تسريبات بشأن إعدام العودة والقرني والعمري بعد رمضان

في تسريبات حملت المفاجأة للكثير من المراقبين كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني نية السعودية تنفيذ حكم الإعدام بحق 3 علماء إصلاحيين بارزين، هم: الشيخ سلمان العودة والشيخ عوض القرني والداعية علي العمري، بعد شهر رمضان وفق ما نقل الموقع عن مصدرين حكوميين سعوديين.

المصدران أخبرا الموقع بخطة إعدام الدعاة الثلاث الذي ينتظرون حاليًّا المثول أمام المحكمة الجنائية الخاصة في الرياض، بعد تأجيل جلسة الأول من مايو الحاليّ إلى موعد آخر لم يحدد بعد، فيما قال أحدهم: "لن يتريثوا في إعدام هؤلاء الرجال فور إقرار حكم الإعدام" في إشارة إلى السلطات السعودية.

تسريبات لم تؤكدها الرياض أو تنفها، الأمر الذي زاد من مخاوف الإقدام على مثل هذه الخطوة، التي تأتي بعد ثمانية أشهر فقط من واقعة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده في إسطنبول، مما أثار الكثير من التساؤلات عن احتمالية تنفيذ الإعدام وفي هذا التوقيت على وجه الخصوص، هذا بجانب ردود الفعل المتأرجحة بين التنديد والتشفي.

بالونة اختبار

لا شك أن الدعاة الثلاث المهددون بالإعدام يحظون بشعبية جارفة داخل المملكة، ما يدفع الكثير للتساؤل عن كيفية تمرير هذه الخطوة حال تنفيذها سواء على المستوى المحلي أم الدولي، غير أن كاتب التقرير الصحفي البريطاني ديفيد هيرست، لفت إلى أن الرياض ما كانت لتقدم على هذه الخطوة إلا بعد تيقنها من أن المجتمع الدولي لن يتحرك، خاصة أنها تسعى إلى تجميل صورتها التي شوهت في أعقاب قضية خاشقجي.

التقرير كشف أن أكثر من بالونة اختبار أجرتها السلطات السعودية للوقوف على حجم ردة الفعل الدولية حيال مثل هذه الممارسات، على رأسها إعدام 37 سعوديًا في أبريل الماضي بتهم تتعلق بالإرهاب، وهو ما أكد عليه مصدر حكومي سعودي للموقع البريطاني بقوله "إعدام 37 سعوديًا، معظمهم من النشطاء الشيعة، بناء على اتهامات بالتورط في عمليات إرهابية، في أبريل/نيسان 2019، كان بمثابة بالون اختبار لمعرفة مدى قوة الإدانة الدولية".

لم يكن اختيار بعد رمضان موعدًا لتنفيذ أحكام الإعدام وفق تسريبات الموقع البريطاني من قبيل المصادفة، إذ يبدو أن المنطقة ستشهد خلال هذه الفترة أحداثًا جسامًا تسحب معها الأضواء بشأن أي أحداث أخرى

المصدر ذاته أشار إلى أن هشاشة رد الفعل الدولي حيال تنفيذ أحكام الإعدام خاصة على مستوى رؤساء الدول والحكومات، كان بمثابة الضوء الأخضر لسلطات المملكة للمضي قدمًا في خطة إعدام الشخصيات البارزة التي تتمتع بشعبية كبيرة وتقف حجر عثرة أمام سياسات ولي العهد محمد بن سلمان.

البعض ربما يعول على الموقف الأمريكي لكن هذا التعويل بات لا يساوي الحبر الذي يكتب به، فقد سبق أن دافعت إدارة ترامب عن ابن سلمان في مواجهة انتقادات الكونغرس الأمريكي، بعد اتهامه بالمسؤولية عن مقتل خاشقجي، رغم تأكيد جهات التحقيق ضلوعه في الجريمة.

الدفاع عن ولي العهد لم يقف عند حد عدم الإدانة فحسب، بل استخدم ترامب حقّ الفيتو لمنع تمرير تشريع في البرلمان، يعرقل دعم الولايات المتحدة للحملة العسكرية السعودية في اليمن، الأمر الذي أثار موجة من التساؤلات عن دوافع هذا الموقف رغم الانتقادات التي تتعرض لها المملكة من المنظمات الحقوقية الدولية.

لماذا بعد رمضان؟

بالتأكيد لم يكن اختيار بعد رمضان موعدًا لتنفيذ أحكام الإعدام وفق تسريبات الموقع البريطاني من قبيل المصادفة، إذ يبدو أن المنطقة ستشهد خلال هذه الفترة أحداثًا جسامًا تسحب معها الأضواء بشأن أي أحداث أخرى، ولعل هذا هو التوقيت المناسب لتنفيذ هذا المخطط.

