"بيقولوا إني ببني قصور رئاسية، أه أنا بنيت وببني وهبني، ومفيش حاجة باسمي، كله باسم مصر.. أنا بعمل قصور في العاصمة الإدارية الدنيا كلها هتتفرج عليها، أمال إيه، هي مصر شوية ولا إيه، أنتوا فاكرين مصر شوية"، بقصد أو دون قصد أسدل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الستار على القضية الأكثر جدلًا في مصر خلال الأسبوعين الماضيين.

السيسي من باب الإنكار أكد وبشكل يقيني صحة تسريبات الفنان محمد علي، صاحب شركة أملاك العقارية الشريك الرئيسي للجيش المصري طيلة السنوات الـ15 الماضية، الذي كشف إهدار الرئيس للمال العام عن طريق بناء قصور رئاسية واستراحات بمئات الملايين في الوقت الذي يقبع فيه ما يزيد على نصف الشعب تحت مستوى خط الفقر.

حسم الرئيس بنبرة استعلائية لمسألة بناء المزيد من القصور المليارية أثار حالة من الاستياء لدى قطاع كبير من المصريين يرى أن المرحلة بكل تفاصيلها لا تحتاج لمثل هذه الإجراءات التي تستهدف تصدير صورة غير واقعية عن حال الدولة، غير أن السؤال الأكثر حضورًا على ألسنة الجميع كان: هل مصر فعلاً بحاجة إلى بناء قصور جديدة؟

5 قصور رئاسية

"يوجد بمصر 5 قصور رئاسية معظمها مصنف بأنه الأكبر بين القصور الرئاسية على مستوى العالم"، هكذا علق الأكاديمي المتخصص في التاريخ المصري الحديث أمجد كامل، لافتًا إلى أن بعض تلك القصور ظل على مدار سنوات طويلة مضت حديث بيوت التصميمات الدولية.

كامل أضاف لـ"نون بوست" أن قصر مثل الاتحادية أو كما يطلق عليه "قصر العروبة" الواقع في قلب العاصمة القاهرة، وهو مقر الحكم الآن، يضم وحده 400 حجرة إضافة إلى 55 شقة خاصة وقاعات بالغة الضخامة، وتم بناء القصر من شركتين للإنشاءات كانتا الأكبر في مصر في ذلك الوقت هما شركة "ليو رولين وشركاه" وشركة "بادوفا دينتامارو وفيرو".

قصر الاتحادية من الداخل

القصر الذي صممه المعماري البلجيكي الشهير أرنست جاسبار، تم تأثيث حجراته بأفخم أنواع الآثار وتحديدًا من طرازي لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، أما القاعة المركزية الكبرى فكانت مكلفة، فقد وضعت بها ثريات ضخمة من الكريستال كانت الأضخم في عصرها وكانت تحاكي الطراز الشرقي.

ثم ياتي قصر عابدين الذي يعد تحفة تاريخية نادرة، يجسد واحدة من أهم مراحل مصر التاريخية كونه ظل مقر الحكم من العام 1872 حتى العام 1952، وقد بني عام 1863، ويرجع اسمه إلى عابدين بك أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا وكان يمتلك قصرًا صغيرًا في مكان القصر الحاليّ، فاشتراه إسماعيل من أرملته وهدمه وضم إليه أراضٍ واسعة ثم شرع في تشييد هذا القصر الذي يعد قبلة الكثير من المهتمين بالآثار المصرية والإسلامية على حد سواء.

الأكاديمي المصري أوضح أن القيمة السوقية لهذا القصر في الثمانينيات بلغت قرابة 120 مليون جنيه مصري، فيما تتجاوز الآن عشرات المليارات من الدولارات، لما يتمتع به من موقع إستراتيجي ومساحة كبيرة ومقتنيات وتحف لا تقدر بثمن.

قصر رأس التين

كذلك قصر رأس التين الذي يطل على شاطئ البحر المتوسط بمدينة الإسكندرية وهو أحد المعالم التاريخية والأثرية في المحروسة، فهو القصر الوحيد الذي شهد قيام أسرة محمد علي باشا في مصر وحكمها الذي استمر قرابة 150 عامًا، فكان القصر سجلاً توثيقيًا لأبرز محطاته.

