أنصار زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله وهم يحملون علم الحزب في بيروت بلبنان في 25 تشرين الأول/أكتوبر سنة 2019.

ترجمة وتحرير: نون بوست

وقفت إحدى الشابات وسط ساحة رياض الصلح في بيروت لتراقب الآلاف من زملائها اللبنانيين وهم يطالبون باستقالة الحكومة، وكانت ترفع لافتة صغيرة كُتب "أنا ممولة من سفارة الهيلا هيلا هيلا هوـ ستان، فمن يمولك؟". ويُذكر أن "هيلا هيلا هو" تعد الأنشودة المستخدمة من قبل المتظاهرين.

كانت الشابة ترد على خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي اتهم بعض المجموعات من المتظاهرين بقبول تمويلات من السفارات الأجنبية في خطاب تلفزي في 25 من تشرين الأول/ أكتوبر. وفي هذا الإطار، قال نصر الله: "هناك مجموعات في الحركة الشعبية مرتبطة بالسفارات الأجنبية. وهناك أولئك الذين يبحثون عن الانتقام السياسي وتصفية الحسابات. ولديَ أسماء جميع هذه المجموعات". 

في الواقع، كانت كلمة نصر الله ثاني خطاب له منذ بداية الاحتجاجات في 17 من تشرين الأول/ أكتوبر، عبّر من خلاله على معارضته لاستقالة الرئيس والحكومة والبرلمان. من جهة أخرى، طُلب من المتظاهرين اختيار ممثليهم وقادتهم وتحديد مطالبهم والتفاوض. وأضاف نصر الله: "إذا كنتم ترغبون في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، فانتخبوا ممثليكم وتوافقوا على قانون انتخابي، ونحن سندعمكم دون قيد أو شرط".

غضب المؤيدون من إصرار بعض المتظاهرين على ضم نصر الله في هتاف يهدف إلى تسليط الضوء على فساد النخبة السياسية اللبنانية، "كلن يعني كلن، بما في ذلك نصر الله".

في المقابل، قال المحلل السياسي في بيروت رابح دندشلي إن "رفض الناس لمجموعة الإصلاحات التي عرضها رئيس الوزراء سعد الحريري وضع الكرة في ملعب الحكومة". وأضاف دندشلي أن خطاب نصر الله وضع حزب الله في خط الدفاع الأول للحكومة، موضحا: "كان للخطاب نبرة تهديد في محتواه وتزامن مع اشتباك أنصار حزب الله مع المتظاهرين وسط بيروت".

في 24 و25 من تشرين الأول/أكتوبر، اجتاح العشرات من أنصار حزب الله المظاهرات في بيروت، وبدؤوا يرددون هتافات مؤيدة لنصر الله. في المقابل، غضب المؤيدون من إصرار بعض المتظاهرين على ضم نصر الله في هتاف يهدف إلى تسليط الضوء على فساد النخبة السياسية اللبنانية، "كلن يعني كلن، نصر الله واحد منّن". أما بالنسبة لأنصار نصر الله، فيعتبرون أن الرجل ليس فاسدا، ولم يكن أبدًا جزءًا من النظام الفاسد، وبالتالي يجب عدم اتهامه.

كان أحمد، الذي طلب استخدام اسمه الأول فقط بسبب حساسية الموقف، من مؤيدي حزب الله الذي بدأ المشاركة في المظاهرات في اليوم الأول. لكنه قرر بعد خطاب نصر الله التقيد بتعليمات زعيم حزب الله بالامتناع عن الانضمام إلى الاحتجاجات. وفي هذا الإطار، أمرهم نصر الله قائلا: "اتركوا الساحات لأولئك الذين يدافعون عن معتقداتهم، ونحن نحترم جميع القناعات. وليست هناك حاجة للدفاع عن المقاومة في هذه الساحات".

في السياق نفسه، قال أحمد للمونيتور: "أنا راضٍ للغاية بالابتعاد عما يحدث هنا، وأعتقد أن نصر الله لديه معلومات أكثر بكثير مما لدي، وأنا أثق بقراراته". وعندما سُئل عما إذا كان سيتخلى عن مطالبه، أجاب أحمد: "حزب الله هو ضماننا، وبما أن السيد نصر الله وعد بأن يجعل الأمور أفضل، فنحن نثق في وعوده، خاصة وأنه لم يخذلنا أبدا. وعلى الرغم من أن هذه المظاهرات هي أشد من الحرب، فنحن نعتقد أنه سيفي بوعده".

