في الوقت الذي يرى فيه كثيرون أن بشار الأسد سيطر فعليًا على كافة المفاصل في سوريا، التي شهدت وما تزال حربًا شعواء، أتت على أخضرها ويابسها، تطل اليوم على البلاد أزمة اقتصادية، لا تفتأ تهدأ إلا وتتجدد كالعاصفة الهوجاء، وتأبى العملة السورية إلا مسابقة الزمن بانهيارها لتصل إلى مستوى تاريخيّ.

وللمرة الأولى في تاريخها؛ هبطت الليرة السورية إلى 1000 ليرة مقابل دولار واحد، وسط عجز حكومة الأسد لتجاوز الأزمة العاصفة بها، والجدير بالذكر أن الكارثة إنما تحل على الشعب الذي يقع 83% منه تحت خط الفقر حسب آخر إحصائيات الأمم المتحدة فيما ينعدم الأمن الغذائي لـ 33% من أفراده، وقدَر تقرير أممي أن 11.7 مليون سوري بحاجة شكل من أشكال المساعدات الإنسانية المختلفة، كالغذاء والمياه والمأوى والصحة والتعليم.

ولا تقتصر الكارثة على مناطق النظام إنما تمتد إلى المناطق التي تحكمها المعارضة كإدلب ومناطق ريف حلب التي تضربها حالة من الجمود في البيع والشراء وأزمة محروقات كبيرة وغلاء في الأسعار، إلا أن الوضع يزداد سوءًا في مناطق المخيمات التي حلت عليها قساوة الشتاء مبكرًا.

غلاء الأسعار ومحال توقف البيع

على الرغم من أن رئيس النظام السوري، بشار الأسد، أصدر أمرًا بزيادة الرواتب والأجور بقدر 20 ألف ليرة سورية (يساوي 25 دولارًا أمريكيًا)، إلا أن أسعار السلع الغذائية والمواد الرئيسية للاستهلاك ارتفعت بنسبة 30%، فيما شهدت المناطق في الشمال السوري والتي تسيطر عليها المعارضة، ارتفاعًا في أسعار الخضراوات والمواد الغذائية، وسط عجز كثير من سكان المدينة عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.

"الوضع لايُطاق في الشام أصبح الأسعار غالية لدرجة لا توصف لا رقابة ولا أي من الشعور بالشعب"، هكذا ذكر لـ "نون بوست" أحد الأطباء الذين يقطنون في العاصمة السورية دمشق، وذكر لنا أن راتبه الذي لا يتجاوز "الـ 100 ألف ليرة سوري كان منذ أيام يساوي 200 دولار، أما اليوم لا يساوي 100 دولار واحدة"، ويضيف "ف.م" الذي رفض الكشف عن اسمه، أن "الرقابة غائبة وكل متجر لبيع المواد الغذائية يضع سعرًا مختلفًا عن غيره" ويضرب الدكتور مثالًا بمادة السكر، قائلًا: "لا يوجد متجر يبيع هذه المادة بالسعر نفسه وتتراوح أسعاره بين الـ 300 ليرة والـ 500 ليرة سوري".

وفي حديث لـ "نون بوست"، يقول حسام أبو محي الدين ويعمل محاسبًا لدى إحدى المنظمات في إدلب، إن "الوضع المعيشي سيء فوق الوصف، وأغلب المحال التجارية أوقفت البيع بسبب تقلبات سعر صرف الدولار"، مضيفًا: "بعد معركة نبع السلام توقف طريق النفط الذي يغذي الشمال السوري وظهر شح وقلة بالمادة وارتفع سعرها بشكل كبير وأصبح الاعتماد على المازوت الأوربي المستورد من تركيا"، ويشير حسام أبو محي الدين إلى أن "لتر الوقود كان بـ300 ليرة سورية وأصبح الآن بـ 750 ليرة"، كما أشار إلى أن أجرة العامل اليومية 2500 ليرة ما يعادل 5$ وأصبحت الآن 2.5 $ فقط".

وينتظر الناس في هذه الأوقات المعونات والمساعدات من المنظمات الإغاثية والإنسانية، حتى أن الأزمة طالت التجار حيث أصبحت "الأرباح قليلة لأن التاجر في بعض الأحيان يقبض سعر البضاعة بالعملة السورية بينما يشتري بضاعته بالدولار ويدفع فرق سعر الشراء" كما يذكر الإعلامي غياث أبو أحمد لـ "نون بوست"، مضيفًا أنه في حال كانت العائلة السورية تعمل بجميع أفرادها "تستطيع تأمين قوت يومها حتى أنها من الممكن أن لا تستطيع شراء وقود التدفئة".

تحركات تجميلية

وأصدر محافظ دمشق، عادل العلبي، قرارًا يقضي بتشكيل فريق ميداني مرافق لدوريات التموين، خلال جولاتها على أسواق دمشق. وقال عضو المكتب التنفيذي بقطاع التموين في دمشق، مازن دباس، إنه "تم تكليف فريق ميداني مؤلف من تسعة أشخاص، هم أعضاء مجلس المحافظة"، ومن جهتها أطلقت حكومة النظام السوري "وثيقة الأسعار"، ويتم من خلالها تحديد أسعار المواد الممولة من المصرف المركزي والمواد المستوردة، وطلبت الحكومة من المكاتب التنفيذية بالمحافظات كافة "تحديد أسعار المواد المنتجة محليًا بهدف فرض أسعار مناسبة في جميع منافذ البيع التابعة للقطاعين العام والخاص بالمحافظات".

