"يجب أن تفهم طبيعة عملك جيدًا، فهذه الأشياء التي نقوم على فحصها أشد خطورة من المخدرات والأسلحة والحب، إنها كتب!"

ماذا لو استيقظنا في أحد الأيام القريبة ووجدنا أن الكثير من الأمور قد تغيرت عن سابق عهدنا بها، شكل البيوت أضحى أكثر كآبة وضيقًا بلا نوافذ، الإنترنت ممنوع والكهرباء لا تستخدم إلا في أضيق الحدود، ماذا لو مُنعت الهواتف نهائيًا واقتصر استخدامها على رجال الأمن الوطني.. وأخيرًا ماذا لو فرضت الحكومة رقابة صارمة على الكتب حتى تجعل حياة مواطنيها خالية تمامًا من المعنى ولم تسمح إلا بتداول الكتب التي لا تقول شيئًا على الإطلاق، مجرد كلمات جوفاء وصمّاء؟

عن تلك الحياة المتخيّلة تدور أحداث رواية "حارس سطح العالم" للكاتبة الكويتية بثينة العيسى التي صدرت حديثًا عن الدار العربية للعلوم "ناشرون" بالتعاون مع منشورات تكوين.

رقيب الكتب: حارس سطح اللغة من المعنى

"يجب أن نبقى دائمًا على سطح اللغة.. إياك والتورط في المعنى.. هل تعرف ما الذي يحل بأولئك الذين يسقطون في المعنى؟ تصيبهم لوثة أبدية ولا يعودون صالحين للعيش، أنت حارس السطح، مستقبل البشرية يتوقف عليك".

تحكي الرواية قصة رقيب الكتب الذي يعمل في هيئة الرقابة الحكومية داخل مبنى رمادي قاتم تجاوره حديقة عشب مليئة بالأرانب البيضاء وترتكز وظيفة الرقيب على منع تداول الكتب التي تحتوي على الأفكار والمعاني

أحداث هذه القصة تدور في زمن ما في المستقبل، في مكان لا يحدث ذكره أي فرق لأنه يشبه كل مكان آخر، فبعد أن سقطت الديمقراطية ومُنع الإنترنت والتكنولوجيا قررت الدولة أن الكثير من الدماء أُريقت بسبب الحريات والأحلام التي تغذيها قراءة الكتب، وعليه فقد قرر النظام السياسي تخليص المواطنين من أحلامهم وخيالاتهم وفوائض مشاعرهم وإبقائهم على حافة الواقعية الإيجابية بتفريغهم من جميع الممكنات الوجودية والرغبات غير المنطقية.

تحكي الرواية قصة رقيب الكتب الذي يعمل في هيئة الرقابة الحكومية داخل مبنى رمادي قاتم تجاوره حديقة عشب مليئة بالأرانب البيضاء وترتكز وظيفة الرقيب على منع تداول الكتب التي تحتوي على الأفكار والمعاني وإجازة الكتب التي تطفو فقط على سطح اللغة دون التعمق فيها وسبر أغوارها، ومن الكتب التي كانت تسمح الدولة بتداولها هي تلك التي تتحدث عن النجاح والمال والحب والسعادة، تلك الكتب التي تقدم لك توليفة جاهزة وسطحية لتطبقها في حياتك دون تفكير، لأن الفكر وظيفة تحتكرها الدولة.

فبعد الثورة على الديمقراطية قدم الشعب تفويضًا للسلطة السياسية لتفكر في سعادته عوضًا عنه، فقررت هي بدورها أن ترسم له خط حياته الذي لا يمكنه الحيد عنه أبدًا، فبداية يجب على جميع المواطنين ارتداء نفس الملابس، الألوان الزاهية ممنوعة لأنها من بقايا خيالات العالم القديم، التميز ممنوع يجب أن يشبه جميع المواطنين بعضهم البعض ويجب أن يعيشوا حياة عادية محصنة بشدة ضد المعنى.

وعليه كان رقيب الكتب يذهب كل يوم إلى عمله، يفحص الروايات ويقرؤها سطرًا سطرًا لكي يتأكد أنها تحتوى على الخيال. في البداية تلقى تدريبًا شاقًا كي يتعرف على محظورات الحكومة: كل كتب الفلسفة وعلم الاجتماع والتأويل والسياسة ممنوعة، جميع الكتب المقدسة ممنوعة، كل الكتب التي تتضمن كلمات مثل: ديمقراطية وبرلمان وإنترنت وتويتر وفيسبوك وتداول سلمي للسلطة وصندوق انتخاب وتصويت وكمبيوتر، ممنوعة.

ويمكن القول إن هذه الرواية تنتمي إلى أدب المدينة الفاسدة أو الديستوبيا، وهو الأدب الذي تدور أحداثه في مجتمع خيالي يكون الناس فيه مرعوبين وغير سعداء ولا تتم معاملتهم بطريقة إنسانية أو عادلة، وفي الغالب تدور أحداث روايات أدب المدينة الفاسدة في المستقبل، إذ تسعى الحكومات دائمًا إلى قمع معارضيها في أجواء سياسية واجتماعية وثقافية كابوسية وغير محتملة.

ابنة رقيب الكتب: الطفلة التي تمردت على النظام السياسي

يقول بورخيس: "أنشئ مكتبة ولو من ثلاثة كتب وستقاوم جزءًا من قبح هذا العالم، كل مكتبة هي صفعة في وجه العالم الجاهل".

