ينتخب التونسيون غدا برلمانهم الجديد

يتوجّه قرابة السبع مليون ناخب غدًا الأحد، في مهد الثورات العربية تونس، لانتخاب برلمانهم الثاني بعد يناير 2011، برلمان جديد يراه العديد من التونسيين فرصة لتحقيق مطالب ظلّت عالقة لسنوات، فيما يراه آخرون مجرّد امتداد للذي سبقه فلا انتظارات كبيرة منه ولا أمل للتغيير فالوجوه نفسها تتكرّر منذ سنوات.

منع السياحة الحزبية

تأمل التونسية مريم العوني أن يفوز في هذه الانتخابات، مرشحين يعلمون صلاحياتهم ومهامهم التي كفلها لهم الدستور، حتى يقوموا بما هو مناط إليهم على أحسن وجه - وفق أولويات وأهداف وآليات تنزيل وتقيم- ولا يكون وجودهم في البرلمان عالة على موازنة البلاد المتهالكة.

كما تأمل العوني وفق تصريح لها لنون بوست أن تشاهد في البرلمان القادم نواب همّهم خدمة مصلحة التونسيين لا التركيز على التنقّل من حزب إلى أخر في إطار السياحة الحزبية كما هو حال العشرات من نواب البرلمان الحالي.

يتنافس في هذه الانتخابات أكثر من 15 ألف مرشح، موزعين على 1503 قائمة، من بينها 673 قائمة حزبية و312 قائمة ائتلافية و518 قائمة مستقلة

تؤكّد مريم ضرورة خلق استقرار سياسي بالبلاد بدايته تحالفات صلبة وإستراتيجية تمتد لخمسة سنوات دون أن تهترأ وتصبح هشة، وفيه كتل حاكمة متجانسة قادرة على إسناد السلطة التنفيذية و الرئاسية، وكتل معارضة مسؤولة قادرة على مراقبة الأداء الحكومي وعلى تعديل المسار التشريعي والتنفيذي.

يذكر أن "السياحة الحزبية"، أي أن يتجول النائب بين الكتل النيابية غير عابئ بإرادة الناخب الذي لم يصوت لشخصه بل لقائمة حزبية تخص حزبا بعينه، سلوك جديد بدأه حزب نداء تونس سنة 2012 إبان تشكيله، غير أنه اكتوى بناره عقب انتخاب 2014.

الموازنة بين العمل في البرلمان والجهات

تشدّد محدّثتنا على ضرورة موازنة النائب القادم بين عمله في البرلمان وعمله في الجهة التي انتخبته، فمردودية النواب في الجهات ضعيفة، ولازم على الجدد أن يوازنوا بين عملهم على مستوى وطني على غرار مناقشة مشاريع القوانين والعمل في اللجان وبين عملهم في الجهات لأن تونس تراهن على التقدم والتطور على مستوى الحكم المحلي، وفق قولها.

ينص الفصل 131 ضمن الباب السابع من الدستور التونسي على أن "السلطة المحلية تقوم على أساس اللامركزية التي تتجسد في جماعات محلية تتكون من بلديات وجهات وأقاليم، يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية وفق تقسيم يضبطه القانون".

وتتمتع الجماعات المحلية استنادًا إلى الفصل 132 من الدستور بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية وتدير المصالح المحلية وفقًا لمبدأ التدبير الحر، وتمكن للجماعات المحلية، في إطار الميزانية المصادق عليها، حرية التصرف في مواردها بحسب قواعد الحوكمة الرشيدة وتحت رقابة القضاء المالي.

القطع مع منظومة الفساد

من جهته يأمل أمين مصدق في أن تفرز هذه الانتخابات نوابا يقطعون مع "المافيا" و"اللوبيات" المتنفذة في الدولة، والتي أنهكت البلاد وسرقت ثرواته، نوابا ينتمون إلى أحزاب سياسية ذات تاريخ نضالي تسعى إلى تحقيق الديمقراطية من خلال ضمان الحقوق والحريات وتعمل على تنمية اقتصادية شاملة.

هذا الأمر يكون، وفق مصدق، إلا من خلال "القطع مع مع الأحزاب السياسية ذات الروافد النقابية واليسارية والتجمعية التي تعمل على تدعيم الصورة القاتمة وتعيش وتقوى بالفساد والتهرب الضريبي، وتأميم ما أمكن من الثروات الطبيعية والعمل على دعم الواقع الاجتماعي عبر تدعيم مفهوم الدولة الحامية للمواطن في جميع احتياجاته الاجتماعية."

يأمل التونسيين في التصدي للفساد

يختم أمين بقوله، "نحن اليوم أمام تحدي حقيقي ومعركة فاصلة بين بلوغ دولة القانون والمؤسسات من جهة والرجوع إلى دولة العنف والمافيا من جهة أخرى، وهو ما يتطلّب حسن الاختيار غدًا، وضرورة التصويت للأحزاب ذات البرامج التي تخدم مصلحة تونس".

يتنافس في هذه الانتخابات أكثر من 15 ألف مرشح، موزعين على 1503 قائمة (1340 قائمة في الداخل و163 في الخارج)، من بينها 673 قائمة حزبية و312 قائمة ائتلافية و518 قائمة مستقلة، موزعة على 33 دائرة انتخابية، منها 27 داخل الأراضي التونسية وست دوائر للجاليات التونسية بالخارج. وسيختار الناخبون مرشحيهم لشغل 217 مقعدا بالبرلمان التونسي.