أزمة "غاز" على الأبواب

إلى ذلك، بدأت طوابير الناس التي تصطف أمام محلات بيع أسطوانات الغاز في دمشق والمحافظات السورية الأخرى بالانتشار، ويأتي ذلك نتيجة لقلة تواجد المادة في الأسواق، فيما  قال مدير فرع "السورية للتجارة" في دمشق، يوسف عقلة، إن هناك "بعض الازدحام على منافذ بيع جرات الغاز في دمشق" مضيفًا أن "الطلب على الغاز لازال ضمن الحدود الطبيعية، لكن خطة الفرع في تخفيف الضغط على الطلب تتم من خلال تقسيم دمشق إلى مناطق ليسهل توزيع الغاز عبر سيارات جوالة".

تأثير أحداث لبنان على الليرة

ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، أصبح لبنان وبنوكه ملاذًا آمنًا لدمشق بعد فرض العقوبات، حيث أصبحت المصارف في بيروت سوقًا لتحويل الأموال إلى سوريا، الجدير بالذكر أن الكثير أصحاب التجارة ورؤوس الأموال في سوريا، يودعون أموالهم بالعملة الأجنبية في تلك المصارف نتيجة العقوبات المفروضة على بلدهم، إلا أن ما يحصل في لبنان وتوتر الحالة وقرارات المصارف الأخيرة، أدى إلى قلة في سحب الأموال من السوريين وارتفع الطلب على الدولار وتراجع صرف الليرة السورية.

من جهته قال عابد فضلية، رئيس هيئة الأوراق المالية في سوريا: "للأزمة في لبنان آثار ضارة على الاقتصاد السوري فالكثير من أموال السوريين مودعة في لبنان بالدولار وكان جزء من هذه الأموال يدخل سورية عند الحاجة وكان جزء منها أيضا يمول مستوردات إلى سورية ولكن بعد ما حصل في لبنان وخاصة مصرفيا أصبحت الأمور على المال السوري وعلى تموين السوق السورية بالسلع أصعب"، ويضيف فضيلة: "اليوم انعكست الآية كما أعتقد حيث يقوم اللبنانيون بتأمين جزء من احتياجاتهم من القطع الأجنبي من السوق السوداء السورية في الوقت الذي حرم فيه السوريون من سحب دولاراتهم من البنوك اللبنانية".

مخطط من إعداد "نون بوست" لمراحل انهيار الليرة السورية منذ عام 2011.

وبهذا الشأن، تسائل الصحفي السوري قتيبة ياسين في صفحته على "تويتر" قائلًا: "9 سنوات من قصف براميل دمرت البلاد وهجّرت العباد لم تخسر الليرة السورية إلا 10 أضعاف قيمتها، بينما شهور قليلة لمظاهرات لبنان والعراق خسرت الليرة أكثر مما خسرته في كل سنوات الحرب والسؤال هنا: من يحكم سوريا؟".

إلا أن السبب الأساس في أزمة البلاد الاقتصادية يسببها النظام القائم بحربه التي شنها على السوريين منذ 2011، وفي هذا الصدد يقول الاقتصادي السوري عارف دليلة إنه "حتى لو لم تحدث أزمة مالية في لبنان، فإن العامل الرئيسي في أزمة العملة السورية هو حكومتها"، مضيفًا: "إذا جلبت إلى سوريا أعظم عقل مالي في العالم فإنه لن يستطيع أن يفعل شيئًا، ما تحتاجه سوريا هو انتقال سياسي حقيقي وليس ما يحدث الآن".

 

 

إلى ذلك أظهرت منشورات وسائل التواصل الاجتماعي غضبًا عارمًا على سوء الأوضاع الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، حيث يتهكم الصحفي وائل التميمي على المؤيدين للنظام الذين يضعون كل الأسباب وراء انهيار الليرة إلا أنهم لا يضعون بشار الأسد في موقع اللوم.

 

 

اليوتيوبر السوري محمود الحمش والذي يقيم في دمشق، ظهر بدوره ليشرح الوضع الكارثي الذي آلت إليه حال البلاد ليقول عن الشعب في دمشق "نحن انتهينا"، فيما يحن الحمش لأيام "الموت قنصًا أو قصفًا" أما "الموت جوعًا"، ويشير إلى الكآبة التي تظهر على وجوه الناس الذين "قتلهم الفقر".

تعامل بالليرة التركية

إلى ذلك ومع اشتداد الأزمة بدأت بعض المناطق في شمال سوريا وبالتحديد المناطق في ريف حلب الشمالي بالتعامل في الليرة التركية، حيث أقرت نقابة الصاغة في مدينة أعزاز تسعير الذهب بالليرة التركية، بسبب عدم استقرار أسعار العملة السورية. وارتفع سعر الذهب في سوريا لمستويات قياسية بالتزامن مع تدهور سعر صرف الليرة السورية.

وتعد هذه الأزمة الأقوى على الإطلاق في مسيرة الليرة السورية والاقتصاد بحد ذاته، غير أن الشعب هو المتضرر الوحيد، ولا يوجد تحركات حقيقية من أحد لإنقاذه، فالحكومة صامتة وإجراءاتها باردة وتجار الأزمة يستغلون الوضع القائم، ولا يُعلم ما إذا كانت هذه الأزمة ستتوقف عند هذا الحد لاستقبال فصل الشتاء الذي اعتاد عليه السوريون قاسيًا خلال السنوات الأخيرة.