صورة تجمع السيسي بعدد من الإعلاميين

جاءت مصر في المرتبة الـ161 من أصل 180 دولة في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018 الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود المعنية برصد واقع الصحافة والإعلام في البلدان كافة، تأتي مصر دائمًا في مراتب متقدمة من حيث قهر الإعلام وتقييد وسائله، حيث المنبر الإعلامي الفعال هو المنبر الحكومي أو الخاص المؤيد لقرارات النظام بشدة.

فَكيف يساهم الإعلام المصري في تعزيز قوة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ وكيف أصبح تابعًا للنظام الأمني؟ وما تقييمه خلال 5 أعوام ماضية في ظل النظام الجديد بقيادة عبد الفتاح السيسي؟ 

نظرة عامة

بدأت القصة منذ استحواذ الضباط الأحرار على مبنى الإذاعة والتليفزيون عام 1952 لإلقاء بيان قيام الجمهورية المصرية وعزل الملك، حيث باتت الإذاعة ولاحقًا البث التليفزيوني في قبضة الضباط والعسكريين في مصر، استخدم نظام عبد الناصر الأدوات الإعلامية الحكومية من بث إذاعي وتليفزيوني وصحافة ورقية في تلميع السلطة وزعيمها، وباتت بوقاً لجميع "الإصلاحات والإنجازات" والإجراءات التي يتخذها عبد الناصر بشأن الجمهورية المصرية الجديدة في الوسط السياسي المحلي والدولي.

ناهيك عن أيام المعارك المصرية الإسرائيلية التي كان تبث تطورات أحداثها الإذاعة المصرية، مرورًا بعهد السادات الانفتاحي، فبدا شكل الصحافة أقل تقييدًا مقارنة بالفترة الناصرية، فبدأت الأحزاب بتكوين هيئة إعلامية تعبر عن أهدافها في ظل أجواء تسمح إلى حد متوسط بالتنفس السياسي والفكري، وصولاً إلى فترة حكم الرئيس المعزول حسني مبارك، حيث شهد المجال الإعلامي تطورًا هائلًا مطلع التسعينيات، وبدأت القنوات الفضائية في البث، وبدأت المنطقة في اشتعال أحداثها كحرب الخليج بين الكويت والعراق، ولكن كان مبارك دائمًا مقيدًا لحرية الصحافة. 

ففي عام 1995 أصدر مبارك قانونًا لتقييد حرية الصحافة والصحافيين أكثر وأكثر، ينص على عدة جرائم كازدراء مؤسسات الدولة ونشر أخبار تخص الأمن القومي حتى إن كانت صحيحية فيُعاقب ناشرها، وكانت تلك العقوبات تصل إلى سنوات عديدة في السجن وغرامات مالية طائلة، ولكن لم يفلح مبارك ونظامه في خطة التقييد والاكتفاء بالإعلامي الحكومي لبث الأخبار للجمهور لا سيما بعد بروز نجم الجزيرة في بثها للأخبار وتغطيتها للأحداث بشكل مهاري فائق الجودة ووجود محطات عالمية كـ"بي بي سي" و"سي إن إن"، فبدأت قنوات رجال الأعمال المواليين لنظام مبارك في صعودها إلى الساحة الاستثمارية في مجال الإعلام.

أسس رجل الأعمال الأشهر في مصر نجيب ساويرس مجموعة قنوات "أون تي في"، ودشنت سلسلة قنوات "الحياة" التابعة لرجل الأعمال ورئيس حزب الوفد السابق السيد البدوي وقنوات "دريم" التابعة لرجل الأعمال أحمد بهجت، وطورت تلك الشبكات حرفيتها في صياغة الأخبار وتغطيتها وتحليلها عبر عشرات البرامج الحوارية السياسية والفكرية والاجتماعية، تاركين الإعلام الرسمي للدولة كما هو بلا جديد، ولكنهم كانوا أداة بشكل أو بآخر ترعى مصالح نظام مبارك وحزبه ومصالح رجال الأعمال المالكين لتلك القنوات المشتركة بينهما.  

