الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي

الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي

واصل الرئيس التونسي الأسبق محمد المنصف المرزوقي تفرده حتى وهو خارج السلطة، حيث حمل آخر خطاب سياسي له، قرار انسحابه من قيادة الحزب الذي أسسه قبل سنوات ومن الساحة السياسية التونسية، محملًا نفسه نتائج الانتخابات الأخيرة، ليؤسس بذلك ثقافة جديدة في مهد الربيع العربي والمنطقة ككل، فنادرًا ما نجد سياسيًا يستقيل من العمل السياسي ويتحمل مسؤولية فشله وفشل حزبه في الانتخابات.

أسباب الاستقالة

قرار الانسحاب، أرجعه المنصف المرزوقي (74 عامًا)، إلى نتائج الانتخابات الأخيرة التي قال إنه يتحمل كامل المسؤولية فيها، لكنه أشار في المقابل إلى أنه سيبقى "ملتزمًا بكل قضايا الشعب والأمة"، وسيواصل خدمتها بما يستطيع من طرق وفي مجالات أخرى، وفق ما جاء في رسالة نشرها على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك.

وكان المرزوقي قد اكتفى في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في دورها الأول 15 من سبتمبر/أيلول 2019، بالحصول على أقل من 3% فقط من أصوات الناخبين، وحل في المرتبة الـ11 من مجموع 26 مرشحًا.

خطاب المرزوقي الأخير حمل أيضًا العديد من الرسائل التي أراد رئيس تونس الأسبق إيصالها لأبناء شعبه - حتى يحافظ على ديمقراطية بلادهم - قبل أن يغيب عنهم نهائيًا

بدوره مني حزب المرزوقي "حراك تونس الإرادة" الذي ترشح في أغلب الدوائر الانتخابية، بفشل ذريع، فلم يحصل على أي مقعد في البرلمان الجديد. وتأسس هذا الحزب قبل سنتين تحديدًا في الذكرى الخامسة للثورة التونسية.

وأكد المرزوقي في خطابه أنه يغادر الحياة السياسية مرفوع الرأس بعد أداء واجبه في أصعب مراحل التاريخ التونسي، فرغم انسحابه من الحياة السياسية بعد مرارة الهزيمة الانتخابية، فإنه سعيد بتحرر شعبه من الاستبداد، وفق قوله، مشيرًا إلى أن "انتصار أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان التي عشنا من أجلها تلطف عليّ مرارة الهزيمة الانتخابية".

يعتبر محمد المنصف المرزوقي أحد أبرز المؤمنين بالربيع العربي وشعاراته ومبادئه التي مات من أجلها عشرات الآلاف من الشباب، الحاملين لألوية الأمل وغد أفضل وعالم عربي موحد في مواجهة التكتلات الإقليمية.

رسائل عديدة

خطاب المرزوقي الأخير، حمل أيضًا العديد من الرسائل التي أراد رئيس تونس الأسبق إيصالها لأبناء شعبه - حتى يحافظوا على ديمقراطية بلادهم - قبل أن يغيب عنهم نهائيًا، حيث حذر التونسيون من تصديق من يدعو إلى تعديل الدستور لإقرار نظام رئاسي من أجل ضمان استقرار الدولة، مؤكدًا أن النظام الرئاسي لو كان أنجع الطرق لقيادة الشعوب لما أدى بنا إلى الثورة وخراب أغلب أقطار الوطن العربي.

وتدعو العديد من الأحزاب والشخصيات الوطنية في البلاد، إلى تغيير نظام البلاد من برلماني إلى رئاسي، فالنظام الذي أقره الدستور، حسب هذه الأطراف المسؤول عن الأزمات المتعددة التي تشهدها تونس، ويرى الداعون إلى تغيير النظام السياسي للبلاد أن النظام الحاليّ له دور كبير في تأزم الوضع السياسي والحكومي والحياة العامة في تونس، ذلك أنه يقسم الصلاحيات بين عدة أطراف ولا يجمعها عند طرف واحد.

وبين المرزوقي أن دور الاستبداد في تحطيم الدول والشعوب يؤكد أن الدستور التونسي الذي وزع السلطات بكيفية ذكية بين المؤسسات، يمنع أي طرف من التسلط ويحمي مصالح الشعب، موضحًا أنه لولا هذا الدستور لانتهت الثورة مع صعود ما أسماه "النظام القديم" إلى السلطة في انتخابات 2014.

تطرق المرزوقي أيضًا للقانون الانتخابي الحاليّ "الذي يخدم مصلحة الأحزاب وليس مصلحة الوطن" حسب قوله، وبعض القوانين الأخرى، حيث قال: "هناك حاجة لإعادة النظر في القانون الانتخابي والقوانين الأخرى لتخليص قطاع الإعلام والأحزاب السياسية من تأثير المال الفاسد"، مؤكدًا أن عدم الإقدام على تلك الخطوة سيجعل "ديمقراطيتنا سوقًا ودلالًا يُتاجر فيها بكل شيء وخاصة بالمصلحة الوطنية، وهو ما قد يمهد لموجات شعبوية تعيدنا إلى ما قبل الثورة".