كذلك قصر القبة، وسط القاهرة، أكبر قصور مصر من حيث المساحة، بناه الخديوي إسماعيل، وتحول إلى أحد قصور رئاسة الجمهورية بعد ثورة 23 من يوليو 1952، ضمن 3 قصور رئيسية هما عابدين وقصر التين، وقد كان مقر استقبال كبار الزوار إبان فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

30 قصرًا ملكيًا تسكنها الخفافيش

خزانة مصر من القصور لم تتوقف عند حاجز الرئاسية وفقط، فهناك أكثر من 35 قصرًا ملكيًا آخر، تعود إلى عصور سياسية مختلفة، تمثل وبشكل كبير شهادة حية على أبرز المحطات التاريخية في مصر الحديثة، كافية وحدها حال تسليط الضوء عليها أن تصدر صورة أخرى أكثر إشراقًا عن الدولة.

يبدو أن الرغبة في نسب الأمجاد والإنجازات للذات هو السيناريو الأقرب للمنطق لتفسير رغبة السيسي في بناء قصور جديدة

الباحث الأثري أحمد عبد الجواد، أشار إلى أن الطراز المعماري لمثل هذه القصور كفيل بأن يعيد الصورة الذهنية لمصر خارجيًا، لما تتمتع به من إمكانات معمارية وبنيوية غير مسبوقة في معظم قصور العالم بما فيها القصور الرئاسية الحاليّة التي تفخر بها مصر.

وأضاف في حديثه لـ"نون بوست" أن قصرًا كقصر محمد علي المبني عام 1808 على مساحة 50 فدانًا يعد واحدًا من أعظم التحف المعمارية في العالم أجمع، لافتًا إلى أنه بالإمكان لو هناك إرادة حقيقية أن يكون هذا القصر بديلاً لقصر الاتحادية الذي يقيم فيه الرئيس.

قصر المانسترلي من الداخل

هذا بخلاف قصور أخرى مثل قصر المانسترلي والبارون والأبلق والأمير طاز والأمير بشتاك وألكسان باشا والأمير يوسف كمال وصاروفيم باشا والأميرة عزيزة فهمي والسلاملك وسراي الحقانية والأميرة شويكار وشامبليون، وغيرها من القصور الكفيلة أن تستضيف جميع حكومات العالم في وقت واحد، على حد قول عبد الجواد.

واختتم الباحث الأثري حديثه بتساؤل: لو هناك رغبة حقيقية في دعم مصر من القصور لماذا لا توضع القصور الملكية الحاليّة تحت مجهر الاهتمام والرعاية؟ مضيفًا: كلفة ترميمها وتجديدها لا يتعدى ثمن إنشاء قصر واحد كالذي بني في مدينة العلمين الجديدة مثلاً أو بالعاصمة الإدارية الجديدة في قلب القاهرة الذي تكلف وفق الأرقام شبه الرسمية عشرات المليارات من الجنيهات.

قصر الرئاسة الجديد في مدينة العلمين

يبدو أن الرغبة في نسب الأمجاد والإنجازات للذات هو السيناريو الأقرب للمنطق لتفسير رغبة السيسي في بناء قصور جديدة، وهو ما ألمح إليه ضمنًا حين أشار في المؤتمر الأخير: "أنتم يعني عاوزين مصر ميبقاش فيها إلا قصور محمد علي بس"، وهو ما فسره محللون بأنها حالة نفسية تسيطر على الرجل المصاب بمرض جنون العظمة والأنا النرجسية العالية.

إهدار للمال العام

في 20 من مايو 2011 كتب الصحفي المقرب من النظام الحاليّ دندراوي الهواري، مقالاً نشره في موقع جريدة "اليوم السابع" المؤيدة لسياسات السيسي، كشف فيه أن التوسع في بناء قصور رئاسية جديدة هو إهدار واضح للمال العام، لافتًا إلى أن "الرئيس الأسبق مبارك أقام في قصر واحد هو قصر العروبة بمصر الجديدة، وترك الباقي تقطنه الخفافيش والفئران".

قصر محمد علي

الهواري كشف أنه بدلاً "من أن تتخذ رئاسة الجمهورية في العهد البائد، قرارًا باستغلال هذه القصور الاستغلال الأمثل الذي من شأنه المساهمة بقوة في دفع عجلة التنمية، أوعزت لأجهزة المكافحة التابعة لوزارة الزراعة والمتمثلة في معهد وقاية النباتات بمركز البحوث الزراعية، بتبني خطة مكافحة الزواحف، خاصة في قصر عابدين، درة القصور المصرية، الذى كان مقرًا للحكم طوال 80 عامًا كاملة، منذ عام 1872 حتى عام 1952".

