لاجئو الروهينغا في مخيم كوتوبالونج، بنغلاديش، تشرين الأول /نوفمبر سنة 2017.

لاجئو الروهينغا في مخيم كوتوبالونج، بنغلاديش، تشرين الأول /نوفمبر سنة 2017.

ترجمة وتحرير: نون بوست

خلال إحدى الأفلام الوثائقية الذي عرض شهادات وريبوتاجات ميدانية، عاد غوينلاوين لو غويل إلى توثيق مراحل عملية التطهير التي يعاني منها مسلمو بورما الغربية. وسجلت سنة 2012 تاريخ بداية تحرر وانطلاق المذبحة في بورما، التي تزامنت مع الانتقال الذي قاده الجنرالات في العام السابق (2011)، حيث شرعت البلاد في اتخاذ سلسلة من الإصلاحات الحقيقية والانفتاح غير المشروط. وفي الوقت ذاته، انتشرت نيران الحرب الدينية والطائفية أولا في وسط البلاد، قبل أن تصل إلى غربها.

بعد ذلك، نشبت أولى المذابح المعادية للمسلمين، التي لم يتوقع أحد أنها ستؤدي إلى عملية إبادة جماعية للروهينغا خلال شهر آب/ أغسطس سنة 2017. ومنذ ذلك الحين، أُجبر حوالي 700 ألف شخص في ولاية راخين، الواقعة غربيَ البلاد، إلى النزوح نحو بنغلاديش المجاورة قبل أن يتكدسوا في أحد أكبر مخيمات اللاجئين. علاوة على ذلك، تعرض آلاف الأشخاص إلى القتل والاغتصاب والضرب بعد أن فقدوا الأرض والمنازل والأقارب.

من جهته، عاد المختص في صناعة الأفلام الوثائقية، غوينلاوين لو غويل، بنا إلى هذه الجريمة الجماعية عبر ريبورتاج صوَره من المكان الذي جدت فيه. ويعتبر فيلمه الوثائقي، الذي نشر على قناة "أرتيو"، بمثابة تذكير زمني يوثق خمس سنوات من العنف وإعادة جمع وتوثيق ممارسات مؤسسة إجرامية واسعة تجاه الروهينغا، الذين أضحوا منبوذين في جنوب شرق آسيا. ويوثق لو غويل في ريبورتاجه ما تعرض له الروهينغا من تعمد ارتكاب الجريمة إلى إنكار الجريمة.

"غرقة تطهير"

كان لغوينلاوين لو غويل وجهة نظر، حيث واصل في شق طريقه للحديث مع الناجين والناشطين في العمل الإنساني والأكاديميين والمسؤولين السياسيين ورجال الدين. ومن جهته، ذكر زيد رعد الحسين، المفوض السامي لحقوق الإنسان، خلال شهر أيلول/ سبتمبر سنة 2017، أن هذه المجزرة تجعل من بورما "غرفة للتطهير العرقي".

تمثل ما يتميز به لو غويل في نيته تجسيد هذه الآليات في صورة تقاطع الآراء وتوسيع رؤى من أكثر من زاوية - بما في ذلك مشاهد الجريمة- عبر العودة إلى مصادر "عملية الإبادة الجماعية"

في السياق ذاته، يرتكز فيلم "آليات الجريمة" على إعادة جمع الحقائق وتوثيق أكبر مراحل هذه المجزرة الهائلة، وتحديد المسؤولين عنها، مع تقصَي مواقع ورموز حملة التطهير لإظهار أن إحدى المؤسسات الإجرامية المشتركة المخططة الخاضعة للإشراف، قد ارتكبت جريمة ضد الإنسانية في بورما. وسبق أن توصلت الأمم المتحدة ومنظمات غير حقوقية ودبلوماسيون إلى هذه النتائج.

في المقابل، يتمثل ما يتميز به لو غويل في نيته تجسيد هذه الآليات في صورة تقاطع الآراء وتوسيع رؤى من أكثر من زاوية - بما في ذلك مشاهد الجريمة- عبر العودة إلى مصادر "عملية الإبادة الجماعية". وتحاور لو غويل مع دبلوماسيين وخبراء وممثلين عن السلطات في بورما حول المجزرة التي جدت في ولاية راخين، بالإضافة إلى محامين ومؤرخين ومسؤولين سياسيين.

"غضب شديد"

وجد لو غويل ناجين من مجزرة "تولا تولي"، وهي بلدة أزيحت من الخارطة على يد قوات الأمن البورمية يوم 30 آب /أغسطس سنة 2017. وبعد الهجمات التي شنها جيش إنقاذ روهينغا أراكان، وهو عبارة عن فيلق ضعيف لا يملك أزياء رسمية وتنقصه التجهيزات، مستهدفا مراكز حدودية يوم 25 آب /أغسطس سنة 2017، ثار غضب القوات الأمنية البورمية قبل استهداف المدنيين العزل، وإعدام أطفالا عبر منجل ماشيتي أو عبر إلقائهم أحياء في النار، بالإضافة إلى إعدام الرجال واغتصاب النساء وحرق المنازل.