أحد المصادر في حديث لـ"Middleeasteye" قال: "عمليات الإعدام إذا استمرت ستكون خطيرة للغاية، ويمكن أن تمثل نقطة تحول خطيرة" إلا أنه في الوقت ذاته برر اختيار هذا الوقت للتنفيذ بالتعجيل بتوقيت عمليات الإعدام بسبب الزيادة الحاليّة في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

حدثان بارزان تشهدهما المنطقة خلال الأيام الحاليّة، أحدهما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلماء المتوقع تنفيذ الأحكام بحقهم، الأول هو ما أشار إليه هيرست في تقريره والمتعلق بالتوتر بين إيران وأمريكا، فالأخيرة تسعى إلى الحصول على دعم السعودية في تلك المواجهة التي تصب في نهاية الأمر في صالح الحليف الأمريكي، "إسرائيل"، ومن ثم قد تغض الطرف عن أي شيء آخر يعوق دون الحصول على هذا الدعم.

الحدث الأخر يتمثل في دور ولي العهد السعودي في "صفقة القرن" التي بدت تلوح ملامحها في الأفق وبالتحديد من قلب العاصمة البحرينية، المنامة، فقد سبق أن كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في تقرير لها في الـ3 من ديسمبر 2017، أن ابن سلمان عرض على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، نهاية 2017 خلال لقاء جمعهما في الرياض خُصص لبحث صفقة القرن "مبادرة سلام جديدة تتضمن اختيار ضاحية أبو ديس المجاورة لمدينة القدس المحتلة، لتكون عاصمةً للدولة الفلسطينية العتيدة، بدلاً من شرقي القدس".

التقرير الذي أعده آن برنارد وديفيد هالبنغر وبيتر بيكر أشار إلى أن ولي العهد السعودي عرض على عباس خطة متحيزة لـ"إسرائيل"، ولا يمكن لأي زعيم فلسطيني القبول بها، وهو ما أثار حينها حالة من الجدل، ليس داخل الشارع الفلسطيني فحسب، لكن داخل الشارع السعودي أيضًا.

لكن يبقى السؤال: ما علاقة الدعاة الثلاث بهذه الصفقة؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكن العودة إلى نهاية 2017 حين نشر عبد الله العودة، نجل الداعية المعتقل سلمان العودة، فيديو لوالده يتحدث فيه عن القدس وأهميتها الإسلامية وضرورة الدفاع عنها، مؤكدًا أن حكومة تل أبيب نجحت في تحييد بعض دول المنطقة عن العمل ضدها، كان ذلك بالتزامن مع قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لـ"إسرائيل".

ومن ثم فإن ابن سلمان وفي طريقه نحو الكرسي لا يريد لأحد أي يؤجج الشارع ضد سياساته وتوجهاته، حتى إن تعارضت مع مرتكزات بلاده الوطنية والقومية والإسلامية، وعليه كان لا بد من التخلص من كل الأصوات المعارضة، فتنفيذ الإعدام في شخوص بهذا الحجم وبتلك الجماهيرية كفيل أن يصيب الآخرين بالرعب والقلق.

ترامب وهو يطلب من ابن سلمان المزيد من الاستثمارات

المخاوف تزداد

تتصاعد حدة التخوفات من تنفيذ الأحكام بالفعل في حق العلماء الثلاث رغم الصورة المشينة التي تواجهها المملكة جراء سياساتها القمعية ضد معارضيها، في ظل الاطمئنان بشأن رد فعل المجتمع الدولي الذي بات من الواضح أنه لن يحرك ساكنًا طالما هو في حاجة إلى الرياض وأموالها ومواقفها السياسية خلال المرحلة المقبلة التي تسعى فيها واشنطن إلى ترسيخ أركان تل أبيب عبر حلفائها في المنطقة.

حزمة من التنديدات والتحذيرات أطلقتها العديد من المنظمات الحقوقية والمعنيين بحقوق الإنسان تعليقًا على ما تم تسريبه من الموقع البريطاني، البداية كانت مع مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة ليا ويتسون التي قالت: "أي إعدامات أخرى لمعارضين سياسيين هي نتيجة مباشرة للأجواء التي هيأتها إدارة ترامب، ورسالتها المتكررة: مهما ارتكبت من انتهاكات بشعة بحق شعبك، فإننا نحميك".

