بات التونسيون ليلة الثالث من أكتوبر تشرين (2019) أي قبل يومين من الموعد الانتخابي يتداولون وثيقة أخبار كشفها موقع استقصائي (انكفادا) عن علاقة بين المرشح نبيل القروي ومراكز صناعة لوبيات دولية يديرها صهاينة لتسويقه لدى مواقع القرار الدولية كرئيس مرتقب لتونس. وقد عبر كثير من المدونين المحترمين عن فزعهم من ارتباطات الرجل وتوسع شبكة علاقتاه وطموحه اللامحدود.

للموقع المذكور مصداقية كبيرة فقد سبق له أن كشف عن أوراق بنما أو ما عرف منذ سنوات الباجي الأولى عن سياسيين تونسيين يهربون أموالهم للجنان الضريبية ورغم أن الدولة التونسية لم تفتح أي تحقيق في الأمر إلا أن المتهمين اختفوا تقريبا من المشهد السياسي لمدة طويلة أكدت خشيتهم من توسع التحقيق وهو ما أعطى مصداقية للمعلومات المكشوفة وللموقع المذكور وهو ما يعطي مصداقية أيضا للكشف الأخير المتعلق بالمرشح الرئاسي.

ولكن هذه الورقة لن تجادل في صحة المعلومات (تحتاج إلى تحقيق قضائي عميق) بقدر ما تحاول فهم خطاب آخر يروج في تونس في أوساط نخبوية كثيرة بأن نبيل القروي هو ممثل التيار التقدمي في تونس أو هو آخر التقدميين الذين يقفون  في وجه الدعوشة أو بشيء من التهذيب في وجه الرجعية الدينية. وهو الخطاب الذي يتغاضى عن الوثيقة ليعيد الصراع السياسي في تونس إلى مربع الهوية.

نبيل القروي زعيم التقدمية

لم يكن المرشح تقدميًا في أول الحملة وكان النقاش يدور حول مشروعية العمل الخيري بخلفية سياسية. فقد شهدت تونس حملة منظمة لقطع كل ربط بين الأحزاب وبين العمل الخيري (الجمعياتي). وكان كمال الجندوبي (أول رئيس للهيئة الانتخابية المستقلة التي أدارت انتخابات 2011) قد تولى كتابة دولة في عهد حكومة مهدي جمعة 2014 تولى خلالها تصفية الجمعيات الخيرية مركزا بالخصوص على الجمعيات التي اشتبه في وجود علاقة بينها وبين حزب النهضة.

فجأة صار القروي تقدميا وانحرف النقاش أو عاد بالأصح إلى ما قبل 2019 والسبب هو إعلان حزب النهضة مساندته للمرشح قيس سعيد

أغلق هذا الملف ولم يعد إلى النقاش إلا في حملة 2019. حيث انكشف العمق السياسي لعمل الجمعية الخيرية التي أسسها نبيل القروي (خليل الخير) لتكون غطاء لعمله السياسي وبها استولى على قاعدة ريفية أمية مفقرة في مواقع كثيرة صوتت له بمقابل مباشر من المساعدات العينية.

وفجأة صار القروي تقدميًا وانحرف النقاش أو عاد بالأصح إلى ما قبل 2019 والسبب هو إعلان حزب النهضة مساندته للمرشح قيس سعيد. وتبين أن فئة ناخبة جديدة تنظم إلى فئة المفقرين الذين اشتراهم بجمعيته الخيرية هذه الفئة هي نخبة البلاد التي احتكرت لنفسها صفة التقدمية وفيها يسار كثير وليبراليون وطبعا يوجه خطابها اليسار الفرانكفوني أو يسار البوبو الذي يتلقي وحيه من السفارة الفرنسية بشكل مباشر وغير مباشر.(كانت هذه الجماعات قد انحازت لحملة الزبيدي فلما خسر ظهرت مع القروي).

من أين نزلت التقدمية على نبيل القروي؟ إكلريوس الحداثة التونسية مالك الأصل التجاري للتقدمية هو الذي حرف النقاش. لنعود إلى صراع بين مرشح رجعي وآخر تقدمي ؟ ماذا يقدم القروي للتقدميين ليمنحوه مباركتهم وأصواتهم وماكيناتهم الدعائية؟ إنه يملك أن يواصل الحرب ضد الإسلاميين وهذا كاف لديهم ليكون الرئيس.

الشرخ الاجتماعي وصراع الهويات

لقد كشفت حملة القروي قبل أن يُعمَّد تقدميًا أن هناك فعلا فجوة كبيرة بين المثقفين والنخب وبين الشارع فالرجل ذهب إلى حيث الفقر واشترى الفقراء الذين أهملتهم الدولة أولًا وغفلت النخبة عن وجودهم عندما انصرفت إلى الخلاف الهووي (وكان عمل كمال الجندوبي موجه أساسا لقطع الوشيجة الممكنة بين العمل السياسي والخيري لأنها بوابة يدخل منها الإسلاميون).

