وزير خارجية بريطانيا آنذاك بوريس جونسون ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في بروكسل 2018

ترجمة حفصة جودة

كتب كافيه افراسيابي ونادر انتصار

في محاولة منها لموازنة الأمر واتخاذ رد فعل مناسب لاختطاف إيران لناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز، تعطي بريطانيا الأولوية بشكل كبير لاتباع حل دبلوماسي، هددت بريطانيا بتوقيع عقوبات على إيران في حال رفضها الإفراج الفوري عن الناقلة المحتجزة.

لكن هذه العملية ذات اتجاهين: إذا لم تفرج بريطانيا عن الناقلة الإيرانية التي تحتجزها في جبل طارق منذ أول يوليو، فمن غير المحتمل أن تخضع إيران للضغوط وتعيد الناقلة البريطانية "ستينا إمبرو" للأسباب التالية.

قضية حساسة للغاية

أولًا، رغم التبرير الرسمي الذي يقول إن الناقلة ستينا انتهكت اللوائح البحرية، فإن العديد من السياسيين في إيران ومن بينهم علي لاريجاني رئيس مجلس الشوري الإيراني أعلنوا بوضوح أن هذا التصرف من الحرس الثوري الإيراني رد فعل على اختطاف المملكة المتحدة للناقلة الإيرانية منذ أسبوعين.

هذه القضية حساسة للغاية وتمس الكبرياء الإيراني الذي يقف في وجه البلطجة الغربية، ونتيجة لذلك فمن المستحيل عمليًا أن تستطيع الحكومة الإيرانية تنفيذ مطلب لندن دون أن تبدو ضعيفة ومهزومة، بمعنى آخر، سيكون انتحارًا سياسيًا لأي شخص داخل أو خارج الحكومة يسعى للدفع نحو تلبية المطلب البريطاني، بينما يتجاهل الطرف الآخر مطلب إيران المشابه.

ثانيًا، كما يتضح في الآراء المتباينة للإعلام البريطاني بما في ذلك تعليقات وزير الخارجية السابق جاك سترو، فإن استيلاء المملكة المتحدة على الناقلة الإيرانية يضع شرعيتها في موقف خطير، وهناك تصور واسع النطاق يقول إن المملكة المتحدة اتخذت مبادرة مضللة بناء على توصية صقور البيت الأبيض في إيران مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون.

الناقلة البريطانية ستينا إمبرو قبالة ميناء بندر عباس

ثالثًا، يجب أن لا ننسى أن المملكة المتحدة - التي تصر على دعمها لاتفاق إيران النووي - في الحقيقة مضطرة وفقًا لشروط الاتفاقية أن تسمح لإيران بحرية تجارة النفط بدلاً من الانضمام لحظر النفط الأمريكي، مثلما فعلت في جبل طارق تحت غطاء العقوبات السورية.

هذا التصرف في جبل طارق يعد خرقًا للاتفاقية النووية من جميع النواحي، ولا يمكن لأي تأييد من السياسيين في البريكست لقوانين الاتحاد الأوروبي إخفاء تلك المفارقة.

خيار واضح

رابعًا، في غياب أي مقايضة تتضمن كلا الناقلتين، فإن خيارات لندن الأخرى لن تتضمن سوى مشاركة الحكومة بشكل أعمق في المشكلات بالشرق الأوسط، كما أن المرافقة العسكرية للناقلات البريطانية في مضيق هرمز ستكون مكلفة للغاية بالإضافة إلى خطورتها، وإلى أي مدى يمكن الاستمرار فيها؟

هل الحكومة البريطانية مستعدة لخوض حرب مع إيران إذا اتخذت إيران قرارًا لمواجهة ما تراه استفزازًا بريطانيًا؟ إذا أصبح الأمر كذلك فكيف ستكون نهاية اللعبة؟ وبشكل واقعي ألن يكون ذلك بمثابة جرح ذاتي تسببت فيه الأنا البريطانية العالية وسوء التخطيط؟

رغم كل ذلك فإن الحكومة البريطانية تملك خيارًا واضحًا لإنهاء الموقف الحاليّ مع إيران وهو بكل بساطة الإفراج الفوري عن ناقلة النفط الإيرانية في مقابل إفراج إيران عن الناقلة البريطانية، سيصب ذلك في المصلحة القومية لكلا البلدين، وما هو خلاف ذلك يعد مراهنة أكيدة بأن المواجهة ستتصاعد نحو أزمة شاملة لها عواقب خطيرة غير مقصودة.

تفكك السياسات

تعد إيران دولة محورية في الشرق الأوسط يجب احترامها وعدم معاملتها كدولة هامشية أو فاشلة، لذا فإن لقاءها في منتصف الطريق فيما يتعلق بأزمة الناقلات يعد استجابة حكيمة من بريطانيا تتماشى مع ضرورة معاملة إيران كدولة ذات براعة عسكرية كافية لرد العدوان والدفاع عن مصالحها.

من الأحرى أن تلتزم المملكة المتحدة - التي انضمت إلى ألمانيا وفرنسا لتنفيذ آلية مالية لتجارة إيران لتجاوز العقوبات الأمريكية (التي بالمناسبة تعد غير قانونية وتخالف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231) - بالتزاماتها في خطة العمل الشاملة المشتركة "JCPOA" ولا تنضم لنظام العقوبات الأمريكية على إيران.

القيام بذلك يعني النزول إلى عمق جديد من تفكك السياسات وتشجيع صقور واشنطن في إيران الذين يتعطشون لمواجهة عسكرية مع إيران، ويجب أن لا تنجر لندن إلى ذلك وأن تحمي مصالحها الحيوية بالوصول إلى حل وسط مع إيران في أزمة الناقلة.

وفي الواقع، إذا تم الإفراج عن كلا الناقلتين في المستقبل القريب كنتيجة لدبلوماسية حكيمة، فسيكون ذلك خطوة كبيرة لتحقيق الاستقرار والسلام في الخليج الفارسي وسيضمن استمرار صفقة إيران النووية الهشة، وتطبيع العلاقات بين إيران والمملكة المتحدة.

إن التسهيلات البارزة التي يمكن من خلالها أن تنتهي تلك الأزمة من خلال الوصول إلى حل وسط مُرضي للطرفين؛ قد تنتهي نتيجة اندفاع بريطانيا نحو توقيع عقوبات على إيران بسبب سلوكها ومحاولة الفوز في قضية "الأمن البحري"، مما قد يأتي بنتائج عكسية ويتحول إلى انعدام الأمن في الخليج الفارسي.

لذا نأمل أن يتخذ رئيس وزراء بريطانيا القادم وحكومته الخيار الصحيح وألا يفشلوا في هذا الاختبار المهم للسياسة الخارجية.

المصدر: ميدل إيست آي