تواصل الاحتجاجات في السودان رغم فض اعتصام القيادة

تحكي مستشفيات الخرطوم حجم المجزرة في حق معتصمي القيادة العامة ووحشية العسكر الذين اختاروا إنهاء رمضان واستقبال العيد برائحة الدم والبارود، إصرارًا منهم على التصعيد والوقوف في وجه إرادة السودانيين الآملين في غد أفضل، يقطع مع عقود عجاف عاشوها في ظل حكم عمر البشير ونظامه.

إصرار تمثل في رفض مطالب السودانيين وتحديد انتخابات في تمشٍ موازٍ لما يريده السودانيون، ما جعل البلاد مقبلة على مستقبل غامض، يُخشى منه على السودانيين، فالمتربصون بهم كثر عربًا كانوا أم غربًا.

أرقام الضحايا في ارتفاع

يتواصل توافد جرحى وقتلى "مجزرة القيادة العامة" إلى مستشفيات الخرطوم، في ثاني أيام العيد، ما جعل عدد قتلى اقتحام قوات الأمن السودانية الاعتصام يصل إلى 60 شخصًا، حسب لجنة أطباء السودان المركزية المرتبطة بحركة الاحتجاجات.

واتهم أعضاء من اللجنة، أمس الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي في لندن، القوات الأمنية بمهاجمة المستشفيات في كل أنحاء البلاد طيلة الفترة الماضية، وتحدثوا عن عمليات اغتصاب في الخرطوم، من دون تحديد مصدر المعلومات.

تعهدت قوى التغيير بتقديم قادة المجلس العسكري لمحاكمات أمام قضاء عادل ونزيه في "سودان الثورة"

اقتحمت عناصر من الجيش وقوات الأمن السودانية، مع بزوغ فجر أول أمس الإثنين، ساحة الاعتصام في العاصمة الخرطوم، حيث يعتصم المحتجون منذ أسابيع، وتم استخدام القوة والرصاص الحي ما أدى إلى مقتل وإصابة الكثير من المحتجين الذين أشعل بعضهم الإطارات محاولين إقامة حواجز لإعاقة فض الاعتصام.

وأظهرت صور ومقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، كيف يركض الناس في الشوارع أمام وزارة الدفاع محاولين الاختباء وحماية أنفسهم من الرصاص وبطش قوات الأمن والجيش، كما أظهرت الصور تمسك المعتصمين بشعار السلمية حتى اللحظة الأخيرة.

شارك في هذه المجزرة، قوات الدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات الوطني ومليشيا الشرطة الشعبية ومليشيا الأمن الشعبي ومليشيا الدفاع ومليشيا الأمن الطلابي ومليشيا الشيخ عبد الحي الإسلامية.

وقف التفاوض وإجراء انتخابات

هذا التصعيد الميداني تزامن مع تصعيد سياسي، حيث قرر المجلس العسكري الانتقالي الذي يحكم البلاد منذ عزل الرئيس عمر البشير، تشكيل حكومة تسيير أعمال وإلغاء الاتفاقات السابقة مع قوى الحرية والتغيير وتنظيم انتخابات خلال تسعة أشهر ابتداءً من الثلاثاء نفسه بإشراف دولي.

وقال رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان فجر أمس الثلاثاء، إن المجلس قرر وقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير وإلغاء الاتفاقات السابقة بين الجانبين، متهمًا قوى التغيير بمحاولة إقصاء القوى السياسية والقوى العسكرية والانفراد بحكم السودان "لاستنساخ نظام شمولي آخر يُفرض فيه رأي واحد يفتقر للتوافق والتفويض الشعبي والرضا العام".

لفت البرهان إلى أنه سيتم "تشكيل حكومة تسيير مهام، لتنفيذ مهمات الفترة الانتقالية المتمثلة في الآتي: محاسبة واجتثاث كل رموز النظام السابق المتورطين بجرائم فساد، والتأسيس لسلام مستدام وشامل في مناطق النزاعات المختلفة، وتهيئة البيئة المحلية والإقليمية والدولية لقيام الانتخابات بما يمكن الشعب السوداني من اختيار قيادته بكل شفافية".

وكانت قيادة الجيش السوداني قد عزلت في 11 من أبريل/نيسان الماضي، عمر البشير من الرئاسة، بعد 30 عامًا في الحكم، استجابة لرغبة الشعب الذي خرج إلى الشوارع أواخر العام الماضي، تنديدًا بتردي الأوضاع الاقتصادية، وفق قولهم.

العصيان وتواصل الاحتجاج

قابلت قوى التغيير هذا التصعيد باستنكار كبير، معلنة وقف التفاوض مع المجلس العسكري والدخول في عصيان مدني ردًا على ما سمتها "مجزرة اعتصام القيادة" في الخرطوم، وأكدت أن منطقة الاعتصام لا تضم الآن إلا أجساد القتلى الذين لم يتسن إجلاؤهم.

وتعهدت قوى التغيير - التي تقود الحركة الاحتجاجية في السودان - بتقديم قادة المجلس العسكري لمحاكمات أمام قضاء عادل ونزيه في "سودان الثورة"، وقالت إنهم يتحملون مسؤولية إراقة الدماء، وفق بيان صادر عنها بعد ساعات من اقتحام قوات الأمن السوداني ساحة الاعتصام المقام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم.

