أمير قطر تميم بن حمد

تعمل العديد من الأطراف السياسية والمدنية في موريتانيا للضغط على السلطات الحاكمة من أجل إعادة علاقات بلادهم الدبلوماسية مع الدولة الشقيقة قطر، بعد أكثر من سنتين على قطعها، تبيّن أن الخاسر الأكبر فيها هي موريتانيا وشعبها المسالم الذي يكنّ كل الاحترام لأشقائه العرب.

مبادرة جديدة

ضمن هذه المساعي، دشنت مجموعة موريتانية تضم مدونين وعددًا من رجال الثقافة والأدب حملة طالبت من خلالها الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد الغزواني "بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر والمحافظة على علاقات طيبة مع جميع الدول العربية وعدم التدخل في الأزمات والخلافات بين الدول".

ويؤكد القائمون على هذه الحملة الشعبية من أجل إعادة العلاقات مع قطر، أن مبادرتهم إرادية ومستقلة، أطلقها ناشطون، لا ينتمون لأي حزب أو تيار سياسي، يجمعهم حب الوطن والرغبة في النأي به عن الخلافات الإقليمية والدولية.

يرى العديد من الموريتانيين أن موقف بلادهم من أزمة الخليج وبيانها شديد اللهجة ضد قطر مثل انحرافًا خطيرًا في مسار الدبلوماسية الموريتانية المعروف بالحياد في خلاف الأشقاء

تهدف هذه الحملة إلى إيصال صوت الشعب الموريتاني الرافض لقطع العلاقات مع دولة قطر، الذي يحترم في نفس الوقت كل دول الخليج والبلدان العربية الشقيقة، فضلاً عن حث السلطات على تصحيح الخطأ الدبلوماسي الكبير الذي وقع فيه الرئيس السابق والمتعلق بقطع العلاقات مع دولة قطر الشقيقة.

يتضمن عمل المبادرة، وفق القائمين عليها، وقفات مطالبة بإعادة العلاقات مع قطر والاعتذار للحكومة والشعب القطري على وسائل التواصل الاجتماعي عن قطع العلاقات معها، إلى جانب نشر عريضة مطلبية يوقع عليها الفاعلون السياسيون في موريتانيا.

إلى جانب ذلك، يتضمن عمل المبادرة أيضًا إيصال صوت المبادرة إلى الحكومة الموريتانية عبر عرضها في البرلمان الموريتاني، وإشراك الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني في السعي نحو تحقيق أهدافها.

خطأ جسيم

اعتبر القائمون على الحملة في بيان لهم أن "قطع العلاقات الموريتانية القطرية عشية اندلاع الأزمة الخليجية خطأ بالمقاييس السياسية والإستراتيجية"، و"كان حريًا بالدبلوماسية الموريتانية أن تسعى للوساطة في الأزمة بغية حلها، لا أن تزيد من حالة الشقاق العربي".

وكانت موريتانيا قد أعلنت في يونيو/حزيران 2017 قطع علاقاتها مع قطر بسبب "تمادي الأخيرة في سياسة دعم التنظيمات الإرهابية وترويج الأفكار المتطرفة"، وفق ما نقله بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون التي بينت أن مواقف بلادها "عكست دومًا قناعتها الراسخة بضرورة تعزيز التعاون والتضامن بين الأشقاء والتصدي لكل ما من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في وطننا العربي"، إلا أن دولة قطر دأبت على العمل على تقويض هذه المبادئ التي تأسس عليها العمل العربي المشترك.

وجاء هذا القرار عقب إعلان 4 دول قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وهي: المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، واتهماها بدعم الإرهاب، في أسوأ صدع تشهده المنطقة العربية منذ سنوات.

اختارت موريتانيا الاصطفاف إلى جانب دول الحصار على حساب قطر

يرى العديد من الموريتانيين أن موقف بلادهم من أزمة الخليج وبيانها شديد اللهجة ضد قطر واتهامها الدوحة بدعم التنظيمات الإرهابية وترويج الأفكار المتطرفة والعمل على نشر الفوضى والقلاقل في العديد من البلدان العربية، الأمر الذي نتج عنه مآسٍ إنسانية كبيرة في تلك البلدان وأوروبا وعبر العالم، كما أدى إلى تفكيك مؤسسات دول شقيقة وتدمير بناها التحتية، لم يكن نابعًا عن دولة ذات سيادة.

ويرى هؤلاء أن هذا الموقف مثّل انحرافًا خطيرًا في مسار الدبلوماسية الموريتانية المعروف بالحياد في خلاف الأشقاء، وتصرف خاطئ وتدخل غير مبرر منها، في وقت انتهجت فيه باقي دول المغرب العربي الحياد، وسبق أن وصف المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة المعارض قرار الحكومة الموريتانية بأنه "ارتهان سيادة موريتانيا واستقلال قرارها في غير مصالحها ومصالح شعبها".

