يعيش الآلاف من الطائفة الإيزيدية في شمال العراق، ظروفًا شديدة القسوة، حيث يجابهون مع أطفالهم ونسائهم خطر القتل على أيدي قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو الموت عطشًا وجوعًا.

يهربون من كهف إلى آخر، بحثًا عن الأمن، ويتسلقون الجبال ويستظلون بالأشجار، وكثيرًا ما ينجحون بالهرب من القتل، ولكن بعضهم يستسلم للموت من عدو آخر، هو الجوع.

الولايات المتحدة بدأت محاولات إنقاذهم عبر قصف قوات داعش التي تحاصرهم، وعبر إلقاء أطنان المساعدات الغذائية والإنسانية حيث يهربون في الجبال.

لكن من هم الأيزيديون، ولماذا يطاردهم المتطرفون من داعش؟

السبب وراء الهجوم الذي يتعرّض له الأيزيديون اليوم على يد "داعش" وفي السابق على يد الجهاديين، هو ديانتهم الفريدة من نوعها؛ فهي مزيج من ديانات عدة مثل اليهودية والمسيحية والإسلام والمانوية والصابئة وتختلف معتقداتهم ورموزهم الدينية عن الديانات السماوية الثلاث، فهم يعتبرون الله ربهم ولكنهم يؤمنون بأن الملك على الأرض هو الطاووس الذي يعتقدون بأنه يحكم الأرض بمعية سبعة ملائكة خاضعة للرب الأعلى، ولديهم طقوس خاصة بهم ويشتهرون بصناعة الكحول والحلويات المنزلية، وبسبب معتقداتهم غير المألوفة، غالبًا ما يشار إليهم على أنهم "عبدة الشيطان."

لكن هناك العديد من النظريات في أصل الأيزيديين:

إحدى النظريات تقول إن الديانة الأيزيدية ماهي إلا فرقة إسلامية منشقة أو ضالة يعود تاريخها إلى أواخر القرن السابع الميلادي، وتنسبها إلى "يزيد بن معاوية" ثاني خلفاء الدولة الأموية، ولدعم نظريتهم هذا فقد ذهب أولئك الكتاب مذاهب شتى؛ فمن قال إن اعتقاد الأيزيدية بـ "يزيد" ليتخلصوا من اضطهاد السنّة الذين لا يجلون الإمام الحسين بن علي ولرغبتهم في الانتساب إلى شخصية شريفة وممتازة.

إن هذه النظرية لم تلق التأييد حتى من الكتاب المسلمين حيث لا يوجد دليل تاريخي أن "يزيد بن معاوية" أسس خلال الثلاث سنوات ونصف من حكمه ديانة جديدة.

أما النظرية الثانية فتشير الى أن الديانة الأيزيدية واحدة من تلك الديانات القديمة المستقلة عن بقية الديانات، وربما المنحدرة منها والمتداخلة مع العديد منها، والمستمدة منها بعض الطقوس والعادات أو حتى الأساطير والحكايات القديمة، وتشير بعض المصادر المتوفرة أن الموطن الأصلي للديانة الأيزيدية يبدأ بمدينة "يزد" القريبة من خراسان شرق إيران القريبة من الحدود الأفغانية، ويمتد عبر كردستان الجنوبية (كردستان العراق حاليًا) والغربية (كردستان تركيا) والموصل في شمال العراق حتى حلب في الشام( سوريا). وحسب هذه النظرية فإن اسم "اليزيدية أو الأيزيدية" مشتقة من مدينة "يزد Yazd" بإيران، وكان الأيزيديون الحاليون في الأصل زردشتيون يعتقدون بالثنوية Dualism وقد هاجر بعض هؤلاء من يزد إلى نواحي الموصل هربًا من الضرائب الكثيرة واتخذوا من مناطق حلب، سنجار، الشيخان وبحيرة وان والقفقاس مواطن جديدة وأُطلق عليهم اسم منطقتهم التي رحلوا منها فسموا يزيديون أو يزديون.