يبرز جليًا تأثير المحور السعودي الإماراتي المصري على تحركات العسكر، ذلك أنهم يؤمنون التغطية الكاملة لهم

في رد على قرارات العسكر الأخيرة، قال تجمع المهنيين في بيان: "تجدد الخطاب الانقلابي سيشعل الثورة من جديد"، وأضاف "النظام القديم المتجدد يحاول رسم سيناريو مسرحية كذوب عبر شاشات التلفاز، ولكنه لا يعلم أنها مسرحية حُرقت فصولها واستبان عوارها قبل رفع الستار عنها، وما مخطط إعلان الانتخابات والتنصل عن الاتفاق مع قوى الحرية والتغيير وإعلان تشكيل حكومة إلا هزال بعضه فوق بعض".

وأوضح التجمع أن "الإضراب السياسي متواصل والعصيان المدني الشامل مستمر حتى إسقاط النظام"، وأضاف "تظاهراتنا ستتواصل مع إغلاق الطرق الرئيسية والكباري وتعطيل السلطة الغاشمة ونزع شرعيتها وسلطانها في القطاعين العام والخاص".

السلطة للعسكر

تصعيد العسكر الأخير أثبت عدم وجود نية لديهم لتسليم السلطة للمدنيين، كما يطالب بذلك المحتجون، خاصة أنهم أثبتوا في مرات عديدة سابقة تعنتهم وتصلبهم أمام مقترحات السودانيين الطامحين في قيادة مدنية لبلادهم تضع حدًا لنظام العسكر.

وبدأ حراك السودان في ديسمبر/كانون الأول الماضي، من مدينة عطبرة المدينة الثانية في محافظة نهر النيل بعد عاصمتها الدامر، لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة الخرطوم وباقي المدن، احتجاجًا على ارتفاع سعر رغيف الخبز وغلاء المعيشة وندرة السلع الأساسية، ليرتفع سقف المطالب فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط نظام عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ عقود عدة، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ في بعض المدن لتطويق الاحتجاجات والحد من انتشارها.

عسكر السودان يسعى للتحكم في البلاد وفرض سلطته عليها

في الـ6 من أبريل/نيسان، دخل الحراك السوداني منعطفًا جديدًا عبر تصعيد يعد هو الأبرز منذ بدايته في الـ19 من ديسمبر الماضي، حيث دخل آلاف المحتجين اعتصامًا مفتوحًا أمام مقر قيادة القوات المسلحة، للضغط على الجيش للانحياز لمطالبهم، بالتزامن مع دعوة تجمع المهنيين السودانيين إلى إعلان إضراب عام في السودان وطالبت بدعم الجيش للثورة، وبعد 6 أيام أعلن الجيش تنحية البشير وتولي الحكم.

منذ ذلك الحين، تتراوح المفاوضات بين المجلس العسكري والمتظاهرين مكانها، وكانت آخر هذه المفاوضات، قد علقت في 21 من مايو/أيار الماضي، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيلة مجلس سيادة اتفقوا على إنشائه على أن يتألف من عسكريين ومدنيين، ويتولى قيادة الفترة الانتقالية في السودان.

قلة حيلة العسكر

المتأمل للتطورات الحاصلة في السودان، يتأكد من نفاد صبر العسكر وأتباعه، ورغبته في احتواء حراك السودانيين، حتى يثبت حكمه ويسيطر على الوضع في هذا البلد العربي، كما كان عليه الوضع زمن حكم عمر البشير أو أكثر.

يطالب المتظاهرون، المجلس العسكري بنقل السلطة إلى مدنيين من أجل تحقيق "انتقال ديمقراطي" في البلاد، يذكر أن الفترات الزمنية التي حكم فيها العسكر السودان فاقت بكثير الفترات التي استلمت فيها حكومات مدنية السلطة في البلاد، وكان سلسلة الانقلابات العسكرية في السودان قد بدأت ضد أول حكومة ديمقراطية انتخبت عام 1957.

ويبين هذا التصعيد قلة حيلة المجلس الانتقالي العسكري، وضيق أفق قادته وارتهانهم لأنظمة إقليمية برعت في تدمير شعوبها وشعوب أخرى، ونذكر منها المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة ومصر.

يبرز جليًا تأثير المحور السعودي الإماراتي المصري على تحركات العسكر، ذلك أنهم يؤمنون التغطية الكاملة لهم، وهو ما ينعكس سلبًا على حراك السودانيين المتواصل منذ أكثر من 6 أشهر، وكانت الإمارات والسعودية قد تعهدتا في أواخر أبريل/نيسان بتقديم مساعدات مالية وأشكال دعم أخرى قيمتها ثلاثة مليارات دولار للسودان.

ويتمتع قادة المجلس الانتقالي بعلاقات قوية مع هذا المحور، ففي أول جولة خارجية له منذ توليه السلطة، زار رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان كل من مصر والإمارات والسعودية، وذلك عقب زيارة نائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حمديتي"، السعودية ولقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ما يحصل في السودان في الأيام الأخيرة، يؤكد أن البلاد مقبلة على مستقبل غامض قوامه الفوضى والعنف، ذلك أن تعطش قيادات العسكر للسلطة شرعن للعنف، فهذه القيادات ترى في العنف سبيلاً لها للتمكن من السلطة.