الكاتب المقرب من السيسي اعتبر مثل هذه القصور التي لا مثيل لها في أوروبا وأمريكا ثروة قومية لا تقدر بثمن، مطالبًا بضرورة استغلالها الاستغلال الأمثل، مستندًا في ذلك إلى مقال كان قد كتبه الصحفي الراحل مصطفى أمين عام 1982 "اقترح فيه بيع أحد القصور الرئاسية المنتشرة في ربوع مصر، وذلك لسداد ديون مصر حينها".

وأضاف أنه إذا كان هناك رفض لمبدأ البيع، فيمكن تحويل هذه القصور إلى مزارات سياحية ذات طابع خاص، وتفتح أبوابها للأجانب والمصريين، أو تحويلها لمنتجعات فندقية مهمة بقلب القاهرة، على أن تخضع لوزارة السياحة، وذلك أسوة بنظيراتها في بريطانيا التي تدر الملايين على الحكومة.

قصر محمد علي

واختتم نائب رئيس تحرير الموقع الأكثر دعمًا للسيسي مقاله السابق بالمطالبة بفتح تحقيق موسع في إهدار مال الدولة المتمثل في إهمال تلك القصور وتركها موطئًا للحيوانات والخفافيش، قائلاً "الغريب أن قصور الرئاسة والاستراحات ظلت بعيدة تمامًا عن عيون المساءلة، سواء من الجهاز الرقابى المهم وهو البرلمان، أو حتى من الأجهزة الرقابية التابعة، ومن بينها الجهاز المركزي للمحاسبات، وظلت هذه الثروات المهدرة بعيدًا عن اهتمامات وعقول كل المتابعين، إما للخوف من إثارة هذا الملف المحظور الاقتراب منه، أو لعدم إدراجه ضمن أولويات القوى السياسية".

تناقض مثير للسخرية

في الوقت الذي يتفاخر فيه الرئيس المصري ببناء دولة جديدة قوامها القصور الفاخرة التي يرى أنه لا بد أن تكون على قدر اسم ومكانة وتاريخ الدولة المصرية، فإن الوضع على الأرض أكثر إيلامًا، فبينما يصفق الحاضرون لإصرار الرجل على بناء القصور هناك ما يزيد على 30 مليون مصري تحت مستوى خط الفقر، وهو الرقم الرسمي الذي أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يوليو الماضي.

الجهاز كشف ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان بنهاية العام المالي 2017-2018 مقابل 27.8% للعام 2015-2016 بما يعني أن الفقر تفاقم في الفترة التي حددتها الحكومة المصرية لإجراء إصلاحات اقتصادية وهو نذير سوء وفق كثير من محللين يرون أن الرقم من المرجح أن يتضاعف خلال السنوات القادمة، هذا بينما ذهب بعضهم أن معدل الفقر الحقيقي يتجاوز 60% من إجمالي الشعب.

العشوائيات في مصر

هذا بخلاف ما يزيد على 2.26 مليون مصري على قائمة البطالة، وفق الأرقام الرسمية، وإن كان العدد يتجاوز ذلك بكثير، إضافة إلى تشريد عشرات الآلاف خلال السنوات القليلة الماضية بسبب غلق ما يزيد على 5 آلاف مصنع، بجانب قبوع ما يزيد على 40 مليون مواطن في المناطق العشوائية التي تفتقد لأبجديات الحياة الكريمة.

الغريب في هذه الكوميديا الساخرة أن النسبة الأكبر من كلفة بناء تلك القصور جاءت عن طريق القروض الخارجية، وهو الأمر الأكثر إيلامًا للكثيرين، وبعيدًا عن التساؤلات المتعلقة بتحويل تلك المبالغ لما هو أهم، كالتعليم والصحة وتنمية العنصر البشري، فكيف لدولة وصلت ديونها الخارجية 106 مليارات دولار أن تفكر في بناء قصور جديدة تضاف إلى قائمة لا حصر لها؟ فقط من أجل اللقطة والرفاهية الذاتية كما يجيب البعض.