لكن خلافًا لهذا الطرح يتفق أغلبية الكتاب والباحثين على أن تسمية الأيزيدية مشتقة من الكلمة إيزد Ized بمعنى (الملك الإله) ويزاتا Yazata في الآفيستا= يستحق العبادة، ويزد Yazd باللغة البهلوية وياجاتا Yajata في السنسكريتية، وبذلك يكون معنى (أزيدي Azidi وإيزيدي Izidi وإزيدي Izedi أو Izdi عباد الله، ونجد اسم يزيد في أسطورة لملك إيزدا Ezda ويزدان Yazdan جد من أجداد اليزيدية، كما أن يزداني Yazdani قد أطلقت على اليزيديين الأولين.

أما النظرية الثالثة فمفادها أنه كون الديانة الأيزيدية من بين الديانات القديمة في منطقة وادي الرافدين والهلال الخصيب، تطرح فرضية وجود قرائن وعلاقات متعددة الجوانب بين الديانات العراقية القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية من جهة، وبين الديانة الأيزيدية من جهة أخرى، ويمكن حصر جوانب الصلة بين الأيزيدية والديانات المذكورة أعلاه في نقاط مثل: بعض الطقوس والاحتفالات والأعياد وخاصة عيد رأس السنة الذي يصادف يوم الأربعاء الأول من شهر أبريل، وتحريم الزواج وكذلك العمل وغسل الملابس والجسم وحلاقة الرأس وحرث الأرض يوم الأربعاء، وتحريم الزواج في شهر نيسان عند الأيزيديين كما كان الحال لدى البابليين،باعتباره شهر زواج الأنبياء والأولياء وشهر زواج الآلهة والملوك عند البابليين وقبلهم عند السومريين.

وهناك نظريات أخرى كذلك.

غالبية معتنقي هذه الديانة ينتمون إلى الشعب الكردي وجذوره الممتدة في أحشاء التاريخ ومنطقة الشرق، حيث يخبرنا الكاتب والباحث الأيزيدي "درويش حسو" أن أصل الأيزيديين يرجع إلى النبي زرادشت، كانوا يسكنون في منطقة اسمها (اليزد) وهي اسم لمنطقة في إيران انتشرت فيها الديانة الزرادشتية وقبل هذا كان اعتقاد الشعوب الآرية في المنطقة بالإله الواحد وهم يسمون أنفسهم بالازداهيين، أي شعب الله وأتباعه المباشرين ومنذ ذلك الوقت يسمون بالعقيدة اليزدانية (الأزداهية).

وكما هو الحال مع ديانات الأقليات الأخرى في المنطقة، كالدروز والعلويين، لا يعتنق ديانة الأيزيدية إلا من ولد بها، ولا يمكن اعتناقها دون ذلك.

لذا فإن اسم الأيزيديين ببساطة يعني "عبدة الرب"، وهو ما يعمد الإيزيديون من خلاله إلى وصف أنفسهم.

أما الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم فهو "الدواسين"، وهو اشتقاق من اسم "ديوسيس" - أو أبرشية - المأخوذ من المعتقد النسطوري الكنسي القديم في الشرق، حيث استنبط الكثير من معتقداتهم من الديانة المسيحية، كما أنهم يوقرون القرآن والإنجيل معًا، بيد أن جزءًا كبيرًا من تراثهم يعتبر شفهيًا.

ويقوم البير، وهو مسمى يطلق على إحدى طبقات رجال الدين عند الإيزيديين، بتعميد الأطفال بمياه مباركة، كما أنه وفي مراسم الزواج يقسم رغيف خبز إلى نصفين يعطي أحدهما للعروس والآخر للعريس، وترتدي العروس فستانًا أحمر وتزور الكنائس المسيحية.

وفي شهر ديسمبر، يصوم الأيزيديون لثلاثة أيام قبل أن يشربوا الخمر مع البير، وفي الفترة ما بين الخامس عشر والعشرين من سبتمبر، يحج الأيزيديون إلى ضريح الشيخ عدي في لالش شمال مدينة الموصل، حيث يؤدون هناك بعض طقوس الاغتسال في النهر، وتقديم القرابين من الحيوانات، وعمليات الختان.