نوه ماثيو سميث، مدير منظمة "فورتيفي رايت" غير الحكومية، التي تنشط في الدفاع عن حقوق الإنسان في جنوبيَ شرقيَ آسيا منذ 15 عامًا، بأن "حوالي 11 ألف جندي و27 كتيبة عسكرية شاركوا في هذا "التطهير".

منذ نهاية صيف سنة 2017، شهدت حوالي 500 بلدة مثل هذه "العمليات"، حيث زار لو غويل بلدة "إين دين"، وهي مسرح جريمة آخر شهد إعدام عشرة أشخاص بدم بارد، وذلك وفقا لما كشفه تحقيق لوكالة رويترز عن صحفيين زارا أحد السجون. وخلال كل عملية لم يتغير شيء، حيث ظلت الإجراءات والدمار والفصل بين النساء والرجال وعمليات الاغتصاب الممنهج نفسها.

من جانبه، نوه ماثيو سميث، مدير منظمة "فورتيفي رايت" غير الحكومية، التي تنشط في الدفاع عن حقوق الإنسان في جنوبيَ شرقيَ آسيا منذ 15 عامًا، بأن "حوالي 11 ألف جندي و27 كتيبة عسكرية شاركوا في هذا "التطهير". ومن جانبه، يؤكد سميث أنه ليس هناك شك من تسجيل "عمليات إبادة جماعية وقع التخطيط لها مسبقا، ما يعني أنه ليس العسكريين فحسب، المتورطين".

"تدربوا على القتل"

لقد جُنَد المدنيون الذين "تلقوا تدريبا على القتل"، للتعامل مع "تهديد الأجانب". ولكن ما الدليل على ذلك؟ وقع نشر فيديو لضابط بورمي يدعو القرويين البوذيين إلى التسلح من أجل ضرب "الأجانب". كما يؤكد الناجون على وجود ميليشيات من القتلة، من بينهم جيرانهم، وأحيانًا مستوطنون بوذيون بنوا منازلهم على أراضي كانت تابعة للروهينغا.

في ريبورتاج سابق في بورما، التقى غلو غويل بداعية الكراهية البوذي اشين ويراثو، الذي أطلق منذ انفتاح النظام البورمي في سنة 2011 حملة في البلاد لتشويه سمعة المسلمين، متهمًا إياهم بكل الشرور، قبل أن تبدأ المجازر سنة 2012. بعد ذلك، وقع طرد الروهينغا إلى "مخيمات تجميع" الذين لازالوا قابعين فيها، وذلك وفقا لتوماس ماكمانوس المختص في السياسة المحلية لبورما، والباحث في علم الإجرام في جامعة كوين ماري في لندن.

تتراكم الأدلة حول عملية التطهير، حيث يعود الفضل في ذلك جزئيا إلى القصة التي رواها فيلم "آليات الجريمة" في انتظار ما ستحققه العدالة.

في الواقع، عاد هذا الخبير البريطاني من زيارة ميدانية في سنة 2012، حيث روى قائلا: "صدمت من المستوى الذي وصلت إليه عملية الإبادة الجماعية". فضلا عن ذلك، أجرى ماكمانوس زيارته، لتوثيق "مراحل الإبادة الجماعية"، بما في ذلك "إنكار الواقعة وإعادة صياغة أطوارها لتزوير الحقائق قبل روايتها في بورما".

"موقف الغرب"

لسائل أن يسأل، لأي سبب حدث ذلك ومن شارك فيها؟ وقع تداول أسماء جنرالات بورميين ومسؤولين سياسيين في العديد من التقارير التي نشرت منذ سنة 2017، وعلى رأسهم مستشارة الدولة، أون سان سو تشي، ما أدى إلى تلاشي صورة تشي "سيدة الديمقراطية". كما أعطى الفيلم الوثائقي الكلمة للمقررة الخاصة لحقوق الإنسان في بورما، الكورية الجنوبية يانغهي لي، التي كانت مقربة من سو تشي.

خلال آخر لقاء جمعها بها، ذكرت يانغهي لي بأنها تعرضت لتوبيخ سو تشي وصل إلى منعها من استخدام مصطلح الروهينغا، كما هددتها بسحب ترخيص دخول التراب البورمي إذا واصلت "التحدث وفقا لوجهة نظر الغرب".  وقالت يانغهي لي إنه "على الرغم من أن ولاية راخين غنية باليورانيوم والنيكل والأتربة النادرة، إلا أن الدولة تتكتم عن ذلك [...] ولاستغلال هذه الموارد، يجب أولا التخلص من هؤلاء الأشخاص (الروهينغا)".

في الحقيقة، يبدو أنه من الصعب تحسن هذه الظروف وخاصة على يد هذا النظام، كما أن المستوطنين البوذيين يواصلون احتلال أراضي الروهينغا ويمحون آثار وجودها وثقافتها، بالإضافة إلى مواصلة تطهيرها عرقيا. وعلى العموم، تتراكم الأدلة حول عملية التطهير، حيث يعود الفضل في ذلك جزئيا إلى القصة التي رواها فيلم "آليات الجريمة" في انتظار ما ستحققه العدالة.

المصدر: ليبيراسيون