عناصر من الأمن الإيراني

وسط حالة التوتر غير المسبوقة التي تشهدها العلاقات الإيرانية الغربية التي صعدت من احتمالات نشوب مواجهات عسكرية في الشرق الأوسط، خرجت طهران بفيلم وثائقي تقول فيه إنها فككت شبكة تجسس تابعة للمخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إي" وألقت القبض على 17 شخصًا كانوا يعملون لصالح أمريكا.

السلطات الإيرانية في بيان لها أمس الإثنين أعلنت أن أحكامًا بالإعدام صدرت بحق المقبوض عليهم من أعضاء الشبكة، وفق ما ذكر مدير دائرة مكافحة التجسس بوزارة الأمن هناك، فيما أشار وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي أن عددًا من هؤلاء الجواسيس كانوا يعملون في مواقع حساسة لصالح الاستخبارات الأمريكية، وتم تسليمهم إلى السلطات القضائية، موضحًا أن أنشطتهم شملت القطاع الاقتصادي ومحاربة الإرهاب.

إعلان خطوة بهذا الحجم في هذا التوقيت أثار الكثير من التساؤلات خاصة أن عملية إلقاء القبض على الشبكة كانت بين شهري مارس العام الماضي والحاليّ، ولم يتم إعلانها إلا أمس فقط، هذا بجانب الحديث عن دور إماراتي ملموس في هذه القضية التي بلا شك سيكون لها انعكاساتها على منحنى التصعيد بين إيران والغرب الذي وصل لمستويات قياسية.

صيد الجواسيس

تحت عنوان "صيد الجواسيس" بثت وزارة الأمن الإيرانية فيلمًا وثائقيًا بشأن تفكيك الشبكة، كشفت فيه أنه وبالتزامن مع تغيير الإدارة الأمريكية على أيدي الرئيس دونالد ترامب منذ يناير 2017 ومجيء صقور جدد مثل جون بولتون ومايك بومبيو إلى السلطة، تم تكليف وكالة الاستخبارات الأمريكية "السي آي إيه" مجددًا، بالقيام بعملية تجسس على المراكز الحيوية في إيران.

الفيلم أوضح أن الوكالة رصدت حينها ميزانية باهظة خدمة لتمرير هذا المخطط من خلال تجنيد عملاء جدد داخل إيران وتدريبهم بشكل محترف، مشيرًا إلى أن عملية التدريب تمت بشكل احترافي وفي قمة الحذر خشية تكرار سيناريو 2013 حين تعرضت الاستخبارات الأمريكية لضربة موجعة بفقدانها آنذاك عددًا كبيرًا من جواسيسها في إيران ومختلف أنحاء العالم.

العمل الوثائقي يصوّر امرأة عميلة لوكالة سي آي إيه تتحدث باللغة الفارسية، بلكنة أمريكية وهي تحاول تجنيد أحد الرعايا الإيرانيين في أحد الفنادق بالدول المجاورة، كما يوثق اعترافات وشهادات عن التحركات التي قامت بها عناصر الشبكة التجسسية واتصالاتهم وأنشطتهم المخرّبة في إيران.

وزير الأمن الإيراني محمود علوي قال تعليقًا على الفيلم إن وزارته وجهت ضربات حاسمة لوكالة التجسس الأمريكية في مختلف المراحل وعلى كل الأصعدة، فيما نشرت الأجهزة الأمنية صورًا لعدد من ضباط الاستخبارات الأمريكية المجندين لشبكة التجسس التي تم تفكيكها.

الجواسيس المعتقلون كانوا يعملون في مراكز حساسة وحيوية في المجالات الاقتصادية والنووية والبنى التحتية والعسكرية والسيبرانية وكذلك القطاع الخاص المرتبط بها، والوكالة بادرت إلى تأسيس شركات مزيفة بهدف التجسس تحت وعود توفير فرص عمل أو معدات من خارج البلاد، وفق ما أشار الفيلم.

يذكر أنه في يونيو/حزيران الماضي كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، قد كشف تفكيك أحد أكبر شبكات التجسس السيبرانية التابعة لأمريكا، واعدًا آنذاك بكشف تفاصيل عملية إلقاء القبض على عناصر الشبكة والمهام المناطة إليهم.

الرسالة التي تود طهران أن تبعث بها من وراء إعلان هذه الخطوة في هذا التوقيت تتمحور في التأكيد على أنها تمتلك اليد العليا في الصراع الاستخباراتي مع الجانب الأمريكي

واشنطن تنفي

وفي أول رد فعل أمريكي على ما بثته وزارة الأمن الإيرانية، نفى ترامب بصورة قطعية اعتقال طهران لمن وصفتهم بأنهم جواسيس، ووصف التقارير بأنها "عارية تمامًا عن الصحة".

الرئيس الأمريكي في تغريدة له على حسابه الرسمي على "تويتر" قال: "تقارير إلقاء إيران القبض على جواسيس عارية تمامًا عن الصحة. تمثل صفرًا من الحقيقة. المزيد من الأكاذيب والدعاية (مثل إسقاط طائرة دون طيار) التي يضعها نظام ديني مخفق بصورة كبيرة ولا يعرف ماذا يفعل".

الأمر ذاته ذهب إليه وزير خارجيته مايك بومبيو، الذي استبعد تصريحات طهران بالقبض على العملاء والجواسيس وقال في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، إنه لا يمكنه التعليق بشكل محدد على القضية، لافتًا إلى أن ما تم إعلانه ليس إلا أكذوبة يرددها الجانب الإيراني كما حدث مع إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة واختفاء ناقلة النفط البريطانية، على حد قوله.