دعم اقتصاد البلاد

منتصر الطرابلسي، أحد الشباب التونسيين الذين قرّروا التوجه غدا لاختيار نوابه في البرلمان القادم، ويأمل منتصر أن يركّز هذا البرلمان على الجانب الاقتصادي والتنموي بعد أن عمل في السنوات الماضية على إنجاح المسار الانتقالي وتعزيز الديمقراطية في البلاد.

ويرى الطرابلسي، "ضرورة فتح أسواق شغل لشباب أكد بعد الانتخابات الرئاسية أنه حاضر الوطن ليس مستقبله فقط، شباب أكد أنه قادر على التغيير وصناعة الفارق وصناعة رأي عام خاص به يمثل مشاغله وإنتظاراته".

وبلغت نسبة البطالة في تونس خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية 15.3%، ويبلغ عدد العاطلين عن العمل في البلاد وفق المسح الوطني حول السكان والتشغيل للثلاثي الأول من سنة 2019 الذي ينجزه المعهد الوطني للإحصاء، 637.7 ألف عاطل عن العمل.

وفقا لتصور عديد الشباب لا فائدة من الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية، ما دامت الأحزاب السياسية لا تفي بتعهداتها الانتخابية، ولا تطبّق الوعود التي قدّمتها خلال حملاتها الانتخابية

يأمل هذا الشاب التونسي من برلمان بلاده التركيز على سنّ تشريعات جديدة أساسها مشاغل المجتمع واستحقاقاته وخاصة مراجعة قوانين الاستثمار لفتح أسواق اقتصادية جديدة، تخرج الشباب من بطالتهم وتساهم في تنمية الجهات المهمشة والفقيرة.

وتؤكّد نادية البراني أن من واجب البرلمان التونسي القادم  أن  يقدم حلولًا فيما يخص الوضعية الاقتصادية للبلاد، وتقديم حلول  عملية  حول عجز الميزان التجاري المتفاقم، وخاصة أعمال  لجنة المالية، فدور النائب هو الإلمام الشامل بوضعية البلاد الاقتصادية وطرح أفكار  ومقترحات عملية  للخروج من أزمة التفاوت الجهوي.

لا أمال ترجى من البرلمان القادم

في مقابل ذلك، لا تحمل أمنة اليفرني أي انتظارات من البرلمان القادم، حيث تقول، كشابة مهتمة بالشأن العام والسياسي في البلاد لا أملك أي انتظارات من البرلمان القادم، ذلك أن الانتخابات ستفرز نواب مشتتين ينتمون إلى أطياف عديدة، سنترحم كثيرا على البرلمان الحالي رغم كل العيوب التي فيه فالقادم سيكون أتعس.

وتضيف اليفرني في تصريح لنون بوست، "على الأقل كانت هناك مشاريع قوانين تمرّ وهناك حكومة قائمة الذاتي لها سند برلماني، أما البرلمان القادم فلن يكون فيه شيء، فأكبر كتلة لن يتجاوز عدد نوابها 40 الحكومة تستحق 109 صوت لدعمها، وفي ظل عدم وجود محكمة دستورية تفصل في القرارات الحاسمة سنجد أنفسنا أمام سيناريوهات مخيفة وغامضة"، وفق قولها.

ووفقا لعمليات سبر الآراء، فإن انتخابات الغد في تونس ستفرز برلمان متنوع الكتل وبتمثيل صغير، وذلك لارتفاع عدد اللوائح المستقلة التي تدخل بقوة غمار السباق بنسبة تقدر بثلث مجموع اللوائح المرشحة، وتوجه الناخب التونسي للتصويت العقابي تعبيرًا عن رفضه لسياسات الحكم الحالية.

لا يرى عديد التونسيين فائدة في الانتخاب

هذه التركيبة المنتظرة التي ستكون عبارة عن فسيفساء، ستجعل من الصعب تشكيل حكومة جديدة في تونس، ذلك أنه لن تحصل أي مجموعة أو حزب سياسي على أغلبية واضحة في البرلمان، وحتى التحالفات لن تكون سهلة، وهو ما يضع تونس أمام سيناريوهات غامضة في الفترة القادمة.

مليكة محيمدي، توجّهت في الخامس عشر من الشهر الماضي وشاركت في الانتخابات الرئاسية واختارت مرشحها عن قناعها، إلا أنها لن تذهب غدا للتصويت، ذلك أنها غير مقتنعة بأي قائمة مرشحة عن منطقتها، فكلهم يتكلمون دون فعل وفق قولها.

وتؤكّد محيمدي أن غالبية المرشحين لهذه الانتخابات لم يسبق لها أن رأتهم ولا تعلم عنهم شيء، فقد ظهروا على الساحة فجأة تزامنا مع الانتخابات، كما سيختفون فجأة بعد انتهاء الانتخابات، فوجودهم مرتبطة بمصلحتهم لا مصلحة البلاد وفق قولها.

يشارك عديد الشبان مليكة وأمنة التوجه، فالكثير منهم غير مقتنع إلى الآن بجدوى التصويت، فوفق تصورهم لا فائدة من الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية، ما دامت الأحزاب السياسية لا تفي بتعهداتها الانتخابية، ولا تطبّق الوعود التي قدّمتها خلال حملاتها الانتخابية.