ركابها دولاً عربية وإقليمية ودولية، وثمة مخاوف حقيقية من خروج الأمور عن نطاق السيطرة، وبوادر التهدئة لا تلوح في الأفق، في حين تبقى بوادر اللعبة الأخيرة في يد الأوربيين الذين منحتهم إيران مهلة 60 يومًا لوضع حلول تخفف من وطأة العقوبات الأمريكية على بنية الاقتصاد الإيراني المتصدع.

وذاك مشهد عام تشتد ضبابيته وتتزاحم أسئلته واحتمالاته، فإن كان ما يجري من باب الرسائل فقد وصلت، وإن كانت نُذر حرب حقيقية تبحث عن شرارة فإن "تخريب الفجيرة" يبدو لكثيرين حجة ضعيفة بما يكفي لحرب تبدو كارثية.  

وفي حقيقة الأمر لا أحد يريد مواجهة عسكرية مكلفة للجميع، لكن تهديد الاقتصاد العالمي لن يدع الأمريكيين على الأرجح صامتين، حتى وإن كان كل ذلك من باب سياسة الرئيس ترامب المفضلة في البيع والشراء، وقد رأى أن يتجاوز الصفقات المتفرقة وأنه حان موعد الجائزة الكبرى، وكأنه يقول: "هذه بوارجنا جاءت بنفسها، فكم تريليونًا نستحق؟".