كان لرقيب الكتب ابنة في الخامسة من عمرها، ورغم صغر سنها، كانت ترفض الانصياع لأوامر السلطة، فلطالما أحبت الحكايات وكان لها أصدقاء خياليون، كانت ترتدي دومًا فستانًا ورديًا وتضع غبار الجنيات لتضفي على مظهرها طابعًا سحريًا، وذلك وسط ذهول والدها الذي كان يتساءل عن مصدر تلك القصص التي تملأ رأس طفلته، فهو لم يكن يحكي لها الحكايات لأنها ممنوعة من السلطة السياسية، وإذا أحست الروضة أن الطفلة تخضع لخيالات العالم القديم فسوف يتم إيداعها دار إعادة تأهيل حتى تشفى من مرض المخيلة.

وفي أحد الأيام ترفض الطفلة الذهاب إلى الروضة في عيد الثورة ليصطحبها والدها معه إلى العمل في هيئة الرقابة وهناك تتعرف على سكرتير رئيس القسم الذي يقرأ سرًا دون معرفة السلطات، وفي غرفة الأرشيف تجد الصغيرة ضالتها وتقرأ الكثير من القصص التي كانت تعرفها جميعًا ومحفورة داخل ذاكرتها وذلك قبل أن تكتشف السلطات مرضها وتحيلها لدار إعادة التأهيل في نهاية الأمر.

إليس في بلاد العجائب ورواية 1984: كيف تقاوم الكتب الظلم الواقع عليها؟

أثناء عمله في رقابة الكتب تعرف الرقيب على سكرتير رئيس القسم الذي كان يعمل في الخفاء على إنقاذ الكتب من المحرقة السنوية التي كانت الدولة تقوم بها في عيد الثورة، في البداية طلب منه السكرتير أن يقوم بمراجعة كتاب زوربا ولكن وقع المحظور وتحول الرقيب إلى قارئ، تورط في المعنى ولم تعد اللغة مجرد سطح إذ اكتشف أن لها قيعانًا سريةً حيث أحب شخصية زوربا بشدة وتمنى لو لم ينته من قراءته.

مع الصفحات الأخيرة من الرواية ندرك في النهاية أن كل شخصية كانت انعكاسًا لشخصية روائية في الأساس

ولكنه علم في نهاية الأمر أن الكتاب سيحرق وذهب إلى السكرتير لكي يرجوه أن يحتفظ بالنسخة وهنا يحدث منعطفًا مهمًا في سير الأحداث، إذ يتحول الرقيب إلى حارس للكتب ويطلب منه السكرتير في البداية أن يقرأ رواية 1984 وحين يسأله الرقيب لماذا هذه الرواية تحديدًا يأتيه الرد لأنها الرواية التي تحكي قصتنا، وبعد إنقاذ آلاف الكتب تخور عزيمة الرقيب في النهاية بعد القبض على طفلته الصغيرة ليدرك حينها تمامًا ما تفعله بهم النظم السياسية، إنها تشبع الروح بالهزيمة وتنخرها من الداخل لتخترق كل قدرة لها على المقاومة، وما حدث للرقيب هو انهزام كبير للروح، ومع تراجع قدرته وقدرة جميع المواطنين على المقاومة بقيت للكتب مهمة حراسة الذاكرة ولهذا خرجت الشخصيات الروائية من بين الصفحات لتدافع عن حقها في الحياة.

ومع الصفحات الأخيرة من الرواية ندرك في النهاية أن كل شخصية كانت انعكاسًا لشخصية روائية في الأساس: ابنة الرقيب كانت أليس ولذلك كانت تتبع دومًا الأرنب الأبيض الذي كان يسير في أروقة الهيئة، ابنة الرقيب كانت فضولية وكانت تحفظ جميع الحكايات عن ظهر قلب دون أن يرويها لها أحد، سكرتير القسم كان جيبيتو النجار الماهر الذي صنع دمية بينوكيو، أما الرقيب فقد تحول في النهاية إلى زوربا.

ما كانت تود بثينة قوله إن هناك خطًا وهميًا بين المخيلة والواقع، ومصادرة الحكايات يحدث اختلالات مروعة في توازنات العالم وحين تتم مصادرة الكتب يصبح المكان مظلمًا بشكل موحش، لأن الحكايات يجب أن تستمر ولا أحد يمكنه منعها، فمنذ ملايين السنين وحتى اليوم نحن امتداد لحكايات الأمس، لا توجد نهاية للحكايات ولكنها تستمر في توليد الأحداث ما دامت تُقرأ، كلنا في هذا العالم إما حكايات تمت كتباتها أو قصص لم ترو بعد.

 ورغم أن حبكة الرواية ليست جديدة، إذ إن تخيل عالم يسيطر فيه النظام السياسي على مقاليد الحكم بتلك القوة سبق وتناولته رواية 1984، كما أن حكاية الأرانب ذُكرت في قصة أليس في بلاد العجائب، فإن بثينة أضافت بعدًا غرائبيًا لروايتها، فبعد مرور الكثير من السنوات وفي عالم قاتم لا توجد فيه كتب حقيقية خرج أبطال تلك الحكايات وآخرون لينقذوا العالم من غياب الخيال ولتستمر حكاياتهم: كان بعض هؤلاء الأبطال يعلم برسالته مثل جيبيتو وبعضهم لم يعلم إلا في النهاية مثل الرقيب الذي تحول لزوربا.