بعد أن اندلعت ثورة يناير وخُلع مبارك ونظامه السياسي متمثل في حكومته وحزبه، وتسلم المجلس العسكري قيادة الأمور، بدأ التضارب في المشهد المصري السياسي والإعلامي واضحًا، سلطة عسكرية قائمة ورجال أعمال تتحكم قنواتهم في أسماع وبصائر الجمهور، ومع صدور أول دستور بعد الثورة وهو الدستور الوحيد الذي كفل حرية الصحافة والإعلام في تاريخ مصر الحديث، بينما صعد التيار الإسلامي متمثلاً في الإخوان وحلفائه إلى الرئاسة ومجالس الشعب والشورى، بدأ رجال الأعمال في توحيد صفوفهم مرة أخرى مع أجهزة الأمن الاستخباراتية وإيقاع الإسلاميين في الفخ أمام الشعب المصري، ولم تستغرق العملية أكثر من عام إلا وأتت ثمارها فانقلب الجيش على الحكم الجديدة المنتخبة في 3 من يوليو/تموز 2013 وسط ترحيب حاشد من وسائل الإعلام وجمهور عريض من الشعب المصري وقوى سياسية أخرى.

لكن انجلى مرة أخرى تعارض المصالح بين السلطة العسكرية بقيادة عبد الفتاح السيسي ومالكي القنوات الفضائية المحسوبة على نظام مبارك، فأدرك النظام الجديد بقيادة السيسي ذلك الورم في نظامه وبدأ في استئصاله، ليرتدي الإعلام المصري ثوبًا جديدًا خلال 5 أعوام ونصف هي عمر النظام العسكري الجديد في مصر. 

كيف أمَّمَّ السيسي الإعلام المصري؟ 

على المستوى الإعلام الحكومي، لم يتغير الحال كثيرًا، فالنشرات والأخبار والبرامج الحوارية كما هي، ولكن كان التغير الكُلي في الإعلام الخاص المملوك لرجال الأعمال.

لم يكن الحال الإعلامي محل إعجاب للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تولى رئاسة البلاد في منتصف عام 2014، حيث بدأ السيسي في خطته للسيطرة على الإعلام أكثر وجعلها ثكنة عسكرية لا تختلف عن مقر المخابرات الحربية، كان النجم الصاعد في الأوساط الإعلامية اسمه نجيب ساويرس الذى بدا عليه في بداية المشهد أنه لن يكمل ولن يكون في خطة السيسي الإعلامية القادمة وتولى مكانه رجل الأعمال الشاب أحمد أبو هشيمة فاشترى منه مجموعة "أون تي في" كما اشترى نصف أسهم شركة "بريزنتيشن" التي تملك حقوق بث مباريات الدوري الممتاز، كما سيطر أبو هشيمة على صحيفة اليوم السابع وَصحيفة صوت الأمة وموقع دوت مصر الإلكتروني وموقع عين وهم صحف ومواقع لها انتشار ورقي ورقمي في أوساط جميع المصريين.

لم تكتف خطة مخابراته على رجال الأعمال الموالين له فقط، بل جاء ضابط مخابرات سابق يدعى ياسر سليم الذي أدى دورًا كبيرًا في تشكيل قائمة ائتلاف في حب مصر في انتخابات مجلس الشعب، وهو بدوره يمتلك شركة "بلاك أند وايت" التي ترعى الأعمال الفنية والدرامية أيضًا، بعد ذلك بدا المشهد الإعلامي تتوجه ضفته في اتجاه واحد، اتجاه يمثل الزعيم المُلهم ولكن ليس في عصر ستينيات الماضي كعبد الناصر، بل زعيم عصر الألفينيات الجديد الذي يواجه موجة الإرهاب والتفجيرات المتصاعدة وسط منطقة شرق أوسطية يعمها الخراب والدمار والحروب والفتن، ترجمت تلك السيطرة في عدة تسريبات بثتها إحدى قنوات المعارضة من خارج مصر، وكانت تحتوي على ضابط مخابرات يوجه إعلاميي القنوات الفضائية كمفيد فوزي وعزمي مجاهد وبعض الفنانات في توجيه الرأي العام خلال حديثهم التليفزيوني ومداخلاتهم الهاتفية.

