الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج

أدخلت الحكومتان التركية والوفاق الليبية معطى جديدًا للعملية الجارية بينهما من خلال التوقيع على اتفاقيتين جديدتين إحداهما في المجال الأمني والثانية في المجال البحري يوم 27 من نوفمبر 2019 بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، وقد وصفت بعض وسائل الإعلام التركية الاتفاقية الثانية في المجال البحري بالتاريخية.

ودخلت الاتفاقية الموقعة بين تركيا وليبيا والمتعلقة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية وترسيم حدود مناطق النفوذ البحرية في البحر المتوسط، حيز التنفيذ بإقرارالبرلمان التركي، مساء الخميس، بعد موافقة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان على مشروع القانون الذي تم التصويت عليه بالأغلبية.

لم تأت هذه الاتفاقية من فراغ أو في سياق منقطع، فقد جاءت بعد عدة أحداث وتكتلات في شرق المتوسط استثنت واستبعدت تركيا من الترتيبات وأهم مثال على ذلك هو منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم مصر واليونان وقبرص و"إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، وبالتالي لم يتبق من دول منطقة شرق المتوسط إلا لبنان وسوريا وليبيا.

وبالنظر إلى هذه الدول الثلاثة وعلاقاتها بتركيا فإن ليبيا كانت المرشح الأكثر احتمالية لنجاح مثل هذه الاتفاقيات، وذلك باعتبار تدهور العلاقات بين تركيا ونظام الأسد والتدخل الروسي المباشر في مثل هذه القرارات، أما لبنان فيصعب التوصل لمثل هذا القرار بسبب التدخلات السعودية والإيرانية والأمريكية التي تعد عائقًا كبيرًا.

وعلى الرغم من تعقيدات المشهد الليبي، فإن ليبيا كانت الخيار الأكثر منطقية للتوصل لمثل هذا الاتفاق والأكثر فائدة لتركيا، فالمجلس الرئاسي الليبي معترف به من الأمم المتحدة، كما أن الاتفاق مع ليبيا من شأنه أن ينشئ منطقة عازلة تمنع اليونان من إقامة اتفاقيات مشابهة وكذلك تقطع الطريق على كل محاولات استبعاد تركيا من الحصول على حقوق في اكتشافات موارد الطاقة شرق المتوسط.

على الجانب القانوني سوف تثير الدول التي تعارض تركيا مثل مصر واليونان على وجه التحديد وكذلك البرلمان الجنوبي في ليبيا والمعروف ببرلمان طبرق الكثير من علامات الاستفهام عن صحة الاتفاقية وقانونيتها، وقد حثت بعض الدول طبرق على الطلب من جامعة الدول العربية سحب الاعتراف بحكومة السراج.

تناول المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية حامي أقصوي، الموضوع القانوني من خلال التأكيد أن مذكرة التفاهم المتعلقة بتحديد مناطق النفوذ البحرية لتركيا، موقعة وفقًا للقانون الدولي، "بما في ذلك البنود ذات الصلة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لا سيما قرارات المحكمة التي تشكل اجتهادات القانون الدولي".

مشيرًا "جميع الأطراف يعلمون أن تركيا تمتلك أطول ساحل بر رئيسي شرقي المتوسط، والجزر الكائنة في الجهة المقابلة للخط الواقع بين البرين الرئيسيين لا يمكن أن تشكل سيادة بحرية خارج مياهها الإقليمية".

قد تكون هذه الخطوة التي أقدمت عليها تركيا مقدمة لحوار إقليمي شامل بين دول المنطقة ومفاوضات للتوصل لتفاهمات، حيث بدا واضحًا من تصريحات الخارجية التركية أن الخطوة جاءت كرد فعل على العديد من الإجراءات الأحادية، وقد ذكر المتحدث باسم الخارجية التركية ما يشير إلى هذا الأمر، فقال: "دعت تركيا الأطراف قبل توقيع الاتفاقية إلى مفاوضات من أجل الوصول إلى تفاهم عادل، وأن تركيا لا تزال مستعدة للتفاوض، إلا أن الأطراف اختارت اتخاذ الإجراءات الأحادية وإلقاء التهم على تركيا، بدلًا من إطلاق المفاوضات معها".

كما أضاف "أطروحات اليونان وقبرص الرومية المتطرفة المتعنتة، تحاول منح سيادة بحرية بـ4 آلاف ضعف من المساحة الحقيقية لجزيرة كاستيلوريزو (ميس) مقارنة بالبر الرئيسي التركي"، وهذا المفهوم أفقد مصر 40 ألف كيلومتر مربع في الماضي.

تستفيد كل من تركيا وليبيا من الاتفاقية، حيث بنت الدولتان الاتفاقية استنادًا إلى نقاط في البر الرئيسي بين البلدين، وكانت هناك محادثات بين اليونان وليبيا في سابقة وفشلت بسبب الإصرار اليوناني على الحصول على حقوق استنادًا إلى جزر صغيرة ليس لها اعتبار قانوني.

تقدم حكومة الوفاق لتركيا مصلحة مهمة وهي أن تركيا ليست وحدها في مواجهة كتلة إقليمية تضم مجموعة كبيرة من الدول في اللعبة شرق المتوسط وتدعمها دول الاتحاد الأوروبي وتحديدًا فرنسا، لكن على الجانب الآخر من المتوقع أن تثير الاتفاقية ردود فعل من الدول المستاءة تشمل العديد من الخطوات وهي عقد هذه الدول اتفاقيات مشابهة فيما بينها لتعقيد المشهد والعمل على نزع الشرعية عن حكومة الوفاق من خلال برلمان طبرق أو من خلال القوة عبر حملات حفتر وهو الأمر الذي أصبح أكثر صعوبة بعد إصرار تركيا على الوقوف خلف حكومة الوفاق ودعمها أمنيًا وعسكريًا.

ما لم تكن هذه الحقائق فرصة لفتح حوار ثنائي أو حوار ترعاه الأمم المتحدة بين هذه الدول وهو خيار أقل احتمالًا، فرغم وجود تصريحات يونانية رسمية تدعو للحوار فإن ردود الفعل المتبادلة بين تركيا وليبيا من جهة وبقية دول شرق المتوسط من جهة أخرى قد تجعل من المنطقة البحرية المنطقة الأكثر سخونة في الشرق الأوسط خلال الفترة القادمة.

وعلى كل الأحوال ثبتت تركيا حقيقة جديدة مستفيدة من شرعية حكومة الوفاق التي تحتاج لدعم عسكري وأمني للحفاظ على وجودها خاصة مع عدم وجود إدانة قوية للحملة الأخيرة التي شنها حفتر للسيطرة على طرابلس بل حصل على دعم مصري وإماراتي وفرنسي وروسي. ولهذا جعلت المبادرات الأحادية التي أقصت تركيا من ترتيبات مستقبل شرق المتوسط رغم كونها دولة مهمة وجارة وكذلك حملة حفتر العسكرية للقضاء على حكومة الوفاق من الاتفاق التركي الليبي ضرورة لمواجهة التهديدات المشتركة وتحقيق المصالح المشتركة أيضًا.

في إطار بحث تركيا عن المكانة في تنافسها مع اليونان ودول شرق أوسطية أخرى فإن مراكمتها لنقاط القوة في هذه المنطقة المهمة يبدو خيارًا غير قابل للتراجع وقد استفادت من هذه اللحظة التي اشتركت فيها مصالحها مع حكومة الوفاق.