يعتبر المرزوقي عند الكثير رئيس الربيع العربي الذي انطلق من تونس في يناير/كانون الأول 2011 وامتد إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا ودول عدة أخرى

وشدد المرزوقي على ضرورة محاربة الفساد، حيث أكد الحاجة إلى قوانين وسياسات "تضرب بقوة حفنة من العائلات الاحتكارية الطفيلية ومالها الفاسد، وهو الضرع الحلوب الذي يتغذى منه إعلام العار وبعض العصابات السياسية"، مؤكدًا أن أكبر سبب في انتشار الفقر والبطالة واليأس هو انتشار الفساد.

تثمين للقرار

إعلان المرزوقي انسحابه من رئاسة حزب "الحراك" والساحة السياسية التونسية، أثار موجة من التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتوتير)، حيث ثمن غالبية المغردين هذا القرار، معددين في الوقت ذاته خصال رئيس تونس الأسبق.

تفاعلًا مع خطاب المرزوقي قال رئيس مركز علاقات تركيا والعالم الإسلامي زياد بومخلة: "صحيح أن شخصية الدكتور المنصف المرزوقي شخصية جدلية لكن لا يمكن أن نختلف في نزاهته ووطنيته وإيمانه العميق بحقوق الإنسان والديمقراطية"، واعتبر بومخلة أن المرزوقي أحد أهم رجالات تونس رغم ما ناله من نقد كان في غالبه مشحونًا بأفكار عدائية.

في نفس الصدد، كتب الناشط مهدي غيلان: "الرئيس المنصف المرزوقي يعتزل الحياة السياسية لكنه سيبقى وسيظل في ذاكرتي وذاكرة العديد من التونسيين من أنظف وأشرف من مارس السياسة في تونس ومن أعظم من تولى رئاسة تونس في تاريخها الحديث والقديم".

من جانبها كتبت مريم الهاني: "رئيس عربي يخرج من عالم السياسة مرفوع الرأس لأنه لم يقتل ولم ينهب ولم يفسد. رئيس عربي سابق يسكن في بيته، لا تتابعه تهم قضائية ولا يقبع في السجن"، وأضافت "أنت اعتزلت السياسة، لكن أبناء مدرسة مانديلا، التي هي مدرسة محمد المنصف المرزوقي كذلك لا يزالون هنا.. سنعود إلى تونس، فما كان لنا إياها أمنية لو طالعتنا ليلة القدر.. سنعود وعلى أيدينا بشائر النصر.. سنعود لننبت ونزهر".

من جهته كتب خالد بن يوسف يعدد خصال المرزوقي "رجل تفتح له منابر الجامعات في العالم، رجل حاول الالتقاء بجميع أطياف المجتمع، غير أن الأراجيف وأكاذيب الإعلام الفاسد والمأجور جعلت طيفًا كبيرًا من الشعب يتهكم عليه ويسخر منه، قد لا أتفق معه لكني أحترمه في بساطته ونظافة يده وإخلاصه لتونس".

بدورها كتبت إيمان التركي "أول الثأر أنت، بدأت ووصلت أحببناك، وفقدناك، شعبًا ووطنًا وثورة قبلة على جبينك سيدي".

عُرف المرزقي خلال فترة رئاسته لتونس بدعمه لثورات الربيع العربي كافة، وحق المواطنين العرب في الحياة في ظل أنظمة ديمقراطية، ورفض إطاحة الجيش المصري بالرئيس الراحل محمد مرسي في يوليو/تموز 2013 وطالب مرارًا بإطلاق سراحه.

التأسيس لثقافة جديدة

قرار المرزوقي اعتزال العمل السياسي وتحمل مسؤولية فشله وفشل حزبه، يعد تأسيسًا لثقافة جديدة في العمل السياسي يأمل التونسيون والعرب أن تعمم ويعمل بها العديد من السياسيين في الوطن العربي ويتركون المشعل للشباب، فقد أسس بهذا الفعل، أسس لعمل جديد في الحياة السياسية العربية ليس فقط التونسية، فهو يعتبر عند الكثير رئيس الربيع العربي الذي انطلق من تونس في يناير/كانون الأول 2011 وامتد إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا ودول عدة أخرى.

ليس سهلًا على السياسي خاصة أنه قيادي كبير ورئيس دولة سابق أن يقر ويتحمل فشل حزبه في الانتخابات، وهو ما جعل العديد من التونسيين يحيون الرئيس الأسبق على قراره الذي يعد سابقة في العمل السياسي في البلاد.

يذكر أن المنصف المرزوقي رابع رئيس للجمهورية التونسية، وكان قبل ذلك سياسيًا معارضًا لنظام زين العابدين بن علي (2011-1987) ومدافعًا عن حقوق الإنسان ويحمل شهادة الدكتوراه في الطب ويكتب في الحقوق والسياسة والفكر.