تعود ملكية الشجرة القديمة لعائلة صلاح أبو علي، وهي تقع في قرية الولجة في بيت لحم، جنوب غرب القدس المحتلة.

تعود ملكية الشجرة القديمة لعائلة صلاح أبو علي، وهي تقع في قرية الولجة في بيت لحم، جنوب غرب القدس المحتلة.

ترجمة وتحرير: نون بوست

ظلت الشجرة في هذا المكان شامخة بالقرب من بيت لحم لمدة أطول من عمر المسيحية والإسلام، منذ ما قبل زمن أنبياء الأرض المقدسة. طاف صلاح أبو علي حول شجرة الزيتون القديمة ببطء، فاحصا كل شبر منها بعناية، قبل أن يجلس على كرسيه تحت ظلها. بجانبه، يضع على جذع الشجرة بشكل متوازن طبق فواكه طازجة قطفها من مزرعته. كما يوجد زجاجة مياه كبيرة ووعاء قهوة ساخنة يعده يوميًا ليقدمه لزوار المكان، الذي أصبح ملاذًا له.

كل صباح على الساعة السادسة ونصف صباحا، يسير صلاح البالغ من العمر 46 عامًا إلى المكان الذي توجد فيه الشجرة على قطعة أرض تعود ملكيتها لعائلته. وخلال السنوات العشر الماضية، كُلف بمسؤولية جسيمة تتمثل في حراسة أقدم وأكبر شجرة زيتون في فلسطين. تقع الشجرة التي تعود ملكيتها إلى عائلة أبو علي في منطقة وادي جويزة، التي تقع في قرية الولجة في بيت لحم، جنوب غرب القدس المحتلة.

خلال حوار أجراه مع موقع "ميدل إيست آي"، صرح أبو علي بأنه على الرغم من قضاء معظم الوقت تحت شجرة الزيتون، إلا إنه لا يزال يشعر بالرهبة منها، ذلك أن "جمال وحجم هذه الشجرة مميزان حقًا، فهي تسحر العقل، وأجمل شجرة في فلسطين".

أجمل شجرة

قال أبو علي: "جمال وحجم هذه الشجرة مميزان حقًا، فهي تسحر العقل، وأجمل شجرة في فلسطين".

حسب وزارة الزراعة الفلسطينية، يقدّر عمر الشجرة بحوالي 5000 سنة ويغطي حجمها أكثر من 250 متر مربع، ويمتد ارتفاعها إلى حوالي 13 مترًا وجذورها إلى حوالي 25 مترًا تحت الأرض. على مر السنين، أطلِق على هذه الشجرة مجموعة متنوعة من الأسماء. ويصفها أبو علي بـ "الحصن"، ويطلق عليها أيضًا اسم "المرأة العجوز" و"أم الزيتون" و"عروس فلسطين".

من خلال تجربتهم الخاصة في مجال الزراعة، يعلم الفلسطينيون أنه كلما كانت الشجرة أكبر سنًا، كانت نوعية الزيتون وطعم زيت الزيتون الذي تنتجه أفضل. وفي تصريح له لموقع "ميدل إيست آي"، أخبر مدير عام مجلس الزيت الفلسطيني، فياض فياض، أنه "على الرغم من أن أشجار الزيتون الأقدم لا تختلف عن غيرها من الأشجار الأخرى، غير أن الأبحاث أظهرت أن الشجرة الأكبر سنا والأكبر حجما، يكون زيتها أفضل". وأضاف فياض أن "عمر الشجرة من العوامل الكثيرة التي تؤثر على نكهة الزيت وجودته. وتنتج شجرة الولجة زيتًا عالي الجودة"، مشيرا إلى أن "الأبحاث جارية حول ما إذا كانت هذه الشجرة أقدم شجرة زيتون في العالم".

نصف طن

تنتج الشجرة حوالي نصف طن من الزيتون كل سنة، يستخرج منه 600 كيلوغرام من زيت الزيتون.

