تحاول الحكومة الأردنية، في تشكيلها الجديد، السير بخطى مسرعة، من أجل إنقاذ الاقتصاد الوطني المتداعي، فيسوق الدكتور عمر الرزاز، رئيس مجلس الوزراء، أفكارًا جديدة، تضمن خطة احتواء للقطاع الخاص لرفعه إلى مرتبة الشراكة في تنمية البلاد ومواجهة البطالة، ولكنها حتى الآن من جانب واحد، لهذا تبقى آليات التنفيذ وغياب الحوار المجتمعي مع أطراف الأزمة أم المشكلات في البلدان العربية.    

عقل الحكومة.. مخاطبة القطاع الخاص من خلال البرلمان

أجرى الرزاز تعديلًا وزاريًا هو الرابع على حكومته، وشمل 9 وزراء جدد، أبرزهم وزراء التخطيط والتعاون الدولي والشؤون الاقتصادية والمالية، ويظهر من التعديل الجديد نكهة اقتصادية لمعالجة أزمات البلاد، ورغم الانحياز للقطاع الخاص في كثير من أحاديث رئيس الحكومة في ظل أزمات خطيرة يتعرض لها منذ سنوات، فإن الطريقة التي اختار الرزاز، إعلان تصوراته للقطاع الخاص، جاءت خلال محاولات لكسب ود النواب، لإقرار مشروع موازنة 2020 التي تعطي أدوارًا محورية للقطاع الخاص، حيث يرغب رئيس الوزراء في تطعيمات رأسمالية لاقتصاد بلاده وتجويد الخدمات المقدمة للمواطنين، دون إضافة مزيد من الأعباء على الدولة نفسها.

لكن هذه الرغبة لم يترجمها رئيس الوزراء، في خطة واضحة للعمل، ولم يكشف عن أي حوارات، أجرتها الدوائر المختصة في مشروعه للموزانة، مع قطاع متداعٍ، يعاني منذ سنوات، حتى أصبح غائبًا عن المشهد بشكل شبه كامل، لدرجة أنه بات من المعتاد في وسائل الإعلام المحلية والدولية، كشف إفلاس الكثير من المسثمرين وهروب رجال الأعمال والتجار خارج الأردن، ونقل استثماراتهم إلى بلدان مجاورة، فقط دعا الرزاز إلى حوار عام ـ لم يحدد ملامحه ـ لكشف آليات الحل، بين جميع الأطراف. 

تحليل خطابات رئيس الوزراء الأخيرة، بعد تعديل وزارته على وجه الخصوص، ربما تشي بالعكس، حيث تركز الحكومة بشكل كامل، على إزالة التشوهات التي لحقت بالقطاع العام، خلال العقود الماضية، وزيادة الرواتب إلى حدود مناسبة، خاصة أنها كانت أحد أسباب خروج التظاهرات الأخيرة، احتجاجًا على تدني رواتب موظفي الدولة، مقابل الارتفاع الجنوني للأسعار.

تحدث رئيس الوزراء عن إجراءات محددة للقطاع العام مثل دمج المؤسسات وإلغاء بعضها، كما تحدث عن طبيعة الزيادة الجديدة في المرتبات وربطها بالأداء، بعد التوصل إلى تفاهمات عن ذلك، أجرى خلالها حوارات ومفاوضات طويلة الأجل ‏مع النقابات وديوان الخدمة، ولم يفعل نفس الشيء مع القطاع الخاص، مع أن تركة الأخير ليست سهلة على الإطلاق، وأصبحت في حاجة إلى جهود موازية، لمعرفة أسباب انهيار القطاع وكيفية الحل مع أهل الاختصاص أنفسهم، إذا كانت الحكومة ترغب بالفعل في الاعتماد عليهم، لإنجاح خطة التنمية الطموحة لـ2020.

سنوات من التجاهل

التراجع غير المسبوق للقطاع الخاص، أسهم خلال العامين الأخيرين، في توقف العديد من المشاريع الكبرى عن العمل، وانتقال بعض رؤوس الأموال إلى بلدان مجاورة للاستثمار فيها، أبرزهم مصر والإمارات وتركيا، لتنخفض الاستثمارات الأجنبية في البلاد بشكل سريع، وخسارة نحو 250 مليون دولار خلال العام الماضي، بنسبة انخفاض تقارب 6.6% عن أرقام عام 2017.