كان هناك الكثير من المؤيدين الشيعة لنصر الله في المظاهرات. ومن جانبه، قرّر علاء الذي طلب عدم الكشف عن اسم عائلته، والقاطن في مدينة بعلبك شرقيَ لبنان التي يحظى فيها حزب الله بقاعدة شعبية قوية، مواصلة الاحتجاج على الرغم من موقف نصر الله. وفي هذا الصدد، قال علاء إنه منذ انخراطه في السياسة هذه ه المرة الأولى التي يجد نفسه في الجانب المعاكس لزعيمه وحزبه المحبوب منذ فترة طويلة.

ذهب العشرات من أنصار حزب الله قبل إلقائه لخطابه، إلى الساحات الرئيسية في بيروت وردّدوا شعارات تمدحه، مواجهين شعار "كلن يعني كلن"

كما أورد علاء متحدثا عن نصر الله قائلا: "تختلف أولوياته هنا عن أولوياتنا، نحن نريد تغيير النظام والحصول على حياة أفضل. وباختصار، نريد حياة جديدة، بينما تقتصر أولويات حزب الله على الحفاظ على النظام، وعلى علاقة جيدة مع الحلفاء". وتابع علاء قائلا: "لأول مرة على الإطلاق، نشهد تحولا واضحا في وجهة النظر، حيث لن يسفر ذلك عن نتائج ترضي الحزب وزعيمه؛ الأسوأ من ذلك هو إثارة نصر الله للشكوك حول الحركة برمتها على الرغم من معرفته التامة بأنها ليست الحالة بالنسبة للجميع، ولكن كان الأمر كما لو أنه يرد على شعار "كلن يعني كلن" بالتلميح من جانبه إلى الشيء نفسه عن المتظاهرين دون ذكر ذلك بوضوح".

ذهب العشرات من أنصار "حزب الله" قبل إلقائه لخطابه، إلى الساحات الرئيسية في بيروت وردّدوا شعارات تمدحه، مواجهين شعار "كلن يعني كلن". وفي الواقع، نشبت بعض الاشتباكات بين مؤيدي "حزب الله" ومتظاهرين آخرين، مما دفع قوات الأمن للتدخل. وكانت هذه هي نقطة التحوّل بالنسبة للعديد من اللبنانيين الذين ساندوا نصر الله، حيث دفع صراع الأولويات بين قاعدته الشعبية وبقية المحتجين اللبنانيين الشعب إلى الاحتجاج في الشوارع رداً على ذلك.

فضلا عن ذلك، وضح دندشلي مشيرا إلى أن الجزء الأكثر استفزازا من خطاب نصر الله، كان عندما أثار زعيم حزب الله الشكوك حول الاحتجاجات: "ادعى نصر الله أنه يمتلك معلومات سرية حول ما أسماه الدعم المشبوه للمتظاهرين. وإذا كان ذلك صحيحًا، كان من الأفضل تسمية أسماء المشتبه بهم، وبالتالي سيعزلهم الناس ويطردونهم خارج الاحتجاجات. وإنه لأمر مخز أن يهين الناس بادعائه أنهم يتقاضون أموالا للنزول إلى الشوارع والمطالبة بحقوقهم الأساسية".

أخبر المحلل السياسي، حسام مطر، موقع المونيتور قائلا: "يتحمل قلة من الناس مسؤولية الاحتجاجات ويديرون جدول أعمالها. ولا يعد ذلك بالضرورة مؤامرة، لكن يرفض هؤلاء الناس فكرة تنظيم صفوفهم وإعلان قيادة واضحة، إذ أنهم يخشون أن يؤثر ذلك على وحدتهم". وأضاف مطر متحدثا عن هؤلاء الزعماء: "يمتلك أحدهم قناة تلفزية، ويقود آخر حزبًا صغيرًا، وكل من يتمتع بالقوة الكافية ويسيطر على حزب قوي قادر على امتلاك خطة. لذلك، يُعتبر أصحاب الموارد الغنية أكثر قدرة على إدارة الظاهرة بأكملها".

في شأن ذي صلة، أدى موقف نصر الله إلى تقسيم الطائفة الشيعية بسبب الاحتجاجات، لكنه تعهد كذلك بمتابعة تنفيذ الإصلاحات التي أقرها الحريري. وعموما، يواجه زعيم حزب الله وحزبه اختبارًا صعبًا للغاية والذي يتمثل في الوفاء بوعدهم حول مواجهة الفساد والتأكد من الوفاء بجميع الوعود. وبعبارة أخرى، قد يضطر حزب الله إلى مواجهة بعض حلفائه وتقديم سبيل للتغيير للشعب أو تجاهل الفكرة بأكملها وفقدان الكثير من الأشخاص الذين لطالما وثقوا في الجماعة.

المصدر: المونيتور