وقالت الجمعية الفرانكفونية لحقوق الإنسان في منتصف الشهر الحاليّ إنها علمت من مصادر وصفتها بالموثوقة أن السلطات السعودية تنوي تنفيذ الإعدام بحق نشطاء حقوقيين وعلماء شرعيين معتقلين بسجونها منذ فترات متفاوتة، مضيفة في بيان لها أن الرياض تعتزم تنفيذ الإعدامات بعد انقضاء شهر رمضان وعيد الفطر، بعد إدانة المعتقلين بتهم الإرهاب وتهديد الأمن القومي للمملكة.

رغم عدم صدور أي تأكيدات بشأن تنفيذ أحكام الإعدام بحق العلماء الثلاث، وأن الأمر كله لا يعدو مجرد تسريبات، فإن ردود الفعل التي عزفت على أوتار التحريض والتشفي والتأييد لهذه الخطوة أصابت الكثير من المراقبين بالصدمة

الأمر ذاته كشفه حساب "معتقلي الرأي" السعودي على تويتر، والذي قال قبل ساعات من تقرير "ميدل إيست آي": "في ظل المماطلات في المحاكمات وفي الإفراج عن كل من الشيخ سلمان العودة والدكتور علي العمري والشيخ عوض القرني، تزداد المخاوف من أن السلطات تدبر أمرًا قد يصل لحد تنفيذ الإعدام ضدهم بذريعة تلك التهم الزائفة الباطلة بأنهم إرهابيون".

تحريض الذباب الإلكتروني

رغم عدم صدور أي تأكيدات بشأن تنفيذ أحكام الإعدام بحق العلماء الثلاث، وأن الأمر كله لا يعدو مجرد تسريبات، فإن ردود الفعل التي عزفت على أوتار التحريض والتشفي والتأييد لهذه الخطوة أصابت الكثير من المراقبين بالصدمة، الأمر الذي عزاه البعض إلى نشاط ملحوظ للذباب الإلكتروني - وفق وصف النشطاء لحملات الهجوم على التغريدات الحقوقية - في محاولة لتمرير الخطوة - حال تنفيذها - شعبيًا والإيهام بوجود رضا شعبي بشأنها.

تجسدت هذه الحالة بصورة واضحة في التعليقات التي جاءت على تغريدة المحررة في صحيفة واشنطن بوست كارين عطية على حسابها على تويتر التي قالت فيها إن السعودية تستعد بعد ثمانية أشهر تقريبًا على مقتل خاشقجي لإعدام الشيخ سلمان العودة الذي وصفته بوالد صديقها عبد الله العودة، جنبًا إلى جنب مع غيره من العلماء السعوديين "المعتدلين".

التعليقات التي جاءت ممنهجة باللغتين، العربية والإنجليزية، تركزت في معظمها على اتهام الدعاة بـ"التطرف والإرهاب" وأنهم يستحقون ما يواجهونه من عقوبات، مستشهدين ببعض تغريداتهم التي نادوا من خلالها بتحرير الأقصى وزوال الكيان الصهيوني، وهو ما اعتبره المناهضون لهم "إرهابًا" يستوجب العقاب.

يذكر أن السلطات السعودية اعتقلت الثلاثة ضمن حملة على العلماء والدعاة وقادة الرأي في سبتمبر 2017، ومثلوا أمام محاكمات تفتقد للنزاهة والشفافية، حيث جاءت في جلسات سرية غير مسموح لمحامي المتهمين بحضورها، فيما طالبت النيابة العامة بـ"قتل الدعاة الثلاث تعزيرًا على خلفية تهم تتعلق بالإرهاب".

وأمام هذا الغموض الذي خيم على أجواء المحاكمات، عبر محاميو العودة عن خشيتهم من صدور الحكم بإعدامه، مؤكدين في بيان لهم في فبراير الماضي، صدر في باريس، أن محاكمة الشيخ "تندرج في إطار سياسة اضطهاد قضائي تقوم بها السلطات في السعودية ضد مثقفين يمارسون حقهم في حرية التعبير والرأي".

وعلى الأرجح.. يبدو أن التسريبات التي كشفها الموقع البريطاني محاولة لجس سلطات المملكة نبض الشارع عن الواقعة حال صحتها، يتوقف صدقها من عدمه على ما يمكن أن يبديه المجتمع من رفض لهذا التحرك من جانب، ومن جانب آخر يتعلق الأمر بتقييم الرياض لموقف المجتمع الدولي، مستغلة في ذلك تصاعد التوتر في المنطقة والحاجة لنفطها ومواقفها السياسية لتنفيذ مخططات التخلص من كل الأصوات المعارضة وتعبيد الطريق أكثر وأكثر أمام الأمير الشاب لخلافة والده.