ويعرف إلههم الأعظم باسم "ئيزدان"، ويحظى بمكانة عالية لديهم بحيث لا يمكن عبادته بشكل مباشر، ويعتبرونه صاحب قوة كامنة، فمع أنه هو خالق الكون إلا أنه ليس حارسه.

وهناك سبعة أرواح أخرى تنبثق عن هذا الإله، أعظمها هو الملك طاووس، المنفذ الفاعل للمشيئة المقدسة، وكان الطاووس في المسيحية القديمة يرمز إلى الخلود، لأن لحمه لا يفسد، ويعتبر الملك طاووس عند الأيزيديين تجسيدًا لذات الإله ولا ينفصل عنه، لذا فإن هذه الديانة تعتبر من الديانات التوحيدية بالنسبة للباحثين.

ويصلي الأيزيديون إلى الملك طاووس خمس مرات يوميًا، كما أن عندهم له تسمية أخرى هي "الشيطان"؛ لذا فإن ذلك ما جعلهم معروفين لدى الناس بأنهم "عبدة الشيطان".

وفي كتاب الأيزيديين المقدس رواية تشابه الرواية القرآنية عن رفض الشيطان السجود لأدم من حيث الظاهر، وتخالفها بشكل جذري من حيث التفسير، يقول مصحف رش (الكتاب الأسود): "خلق الله طاووس ملك من سره العزيز نوره، لأول مرة قبل أن يخلق الإله الملائكة الستة الآخرين .. إنه مخلوق من نور ذاته .. فكان لا بدّ أن يتمسك بوصية (الله) وألا يسجد إلا له.. وبعد أن خلق الله الآلهة الملائكة الستة الآخرين وسلم أمرهم إلى طاووس ملك، حينها أمر الله طاووس ملك كي يهبط إلى الأرض ويجلب منها حفنة من التراب ففعل ذلك، ثم صنع الملائكة منه هيكلاً فنفخ الله فيه الروح وسماه أدم فسجدوا لأدم كلهم ماعدا طاووس ملك، حينها سأله الله عن سبب عدم سجوده فأجاب كيف اسجد لغيرك وأنت الذي أوصيتني ألا اركع إلا لجلالتك ثم كيف اسجد لأدم الذي هو من تراب وأنا مخلوق من نورك".

ويعتقد الأيزيديون أن الأرواح تنتقل داخل أشكال جسدية متعاقبة، وأن التطهير التدريجي ممكن من خلال التوالد الجديد وتعاقب الأجيال، ويعتبر أسوأ ما يصيب معتنق الإيزيدية أن يُطرد من مجتمعه، حيث إن ذلك يعني أن روحه لا يمكن لها أن تتجدد؛ لذا فإن اعتناق ديانة جديدة يعد أمرًا غير وارد.

يختن الأيزيدية أبناءهم الذكور كما يفعل المسلمون واليهود، كما أنّ يوم الأربعاء مخصص لعبادتهم لأنه في عقيدتهم يوم خلق الكون، وهو يستوجب أن يعطّل الناس أشغالهم، لكن هذا ليس بالأمر الحتمي.

وينقسم الأيزيديون إلى ثلاث طبقات دينية لا يجوز التزاوج بينها كما لا يجوز زواج الإيزيدي من أتباع الديانات الأخرى، ومن معتقداتهم القديمة تحريم أكل الخس وارتداء اللون الأزرق.

وفي جبال سنجار، يحاول أكثر من 40 ألفًا من الإيزيديين الاختباء عن أنظار المتشددين من داعش، بعد أن فرّ حوالي 130 ألفًا من الإيزيديين إلى كردستان.

وتشير التقديرات إلى أن 500 ألفًا من أفراد الأيزيدية يعيشون في سهول نينوى.

وإذا ما طرد متطرفو تنظيم الدولة الإسلامية الأيزيديين من العراق وسوريا؛ فإن هناك احتمالية أكبر لأن يستقروا في مناطق جنوب غربي تركيا، حيث يمكنهم هناك أن يمارسوا معتقداتهم في سلام.