المبعوث الاممي لسوريا غير بيدرسون

بعد مرور ما يقارب السنتين على طرح فكرة وضع دستور جديد لسوريا وتشكيل لجنة بهذا الصدد في مؤتمر الحوار السوري السوري بمدينة سوتشي الروسية يناير 2018، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أمس، الانتهاء من تشكيل لجنة إعداد الدستور في سوريا بشكل رسمي بعد موافقة المعارضة والنظام السوري، وقال غوتيريش: "لجنة المفاوضات للمعارضة السورية والحكومية وافقتا على إنشاء لجنة دستورية، ذات مصداقية ومتوازنة وشاملة ستيسرها الأمم المتحدة في جنيف".

يأتي ذلك الإعلان بعد زيارة أجراها المبعوث الأممي لسوريا، غير بيدرسون، إلى دمشق ولقائه بوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، وقال بيدرسون إنه اتصل برئيس هيئة المفاوضات السورية المعارضة، نصر الحريري، وأبلغه أن الاجتماع مع مسؤولين في حكومة النظام السوري كان "إيجابيًا".

من جهته قال نصر الحريري في تغريدة له على التويتر قبيل إعلان اللجنة: "عقدتُ مشاورات مهمة ومتكررة مع المبعوث الدولي السيد غير بيدرسون واليوم كان لدينا معه محادثات إيجابية تم فيها تذليل الصعوبات المتعلقة بتشكيل اللجنة الدستورية وبالتالي أصبحت مسألة إعلان تشكيل اللجنة قاب قوسين أو أدنى، أشكره على الجهود الجادة التي يبذلها من أجل إحراز تقدم في العملية السياسية".

ورحبت واشنطن بالاتفاق بين النظام السوري والمعارضة بشأن تشكيل اللجنة الدستورية، وفي بيان للخارجية الأمريكية قالت إنه "رغم أنه لا يزال يجب القيام بكثير من العمل، فإن هذا الأمر يمثل خطوة مشجعة باتجاه تحقيق حل سياسي للنزاع السوري بالتوافق مع القرار 2254 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".

وكان الإعلان قد صدر بعد أيام من القمة الثلاثية للدول الضامنة لمسار أستانة (تركيا وروسيا وإيران) في أنقرة، وكان حينها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أشار إلى أنهم "أزالوا العقبات أمام تشكيل لجنة دستورية، وأن اللجنة ستبدأ العمل قريبًا"، من جهته أصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تشكيل اللجنة، موضحًا "جرى اتخاذ قرار تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد لسوريا في هذا المؤتمر، ويجب على هذه اللجنة أن تبدأ أعمالها بشكل فوري في جنيف".

ورحّبت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، بتشكيل اللجنة، وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي "يدافع عن فكرة إيقاف الحرب السورية عبر الوسائل السياسية"، مؤكدة دعم الاتحاد الكامل للجهود في هذا الإطار.

قادة تركيا وإيران وروسيا في القمة الثلاثية من أجل سوريا

آليات العمل غير واضحة

وإلى الآن ما زالت الرؤية غير واضحة بآلية عمل اللجنة التي من المفترض أن تضع دستورًا لسوريا، والمعلوم أنها تتألف من 150 شخصية، منها 50 للمعارضة و50 للنظام و50 كُلفت الأمم المتحدة بتسميتهم تحت اسم قائمة المجتمع المدني. وكانت الصحف التابعة للنظام السوري، قد قالت إن النظام وافق على إعلان تشكيل اللجنة بعد فرض حكومة النظام رؤيتها والعمل ضمن آلياتها، وأشار وزير خارجية الأسد وليد المعلم أن قيادته "أنجزت العمل باللجنة بفضل توجيهات الأسد"، معبرًا عن أمله بأن "تحمل أعمال هذه اللجنة حلاً سياسيًا للأزمة في سوريا".

ونشر موقع "بروكار برس" ما قال إنها الأسماء التي تحتويها قائمة المجتمع المدني، وأبرز الأسماء هي: هادية قاوقجي وحلا نعوم ونهمة عصام التكروري ودحام أحمد الهادي وإيمان شحود وعصام الزيبق وحازم فصيح العشي ودورسين حسين الأوسكانو وأنصاف حمدو وأنعام إبراهيم نيوف، وتشمل القائمة أيضًا 40 آخرين.

ولا يُعلم إلى الآن إن كانت هذه اللجنة ستعمل على دستور جديد أم أنها ستعمل على تعديلات بدستور 2012 الذي أقره بشار الأسد كما وصفت جريدة تشرين الرسمية اللجنة، بأنها "لجنة إصلاح لدستور عام 2012 وأن تتشكل من ثلثين تدعمهما الحكومة وثلث للأطراف الأخرى".

مؤتمر سوتشي الذي أُعلن على إثره طرح فكرة اللجنة الدستورية

من جهته يقول الصحفي السوري غسان ياسين لـ"نون بوست": إن "اللجنة وُلدت بعد مخاض طويل، وتعثُر تشكيلها يعطينا مؤشر على مدى فاعليتها ومدى قدرتها على إنجاز دستور جديد"، ويشير ياسين إلى أن مسار تشكيل هذه اللجنة "أدى لتشكيل لجنة مفخخة مسارها مليء بالعقبات، وأولى هذه العقبات هو معضلة الموافقة على الدستور، حيث إنه يحتاج إقراره موافقة ثلثي الأعضاء".