تزامنت تلك التسجيلات مع إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره بنقل السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، مما أثار غضب الرأي العام، كان ضابط المخابرات المصرية يحث الفنانين والإعلاميين بتوجيه رأي عام بأن القدس فعليًا محتلة ونقل السفارة أمر واقع لا بديل له مع بعض التعليمات بتوبيخ حركة حماس والحديث عن علاقتها المشبوهة بدولة قطر.

أصبح الأمر الإعلامي الخاص شبيه العام من حيث الولاء التام للقائد زعيم البلاد ومؤسسات الدولة لا سيما الأمنية من قوات مسلحة جيش وشرطة ينادون جمعيهم بدعم الرئيس المصري و"خطته الإصلاحية النهضوية" للبلاد والأمنية في محاربته "الإرهاب".

 تقييم الأداء الإعلامي

في أواخر عام 2017 تأسست ثلاث هيئات مستقلة ترعى المناخ الإعلامي المرئي والمكتوب في مصر وفقًا لما نصَّه دستور 2014م بذلك، وهم: 

1- المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وهو بدوره يحافظ على حرية الفكر والرأي واستقلالية الإعلام وفقًا لمبادئ الدستور التي نصَّ عليها ويرأسه مكرم محمد أحمد، وبدوره يعطي المجلس التصريحات لإنشاء الصحف داخل الجمهورية المصرية ويبت في الشكاوى المقدمة من الأفراد وجهات معنية رسمية وغير رسمية

2- الهيئة الوطنية للإعلام وهي خاصة بالمؤسسات الإعلامية التابعة مباشرة للدولة إداريًا وهيكليًا ودورها لا يختلف كثيرًا عن المجلس الأعلى للإعلام من حيث المهنية وحماية حرية الرأي والأمن القومي للدولة المصرية. 

3- الهيئة الوطنية للصحافة وهي بدورها تراقب الأداء الاقتصادي والإداري للمؤسسات الصحفية وتعمل على التنسيق بين الصحف الرسمية التابعة للدولة والصحف الخاصة، كما تعين رؤساء مجالس الإدارة لتلك الصحف وتحدد سعر بيع الصحف والإعلانات واختصاصات أخرى

ورغم صدور لوائح خاصة بمهام كل هيئة، سرعان ما تضاربت كل هيئة وتدخلت في مهام الأخرى، فحدث خلاف بين مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام وحسين زين رئيس الهيئة الوطنية للإعلام على من يستحوذ على وزارة الإعلام كمقر رسمي لمؤسسته، مما دلَّ على عدم وجود خطة عمل مشتركة بين الهيئات الإعلامية، بل كلٌ يعمل حسب المزاج الخاص به، بل تبين ذلك عندما قررت نقابة الإعلاميين وقف المذيع أحمد موسى لارتكابه مخالفة ببث تسجيل صوتي مفبرك إلا أن القرار لم يفعل ورفضه المجلس الأعلى للإعلام وقال إنه ليس من اختصاص النقابة إيقاف أحد البرامج أو فصل مذيعيها ممَّا يؤكد تضارب وتداخل في لوائح واختصاصات كل مؤسسة منهما.

كما أن بعض الإعلاميين والصحفيين صرحوا أن تأسيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ما جاء إلا ليقيد الحريات على الشاشات التليفزيونية ويسن قوانين تعاقب من ينتقد مؤسسات الدولة، تبين ذلك عندما صُدر أحكام بحجب مئات المواقع المصرية وغيرها داخل مصر فضلاً عن التضييق على المحتوى الذي يقدم، ولم يتخذ المجلس الأعلى للإعلام أي قرارات حيال خصخصة الإعلام وشركات الدعاية والإعلان وصحف ومجلات لرجال أعمال احتكرت أموالهم المجال الإعلامي والفضائي في مصر ووجهته لبث رأي عام يخدم مصالحهم ويثبت أركان حكم النظام القائم المواليين له.