وتعتبر العلاقات الموريتانية القطرية الأقدم بين دول الخليج العربي، فقد افتتحت موريتانيا أول سفارة لها في الدوحة عام 1974، وفي عام 1975 افتتحت الدوحة سفارتها في نواكشوط، ومنذ ذلك التاريخ وعلاقات البلدين في تطور ضمن السياق الطبيعي ولم تشهد أي فتور، إلا خلال الأزمة الخليجية.

الشعب الموريتاني الخاسر الأبرز

المتأمل لقرار قطع السلطات الموريتانية علاقاتها الدبلوماسية مع قطر دون أن تكون في أزمة مباشرة معها، يرى أن الخاسر الأبرز من هذا القرار هي موريتانيا وشعبها الذي يأمل أن تكون علاقات بلاده إيجابية مع كل الدول الشقيقة والصديقة.

ويتبين دور قطر الإيجابي في المساعدة على تنمية موريتانيا من خلال حضورها في تمويل بعض البرامج التنموية بالبلاد، ومواصلة تكوين الكادر البشري الموريتاني عبر معاهدها وجامعاتها، رغم قطع الطرف الموريتاني لعلاقاته معها.

لم يكن قرار السلطات الموريتانية قطع العلاقات مع قطر من البداية محل إجماع الموريتانيين، فقد عبرت عديد من القوى المدنية والسياسية عن رفضها لها

سبق أن قدمت قطر مساعدات عديدة لموريتانيا، من ذلك تأسيسها مستشفى الشيخ حمد في مدينة بوتلميت (على بعد 150 كيلومترًا شرق العاصمة نواكشوط) سنة 2007، ويضم المستشفى أربعة أقسام مهمة هي: الطب الباطني وطب الأطفال وجناح النساء والتوليد وجناح الجراحة العامة.

فضلاً عن ذلك، تواصل جمعية قطر الخيرية نشاطها في موريتانيا وتقديم عطاءات واسعة للدولة بهدف تخفيف الحمل عن كاهلها، من ذلك كفالتها لثلاثة آلاف يتيم موريتاني، كما زودت هذه الجمعية عدة قرى موريتانية في ولايات الحوضين والترارزة بماء الشرب، وبنت مئات المنازل السكنية للأسر الفقيرة في مناطق مختلفة من موريتانيا.

مواقع التواصل تتفاعل

وجدت هذه الحملة الشعبية صدى كبيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتب الآلاف من النشطاء الموريتانيين تدوينات على حساباتهم وصفحاتهم الخاصة والرسمية عبروا فيها عن رغبتهم الشديدة في عودة العلاقات الموريتانية القطرية إلى سالف عهدها.

كتب ناشط يدعى ولد مولاي، تدوينة جاء فيها: "قطر التي تعاديها حكومتنا اليوم، لم ترتكب من الأخطاء سوى أنها آمنت بوجودنا كدولة عربية في الوقت الذي يتجاهل فيه الكبار وجودنا كدولة، وهي التي تدفقت أموالها على فقرائنا ومرضانا، فإن لم ننصرها في الحصار الظالم، فعلينا على الأقل أن نقف على الحياد".

وتمنت الناشطة الموريتانية عربية سيد إبراهيم في تدوينة لها على حسابها الخاص في موقع تويتر، أن تكسب بلادها كل الأشقاء العرب، وتبتعد عن معركة التخندق، وتكون وسيطًا بين الدول العربية وصدرهم الرحب دومًا.

في ذات السياق كتب موريتاني آخر يدعى الشيخ ولد أحمد تدوينة على تويتر جاء فيها: "آن الأوان لإعادة العلاقات مع الشقيقة قطر التي لا مبرر لقطعها أصلاً ويكفي مغامرات بمستقبل هذا الشعب المسكين".

من جهته تساءل الناشط ليمام أولاد ليمام عن موعد تراجع سلطات بلاده عن موقفهم من قطر خاصة في ظل تراجع دول عديدة، حيث كتب: "من جملة 54 دولة أفريقية لم تنحز إلى موقف دول الحصار إلا خمس دول (موريتانيا وإريتريا وجيبوتي والسنغال وتشاد)، ثم تراجعت مؤخرًا ثلاثة منها (السنغال وتشاد وجيبوتي) عن موقفهما السابق متى ستتراجع موريتانيا وتعيد العلاقة مع الأشقاء في قطر؟

بدوره رأى موريتاني يدعى سيدي محمد الشيخ، أن إعادة العلاقات مع قطر يعتبر تصحيحًا لمسار الدبلوماسية الموريتانية التي كانت قبل الرئيس السابق محمد ولد عبد عزيز "رزينة وبعيدة عن الصراعات وهي الشيء الوحيد الإيجابي".

لم يكن قرار السلطات الموريتانية قطع العلاقات مع قطر من البداية محل إجماع الموريتانيين، فقد عبرت العديد من القوى المدنية والسياسية عن رفضها لهذا القرار الذي رأت فيه دليلاً قاطعًا على الشرخ الكبير بين النظام الباحث عن المال والشعب الباحث عن الكرامة.