بيئة الاستثمار في الأردن، لم تعد جاذبة كما كانت في السابق، إذا أضفنا لها عدم وجود رؤية استثمارية واضحة

ثمة العديد من الأسباب الجوهرية، التي تتسبب حتى الآن، في اضطرابات حادة في سوق الاستثمار، وبحسب دراسة أعدها المركز الكندي للعلوم والتعليم في الأردن، تواجه البلاد عقبات كثيرة، رغم توافر بنية تحتية مميزة، حيث لا توجد مناطق معزولة للتنمية والمرافق كاملة، تصل إلى جميع المناطق، بجانب شبكة طرق حديثة ومتطورة. 

أخطر أسباب إعاقة القطاع الخاص التي ذكرتها الدراسة، عدم وجود رؤية أو إستراتيجية للاستثمار وارتباك السياسات الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة والبيروقراطية والتأخير الطويل في إعطاء الموافقات وتعليمات الإقامة وعدم تشجيع الاستثمار بالشكل الأمثل وتوافر ثقافة عامة تعادي المنافسة وتخنق الابتكار والإنتاجية ونمو السوق.

هذه الإشكاليات تقودنا، إلى أهم مكامن الخلل في القضية، وهو افتقار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فرغم طموح الوزارة في ثوبها الجديد، للاعتماد على كلاهما، فإن القوانين والتشريعات واللوائح، ستشعل الصراعات الداخلية بين مؤسسات الدولة، ما يعرض المستثمرين للابتزاز ويضعهم تحت رحمة المحسوبية.

ويعزز هذه الافتراضات، رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين حمدي الطباع الذي يؤكد أن بيئة الاستثمار في الأردن، لم تعد جاذبة كما كانت في السابق، إذا أضفنا لها عدم وجود رؤية استثمارية واضحة، ويعتبر الطباع أن ما يتم حاليًّا من استعدادات لموازنة 2020 أقرب للتخبط.

أبرز العقبات التي دعت رؤوس الأموال للهروب من قطاع العقارات المحلي خارج الأردن، التوجيه الإلزامي الحكومي للمستثمرين، ببناء وحدات سكنية تتراوح مساحتها بين 120 إلى 200 متر، ولا يستطيع شراءها إلا 35% من السكان

يقف الطباع في تصريحاته، إلى جانب رئيس جمعية مستثمري قطاع الإسكان السابق زهير العمري، الذي أكد هو الآخر أن التعقيدات التي تواجه المسثمرين، كلفت قطاع العقارات وحده، خسارة كبرى، تمثلت في هروب رؤوس أموال قدرت بنحو 1.8 مليار دولار، في آخر ثلاث سنوات فقط، 900 مليون دولار منها، ذهبت إلى الإمارات وحدها، التي تتصدر فيها الاستثمارات العقارية الأردنية مختلف البلدان العربية والأجنبية.

عقبات

يقول مراقبون إن أبرز العقبات التي دعت رؤوس الأموال للهروب من قطاع العقارات المحلي خارج الأردن، التوجيه الإلزامي الحكومي للمستثمرين، ببناء وحدات سكنية، تتراوح مساحتها بين 120 إلى 200 متر، ولا يستطيع شراءها إلا 35% من السكان، لارتفاع أسعارها بشكل مرعب.

والبعض يؤكد أن سعر الوحدة السكنية في البلاد، أصبح يعادل أسعار 3 وحدات في تركيا، في الوقت الذي لا تحتمل إمكانات الغالبية العظمى من السكان، شراء شقة لا تزيد مساحتها على 100 متر، بل وتتعثر في سداد أقساطها، فتلجأ البنوك المحلية في المقابل إلى الحجز على أعدادٍ كبيرة من الشقق السكنية المباعة للمواطنين، وتصل سنويًا من 5 آلاف إلى 6 آلاف شقة، بخلاف الحجوزات على الأراضي وغيرها من أنواع العقارات الأخرى.

التخبط في إدارة هذا القطاع، تسبب في تراجع الاستثمار بالعقارات في الأردن، بنسبة تخطت 17.9% خلال الأشهر السبع الأولى من العام الحاليّ، بما قيمته 3.4 مليار دينار، بعد أن كان حجم تداول القطاع العقاري في المملكة، نحو 4.1 مليار دينار خلال نفس الفترة من العام الماضي.