أبى التقدميون إلا أن يعيدونا إلى مربع جدالهم المعتاد وهو ما وضح أمرا مهما.

انتظرنا أن يدار النقاش السياسي حول سبب وجود هذا الشرخ الاجتماعي وسبل ردمه وهو السبب الحقيقي للثورة في تونس (لقد تم تناسي ذلك). هل يكون العمل الخيري فقط أم بتدخل الدولة ببرامج اجتماعية شاملة أي انتظرنا أن لا يكون إلا حديث التنمية وتغيير المنوال الاقتصادي ليستوعب المتروكين على الهامش. كان ذلك سيغلق مرة أخيرة وإلى الأبد بوابات التصدق السياسي على الفقراء وخاصة في المواعيد الانتخابية. ولكن أبى التقدميون إلا أن يعيدونا إلى مربع جدالهم المعتاد وهو ما وضح أمرًا مهمًا. ليس الإسلاميون من يثير صراع الهويات ويغنم منه انتخابيًا بل التقدميون الذين ليس لهم موضوع غيره وهم غير معنيين بالفقراء ولا بالشرخ الاجتماعي (سنكتب ذات يوم عن بروفايل التقدمي التونسي).

هذه المسألة بالذات توضح انحرافات الثورة التونسية عن مسارها وغرقها أو إغراقها، وهو الأصوب في الصراع الهوياتي. وكانت قناة القروي (نسمة) إحدى وسائل الدفع أو الجر إلى هذه النقطة من الصراع. فكأن الرجل كان يمهد منذ زمن لحرف الثورة عن مسارها الاجتماعي ليجد لنفسه مقعدا خلف النخبة الهووية.

التقدمي التونسي الصهيوني.

خطاب التقدمية المستدرك في اللحظات الأخيرة (بناء على انحياز الإسلاميين لقيس سعيد). ينكشف الآن في سياق تطبيع مع الصهاينة. فيوضح خلفية التقدمي التونسي إنه أولا معادٍ للإسلاميين ويحدد موقفه في ردة فعل على موقفهم. فإذا غرّب الإسلاميون يشرّق التقدمي التونسي وإذا ذهبوا جنوبًا يذهب هو شمالًا. ولكن عندما ينكشف موقف التطبيع لا نجد التقدمي التونسي يخجل من ذلك. لنجد أنه مستعد أن يكون صهيونيًا مطبعًا ومعاديًا لكل ثقافة بلده المنحازة للحق الفلسطيني، فالمهم عنده أن لا يكون هناك إسلاميون في الحكم أو في البلد. والأدهى أن هذا التقدمي ظل كل سنوات الثورة يتهم الإسلاميين بالتطبيع. غير مهم هنا من يكون قاطرة التقدمية (نبيل القروي أو الباجي قائد السبسي أو حتى ابنه الذي هرب خوفًا من أخطائه زمن أبيه).

عشية الأحد سنعرف الرئيس التونسي الجديد. ولكن قبل يوم الأحد سمحت لنا الحملة الانتخابية بحقيقة ساطع

يرتب التقدمي التونسي أولوياته كما يلي. النقطة الأولى إقصاء الإسلاميين عن مواقع النفوذ. بأية وسيلة كانت بما في ذلك شركات الضغط الصهيونية. أما النقطة الثانية فليس هناك نقطة ثانية إنما كل الوسائل والخطابات والحيل مشروعة لتحقيق الهدف الأول.

أما الشرخ الاجتماعي فلا يعنيه إلا إذا اقترب منه الإسلامي بالصدقات أو ببرنامج بعث صندوق للزكاة. حينها يصبح خلط الاجتماعي بالسياسي جريمة تكلف وزارة كاملة بتصفيتها.

عشية الأحد سنعرف الرئيس التونسي الجديد، ولكن قبل يوم الأحد سمحت لنا الحملة الانتخابية بحقيقة ساطعة. لقد محصنا التقدمي التونسي فوجدناه بعيدًا عن شعبه وعن مطامحه وترسخت لدينا صورة النخبة المغتربة عن شعبها. لقد قدمت لنا انتخابات 2019 دليلا إضافيا لا يقبل الدحض عن قطيعة كاملة بين شارع يزداد فقرا وبين نخبة تزداد غربة حتى تصل درجة الخيانة العظمى وفي القريب العاجل سنرى اتجاه فعل الثورة الهادئة في هذه النخب لقد عرف الفقراء التونسيون من يخونهم.