بينما توشك الولايات المتحدة على إنهاء العمليات العسكرية في أفغانستان، أعربت روسيا والصين عن عدم رغبتهما في انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.

ووفقًا لدبلوماسي غربي بارز على اتصال مع القيادة الأفغانية: "شجع المسئولون الروس والصينيون كبار القادة في أفغانستان على التوقيع على ما يسمى بالاتفاقية الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة" والتي ستؤدي إلى بقاء القوات الأميركية في أفغانستان للقيام بدور عسكري على الأقل في المستقبل المنظور.

وٍصرح مبعوث روسيا في الأمم المتحدة "فيتالي تشوركين" للصحفيين في مقر الأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، أن حكومته تشعر بالقلق من أن خطة البيت الأبيض لانسحاب قواتها العسكرية ليست مرتبطة بتحسين الوضع على الأرض، وأن الأمم المتحدة والحكومات الغربية يجب عليها التفكير جيدًا في حجم مشاكل التي ستعرفها أفغانستان في صورة هذا الانسحاب غير التدريجي، مشيرًا إلى أن إنتاج الأفيون في ارتفاع والتطرف الإسلامي تجاوز الحدود واتسع إلى أسيا الوسطى.

وقال تشوركين: "روسيا لديها الكثير من المخاوف حول ما ستكون عليه أفغانستان بعد الانسحاب"، مضيفًا: "نحن ننتقد العمل الذي تم إنجازه حتى الآن منذ التواجد العسكري الذي يقوده حلف الشمال الأطلسي في أفغانستان، وفي رأينا فإن هذه القوات العسكرية لم تكن قادرة على الوفاء بتعهداتها من قضاء على الإرهاب، بل تسببت في ترك البلاد في حالة من الفوضى".

ويقول مسئولون غربيون إن الانتقادات الروسية تنم عن نفاق واضح، فقد بين دبلوماسي من أحد بلدان حلف الشمال الأطلسي أن السوفيات، في الثمانينات، حين انسحبوا من أفغانستان لم يهتموا لمصير البلاد، وهم اليوم يطلبون من الحلف أن يقدم جدول زمني حول انسحاب تدريجي من أفغانستان، وهذه بعينها "سياسة الكيل بمكيالين".

وقال الدبلوماسي (لم يرغب في كشف هويته)، إن "روسيا كانت دومًا تلوم الناتو على الخسائر في صفوف المدنيين مع الانتكاسات في مكافحة السوق المزدهرة للأفيون في أفغانستان، ومع ذلك، كانت روسيا تدعم تدخل حلف شمال الأطلسي في أفغانستان".

مضيفًا: "موسكو كانت موافقة على المبادرات التي تدعمها الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي من رفع حظر السفر على مسلحي طالبان في صورة دعمهم للحكومة الأفغانية، روسيا تريد ضمان حد أدنى من الاستقرار من خلال التواجد العسكري في أفغانستان".

ويأتي هذا الرأي الروسي بعد أقل من أسبوعين من إعلان الرئيس "باراك أوباما" في مطار باغرام في أفغانستان، أن الولايات المتحدة سوف تحد من وجودها العسكري وأنها ستقوم بتجهيز وتدريب القوات الأفغانية مع مواصلة حربها على تنظيم القاعدة.

مع العلم أنه في صورة توقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية مع الحكومة الجديدة في أفغانستان قبل وقف العمليات القتالية رسميًا في نهاية العام، فإن البيت الأبيض سيترك أقل من 10000 جندي.

وقال "سكوت سميث" المسئول السابق في الأمم المتحدة الذي عمل في أفغانستان ويرأس حاليًا برنامج معهد الولايات المتحدة للسلام في أفغانستان وأسيا الوسطى: "التصور الحالي هو أن الولايات المتحدة وبعد تدخلها في أفغانستان، مسئولة عن حالة الفوضى الحالية في المنطقة".

وأضاف سميث: "اعتقد أن الجميع متفقون على أن الانسحاب السابق لأوانه والغير استراتيجي سيترك أفغانستان في فوضى كبرى وهذا ليس في مصلحة أحد".

كما بين سميث أنه خلال محادثاته مع المسئولين الصينيين، قالوا له إنهم لا يريدون القوات العسكرية الأمريكية بالمنطقة إلى الأبد ولكنهم أيضًا لا يريدون تنظيف الفوضى التي سيخلفها الانسحاب الأمريكي السريع من أفغانستان.

وفي شهر مارس، سجل سفير الصين لدى الأمم المتحدة "وليو جيه يى" مخاوف بكين من هذا الانسحاب، وقال وليو أمام مجلس الأمن إن "الوضع الأمني في أفغانستان لا يزال هشًا، متمثلاً في زيادات كبيرة في مختلف أنواع الحوادث الأمنية منذ العام الماضي".

مضيفًا: "نحن نعرب عن قلقنا إزاء ارتفاع عدد الضحايا من المدنيين، ونحن ندعم بناء قدرات قوات الأمن الوطني والشرطة في أفغانستان لتمكينها من الوفاء بمسئولياتها الأمنية، وعلى الأطراف المعنية أن تأخذ في الاعتبار ضرورة حماية أمن واستقرار أفغانستان وأن خفض قواتها المسلحة يجب أن يكون بسلاسة من أجل ضمان الأمن في أفغانستان".

وقال سميث إن اللاعبين الإقليميين يرسمون انسحابًا مشابهًا للانسحاب السوفيتي من أفغانستان في عام 1989، حيث واصل السوفييت تقديم المساعدة المالية والعسكرية ودعم الرئيس الأفغاني الموالي آنذاك لروسيا الشيوعية "محمد نجيب الله" والذي تمكن من الصمود حتى توقف الدعم السوفياتي في عام 1992 مما مكن ائتلاف من المقاتلين المجاهدين من السيطرة على العاصمة.

وهو ما أشار إليه سميث بقوله: "هناك قلق من أن الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة حاليًا قد تنهار بطريقة دراماتيكية مثل حكومة نجيب الله".

وأما "تشوركين" مبعوث روسيا في الأمم المتحدة، فقد قال في مارس/ آذار الماضي: "نعتقد أن بعض الناس ما زالوا يقنعون أنفسهم بأن الوضع على ما يرام في أفغانستان".

مشيرًا إلى أن "روسيا ترى إن المخاطر عالية في أفغانستان، فهي مصدر رئيسي لصادرات الهيروين إلى روسيا وساحة لتدريب الجهاديين الإسلاميين الذين تخشاهم موسكو".

في حين قال "كاي إيدي" أحد كبار الدبلوماسيين النرويجيين والذي شغل منصب الممثل الخاص للأمم المتحدة في أفغانستان وكان في كابول مؤخرُا: "إن قلق روسيا آخذ في الازدياد، والروس اليوم متشككون للغاية بشأن خطة الانسحاب الأمريكي".

وأضاف: "إن الروس قلقون من الفراغ السياسي الذي سيخلفه الانسحاب العسكري من أفغانستان، حيث أصبحت تجارة المخدرات أقوى من ذي قبل، ولدي شعور بأن الروس مقتنعون أكثر فأكثر يضرورة بقاء بعض القوة".

المصدر: ترجمة نون بوست من فورين بوليسي