وفقا لأبو علي، أثّر الجفاف وتقلب المناخ بشكل سلبي على الشجرة على مر السنين، مما أدى إلى تقلص إنتاجها، الذي أصبح أكثر تقلبا. في الماضي، منذ حوالي 10 إلى 15 سنة، كانت الشجرة تنتج حوالي نصف طن من الزيتون، نستخرج منه حوالي 600 كيلوغرام من زيت الزيتون، "وفي السنة الماضية، لم يصل إنتاج زيت الزيتون إلا إلى 250 كيلوغراما من الزيت. في حين كان هناك أوقات لم تنتج فيها الشجرة أي شيء".

بالإضافة إلى ذلك، أشار أبو علي إلى أن "الشجرة تعاني من مشكلة نقص المياه لذلك هي عطشانة وتحتاج إلى كميات كبيرة من المياه بسبب حجمها، لكن هذه الكميات غير متوفرة، ناهيك عن أن الموارد المائية غير كافية". وتبعا لذلك، وضع أبو علي على عاتقه مسؤولية إخماد عطش الشجرة بتمديد خرطوم المياه من ينابيع المياه القريبة. لكن تعتمد عملية الإمداد على هطول الأمطار التي تقل كميتها بشكل خاص خلال فترة الصيف. وخلال السنوات القليلة الماضية، أفاد أبو علي بأن منسوب المياه آخذ في التراجع. وأكد أبو علي أنه "يحاول أن يحافظ عليها من خلال إضافة السماد والعناية بمحيطها، غير أنه يؤلمه أن يراها بهذه الحال".

السياسات الإسرائيلية التوسعية

تقع الشجرة على بعد 20 مترًا فقط من جدار الضم والتوسع الإسرائيلي، الذي بُني على عدة مراحل بدءًا من سنة 2007. تاريخيًا، تعد قرية الولجة جزءًا من القدس، وكان السكان يسافرون بانتظام ذهابًا وإيابًا للتسوق والعمل كذلك. وعندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية خلال سنة 1967، استولت على أجزاء كبيرة من حقول وأراضي الولجة.

الجدار الفاصل

صورة للجدار الفاصل في إسرائيل الذي بُني على بعد 20 مترا فقط من شجرة الزيتون، مما أثار موجة من الاحتجاجات.

خلال سنة 2010، شهدت القرية موجة من الاحتجاجات الأسبوعية ضد بناء الجدار العازل وعملية الضم الإسرائيلي، التي كان من المقرر أن تمر من خلالها. وقد صرّح أبو علي بأنه "عندما أقيم الجدار، استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي عددًا كبيرًا من المتفجرات دون توخي الحذر من تأثيراتها على الشجرة، وكنا نخشى تمامًا أن تضر بالشجرة، لكنها صمدت كما حدث منذ آلاف السنين، ولم يتمكن الاحتلال الذي استمر لعشرات السنين من إزالتها".

 خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر، نشر جناح الجيش الإسرائيلي المسؤول عن الحياة المدنية في الضفة الغربية المحتلة منشورا على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك عن الشجرة، حيث وصفها بأنها "أقدم شجرة زيتون في يهودا والسامرة". وقد أثار هذا المنشور غضب النشطاء الذين رأوا أنه محاولة لسرقة التاريخ والتراث الفلسطيني.

من جانب آخر، أوضح فياض أن "السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك الموظفون المدنيون والعسكريون، قد زاروا الشجرة في الماضي، وأخذوا عينات منها وقياساتها، الأمر الذي أثار خوف بعض العائلات في قرية ولجة. لذلك طلبت العائلات من وزارة الزراعة التابعة للسلطة الفلسطينية التدخل من خلال تنصيب شخص ما لحراسة الشجرة خلال جميع الأوقات. وبينما كان أبو علي يقضي بالفعل معظم أيامه في حراستها، كانت السلطة الفلسطينية تدفع له راتبا شهريا يبلغ حوالي 410 دولارا لحراسة الشجرة بشكل يومي".