ويُرجع ياسين هذه العقبات إلى أن اللجنة بالأصل "مخالفة لقرارات الأمم المتحدة"، حيث جاءت بالقرار الأممي 2254 ومرجعيته قرارات مؤتمر جنيف، وبحسب ياسين فإن ما أفرزته اجتماعات جنيف لم تكن "تتحدث عن دستور جديد أو تعديل الدستور الحاليّ بل يتحدث عن تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات تحكم البلاد لستة أشهر"، ويقول ياسين: "إذًا هناك نسف لعملية جنيف بالأساس نتيجة لضغوط روسية".

إعادة تأهيل الأسد

إلى ذلك، لم يحظ خبر الإعلان عن هذه اللجنة بحالة تفاؤل واحتفائية بين السوريين، بل على العكس، فالباحث والكاتب السوري أحمد أبازيد رأى في تغريدة له على تويتر، أن اللجنة "آلية لتمرير الوقت بين الدول ومظهر وجود عملية سياسية فقط، عنوان الحل هو في حقيقته طريقة تجميد الحل قرابة عامين منذ طرح فكرة اللجنة حتى إعلان الأسماء، وربما سنة ونصف أخرى للتوافق على جدول الأعمال، وسنتين لآلية التصويت وشكل الخط، وأربع سنوات في نقاش البند الأول، إلخ". ويعبّر أبازيد عن وجهة نظر طيف واسع من النشطاء السوريين الذين لا يثقون بالقائمين على العملية السياسية السورية ولا بنوايا المجتمع الدولي.

الصحفي غسان ياسين يرى بدوره أن اللجنة بصورتها الحاليّة هي نتاج "الانسجام الثلاثي بين تركيا وإيران وروسيا"، ولولا هذا الانسجام "ما وصلت اللجنة إلى هذه المرحلة من التفاهم والشكل الحاليّ"، وفي حديثه لـ"نون بوست"، يرى ياسين أن اللجنة "هزيلة ولن ينتج عنها أي شيء"، مضيفًا "بالنهاية هذا المسار طالما أنه يمشي على ما هو مخطط عليه فنستطيع تسميته بلجنة إعادة تأهيل الأسد أو إعادة شرعنته بالمجتمع الدولي"، وكان المجتمع الدولي قد انكفأ عن دعم المعارضة منذ 2013 ومطلبها بإسقاط النظام، و"يبحث حاليًّا عن حل بأقل خسائر كنظام دولي بأن الأسد موجود وعلينا التعامل معه، وتحتاج الدول حاليًّا لقوننة التعامل وسيتم هذا الأمر من خلال اللجنة المعلنة" كما صرّح ياسين.

وقد يكون تأهل الأسد الهدف الفعلي من اللجنة ولكن الكاتب والصحفي السوري محمد منصور، يشكك بأن تحقق اللجنة هذا الهدف ويقول لـ"نون بوست": "نظام أوغل في ارتكاب كل هذه الجرائم، من الصعب على لجنة هزيلة وملفقة ولا يوجد لها تمثيل شعبي حقيقي كهذه أن تعيد شرعنته، حتى لو لم يشعر المجتمع الدولي بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية لإسقاطه ومحاكمته في المدى المنظور".

ويضيف منصور: "النظام أصدر دستورًا عام 2014 وقال إنه ألغى فيه المادة الثامنة من الدستور التي تقول إن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع لكن هذا لم يغير شيئًا ولم يساهم في تجميل صورته الملوثة بدماء السوريين".

مدن سوريا المدمرة

المشكلة ليست بالدستور

يرى الكثير من السوريين أن المشكلة الحاليّة ليست في إعداد دستور أو تشكيل لجان، بل المشكلة تكمن في الأزمة التي يعاني منها الشعب السوري أينما وجد، حيث تلاحقه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ويريد حلاً لها، فيما يريد اللاجئون العودة الآمنة إلى بلادهم تحت مظلة شيء يحمي حقوقهم وأرواحهم، في الوقت الذي يعاني أهالي شمال سوريا من القصف والقتل اليومي، ولا تعبأ آلة حرب الأسد وروسيا بأي لجان في سبيل السيطرة على المناطق.

وأصغر سوري يعلم أن المشكلة في سوريا ليست في الدستور كما يرى محمد منصور الذي يقول: "المشكلة في عدم احترام النظام بكل أجهزته للدستور وللحقوق التي يقرها للمواطن السوري، ودوسها تحت قدم أصغر عنصر في أجهزة مخابرات الأسد"، ويضيف منصور "الدستور السابق يقول إن الحرية حق مقدس لكل السوريين، لكن لك أن تتأمل كيف أن المناداة باسم الحرية في المظاهرات السلمية الأولى عام 2011 كان بحد ذاته جريمة يعاقب عليها هذا النظام الذي لا يقيم أي وزن لأي بند في الدستور".