بحسب دراسة لمركز دراسات الشرق الأوسط، سلمت نسخة منها للحكومة الأردنية، حل مشكلة الاقتصاد الأردني، وخاصة القطاع الخاص، تكمن في القدرة على اتخاذ إجراءات استثنائية، لتأمين وضعية مناسبة للقطاع، ما يجعل مؤسساته تشعر بالأمان وعدم الخوف، ويزيد من حافزها للاستمرار.

الالتزمات بموجب القانون الجديد، رفعت نسبة الضمان على العاملين إلى 21.75% من إجمالي الأجور

تعتبر الدراسة أن وضع مثل هذه المبادئ أولًا، يمثل أدنى متطلبات الدور المطلوب والمسؤولية المشتركة من كل الجهات الحكومية والخاصة والأهلية والسياسيين والبرلمانيين والأحزاب والنقابيين والإعلاميين، لخلق بيئة شعبية ونخبوية عامة ترفع نسبة الأمان والثقة في الاقتصاد الأردني.

الفرضية التي غابت عن رئيس الوزراء الأردني الذي وجه خطابًا عامًا يمثل ميوله الرأسمالية الجديدة، دون العودة أولًا للقطاع الخاص واكتشاف أزماته من رواده، عالجتها الدراسة، وأكدت ضرورة عقد ملتقى وطني للقطاعات المعنية، لمناقشة الأوضاع الحاليّة بالتفصيل ودراسة السياسات الحكومية والقوانين المنظمة للقطاعات والتوصيات لمواجهة التحديات، ورسم سبل التعافي الممكنة، مع تشكيل لجنة تنفيذية تتبنى التوصيات وتضع خطة إجرائية تُنفّذ على الفور.

وتطالب الدراسة بضرورة إزالة القيود المفروضة على حركة رأس المال، بحجة متابعة غسيل الأموال، وتنقد بشدة عدم الاستقرار في التشريعات المنظمة لعمل الاقتصاد الخاص وقطاعاته بشكل عام، وخاصة بعد تعديل قانون الاستثمار رقم 30 لسنة 2014 خلال العام الماضي، الذي أخضع المناطق الحرة ومؤسساتها لضريبة الدخل، بعد أن كانت معفاة منها، في الوقت التي تحاول فيه الحكومة كسب ود موظفي وعمال القطاع الخاص، بإلزام أصحاب الأعمال باشتراكات ضمان اجتماعي ملزمة.

يفقد المسثمرون الرغبة في العطاء، طالما غاب التحفيز والعدالة وتكافؤ الفرص

الالتزمات بموجب القانون الجديد، رفعت نسبة الضمان على العاملين إلى 21.75% من إجمالي الأجور، يتحمل منها أصحاب الأعمال 14.25%، وهي التزامات إجبارية، تشكل عائقًا أمام فتح فرص استثمارية جديدة أو التوسع في القائم منها، ولهذا لجأ المستثمرون المحليون والعرب والأجانب إلى البحث عن حواضن استثمارية خارج البلاد، تكون أكثر أمانًا واستقرارًا وربحًا وفق تقديراتهم، ومن هنا انحسرت تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى أقل من 1.665 مليون دولار، بداية من 2017 مقارنة بـ 2.178 مليون دولار عام 2014!

أزمة الأردن، كما هي أزمات البلدان العربية، تتلخص في غياب الحوار، كما يقول الكاتب الصحفي الأردني علي السنيد، فالأزمة الكبرى فيما أسماه "زمن الشعوب"، فالروح الثأرية الأمنية التي تدير بها السلطات أزماتها، تغلق الأبواب في وجه الحلول المنطقية، وتقود البلدان إلى طريق مسدود، خاصة في ظل انعدام الثقة بنزاهة المسؤول وعدم الجدية في محاسبة الفساد وصيانة المال العام.

"تحترق الحكومات على التوالي، وتنهار المعنويات العامة لدى الشعب، ويتراجع الأداء العام للمؤسسات، ويفقد المسثمرون الرغبة في العطاء، طالما غاب التحفيز والعدالة وتكافؤ الفرص"، برأي السنيد.