لماذا في هذا التوقيت؟

توقيت إعلان تفكيك هذه الشبكة كان علامة استفهام كبيرة، إذ إنه جاء بعد أكثر من عام تقريبًا على إلقاء القبض على عناصرها وفق ما أشارت السلطات الإيرانية، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات عن دلالة التوقيت وما تهدفه طهران من وراء الدفع بتلك الورقة في الوقت الراهن بعد التكتم عليها طيلة هذه الأشهر.

الكاتب الإيراني، سياوش فلاح بور، أوضح أن الصراع الاستخباراتي بين أمريكا وإيران موجود منذ عقود طويلة، إلا أنه اشتد بصورة غير مسبوقة منذ دخول ترامب البيت الأبيض، لافتًا أن فشل بلاده في اختبار أقمارها الصناعية جاء نتيجة أعمال تخريبية من شبكة تجسس تابعة للولايات المتحدة ولها علاقة مع الكيان الصهيوني.

بور في مداخلة هاتفية له على قناة "روسيا اليوم" أوضح أن الرسالة التي تود طهران أن تبعث بها من وراء إعلان هذه الخطوة في هذا التوقيت تتمحور في التأكيد على أنها تمتلك اليد العليا في الصراع الاستخباراتي مع الجانب الأمريكي، وأنها تود أن ترد اعتبارها أمام واشنطن والعالم بعد التخريب الاستخباراتي الأمريكي في الداخل الإيراني طيلة الفترة الماضية.

الفيلم الذي عرضته  قناة "برس تي في" الإيرانية أظهر ضابطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهي تجند إيرانيًا في الإمارات، هذا بخلاف العديد من الاعترافات والشهادات الخاصة بتحركات عناصر الشبكة التي قالوا فيها إنهم تلقوا تعليماتهم الخاصة بمهام عملهم المخابراتية داخل أحد فنادق دبي

المحلل الإيراني ذهب إلى أن هناك بعدًا أمنيًا وراء توقيت الإعلان، فذروة الصراع الذي تشهده المنطقة دفع الجانب الإيراني إلى الضغط للحصول على معلومات أمنية عن مخطط واشنطن في المنطقة، وهي بذلك تود أن توصل رسالة أنها على دراية بكل تفاصيل هذا المخطط.

كما أن إيران لم تجد أمامها طريقًا آخر للتعامل مع الأزمة في ظل تعنت الموقف الأمريكي، الأمر الذي دفعها للتصعيد واللعب بما لديها من أوراق ضغط، هذا في ظل الدعم الشعبي الكبير لتحركات الحكومة الإيرانية التي يضفي عليها الشرعية بعيدًا عن محاولات إحداث أي شقاق داخلي، هكذا أضاف فلاح بور.

فيما ذهب منسق التحالف الأمريكي الشرق أوسطي توم حرب، إلى أن وجود عناصر استخباراتية أمريكية في إيران أمر عادي، لافتًا إلى أن أمريكا وحلفاءها لهم أصابع مخابراتية في العديد من دول المنطقة وعلى رأسها الدولة الإيرانية التي أثارت بسلوكها حفيظة الكثير من القوى الغربية.

حرب في تصريحاته أرجع توقيت إعلان تفكيك هذه الشبكة بالقبضة الأمريكية المحكمة على الإيرانيين، تلك القبضة التي وضعت منظومة الاقتصاد الإيراني على المحك، هذا بخلاف الضغوط السياسية الممارسة، الأمر الذي دفع طهران إلى محاولة الخروج من هذه القبضة عبر اللعب بآخر الأوراق التي لديها، لعل ذلك يساهم بشكل أو بآخر في التخفيف من وطأة تلك الضغوط التي تتعرض لها.

الإمارات.. علامة استفهام

الفيلم الذي عرضته  قناة "برس تي في" الإيرانية أظهر ضابطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهي تجند إيرانيًا في الإمارات، هذا بخلاف العديد من الاعترافات والشهادات الخاصة بتحركات عناصر الشبكة التي قالوا فيها إنهم تلقوا تعليماتهم الخاصة بمهام عملهم المخابراتية داخل أحد فنادق دبي.

تورط الإمارات في أعمال تجسس ليس الأول من نوعه، فسجل الدولة الطامعة في مزاحمة القوى الكبرى على النفوذ الإقليمي في المنطقة ليس بخاف على أحد، وهو ما كشفته العديد من الوثائق والشهادات الحية التي كشفت النقاب عن مثل هذه التحركات، سواء كان ذلك داخل بلدان عربية بعضها يعد من الحلفاء، وأخرى أجنبية بما فيها الولايات المتحدة ذاتها.

وفي المجمل فإن الخطوة الإيرانية لا شك أنها ستزيد من تفاقم الأزمة التي اندلعت عقب إسقاط طهران طائرة أمريكية مسيرة، بلغت ذروتها عندما احتجز الحرس الثوري ناقلتي نفط بريطانيتين، اقتاد إحداهما لميناء محلي، وأخضع طاقمها للتحقيق، لكنه أفرج عن الأخرى، وذلك ردًا على استمرار احتجاز بريطانية ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق.

ورغم محاولة التخفيف من حدة التوتر بين الجانبين، عبر طرق أبواب الحوار ونفي رغبة أي منهما في نشوب حرب في الوقت الحاليّ، وهو ما تكشفه تصريحات وزيري خارجية البلدين، فإن الأوضاع تزداد سخونة يومًا تلو الآخر، الأمر الذي يجعل من التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع بين الساعة والأخرى مجازفة غير موضوعية، لتبقى جميع الخيارات متاحة.