"جزء من هويتنا"

لطالما كانت أشجار الزيتون هدفا لسياسات إسرائيل التوسعية واحتلالها العسكري ومشروع المستعمرات الاستيطانية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الشجرة تعد واحدة من حوالي 11 مليون شجرة زيتون في فلسطين، وفقًا لموقع المعلومات الرسمي للسلطة الفلسطينية. وتواجه الأشجار تهديدًا مزدوجًا لوجودها، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بشكل منهجي بقطع الأشجار ويسلط المستوطنون اليهود بانتظام أعمال عنف عليها، بما في ذلك الأعمال التي تستهدف المدن والحقول الفلسطينية.

شجرة

في الأشهر الستة الأولى من سنة 2019، سجلّت الأمم المتحدة اقتلاع أو حرق أو تخريب أكثر من 4100 شجرة من قبل المستوطنين الإسرائيليين.

خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2019، سجلت الأمم المتحدة اقتلاع أو حرق أو تخريب أكثر من 4100 شجرة من قبل المستوطنين الإسرائيليين، مع العلم أن هذا العدد شهد زيادة بحوالي 126 في المئة في المتوسط ​​الشهري مقارنة بسنة 2018. وتزداد هذه الهجمات خلال موسم حصاد الزيتون بين شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر. وخلال شهر حزيران/ يونيو 2019، وثقت الأمم المتحدة قطع ما يقارب 400 شجرة مملوكة للفلسطينيين في المنطقة ذاتها خلال حادثة هدم الممتلكات للجيش الإسرائيلي.

 حيال هذا الشأن، قال أبو علي: "يقوم الاحتلال وسياسات إسرائيل على الترهيب"؛ موضحًا أن مثل هذه الأعمال التي ترتكبها إسرائيل ومستوطنوها تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم خوفًا من الهجمات، "لذلك نحن إما سندافع عن أراضينا أو نستسلم. وقد وضعت هذه الشجرة ثقتها فينا".

وراثة حب الشجرة

تسمي عائلات ولجة شجرة الزيتون "شجرة البدوي"، في إشارة إلى المرشد الروحي الصوفي المصري، الشيخ أحمد البدوي، الذي قيل إنه زار الشجرة. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد أبو علي أن الشجرة تحمل أهمية روحية، حيث قال "إذا لم نحافظ على هذه الشجرة، سنحاسب على ذلك. فهذه الشجرة لا تقل أهمية عن المسجد الأقصى أو الإبراهيمي". والجدير بالذكر أن سكان الولجة يعتبرون أن الشجرة تعد مصدرا لحسن الحظ والبركات. ووفقا لأبو علي، تجمع النساء أوراقها المتساقطة لحمايتهن من العين الشريرة. وخلال كل سنة، تضحي العائلات بأغنامها خلال عيد الأضحى في ظل هذه الشجرة.

أبو علي

يتقاضى أبو علي 410 دولارات في الشهر من قبل السلطة الفلسطينية لحراسة الشجرة التي زارها مسؤولون إسرائيليون في السنوات الأخيرة.

 في شأن صلة، نوه أبو علي: "أتمنى أن أتمكن من تحويل هذه الشجرة والمنطقة المحيطة بها إلى جنة مزدهرة، لكن الوضع الاقتصادي هنا صعب وأنا أفعل ما بوسعي، لكن هذا لا يكفي". وعلى الرغم من أن راتبه لا يكاد يكفي لتغطية نفقاته، يصر أبو علي على حراسة الشجرة التي يعتبرها رمزا للصمود الفلسطيني. وفي هذا السياق، أكد أبو علي "إذا بقيت هذه الشجرة، سنبقى. هذه الشجرة جزء من هويتنا وجزء من الحرب ضد الاحتلال الإسرائيلي".

المصدر: ميدل إيست آي