وقفة للتضامن مع اللاجئين في أوروبا

تموج وسائل الإعلام المختلفة، بشتى أنواعها، في موجات لا حدود لها من التحيز والتمييز، فيما يقع بعضها في فخ الكراهية، الأمر الذي يخرج الوسيلة ذاتها عن سياقها الموضوعي ويفقدها مصداقيتها لدى المتابع، وهو ما ينسف الإطار القيمي من جذوره.

خضوع الوسيلة أو الصحفي ذاته لأسر معتقدات بعينها يطيح بالمهنية المنشودة ويضرب بميثاق الشرف المزعوم عرض الحائط، هذا بخلاف تداعياته الكارثية التي ربما تعيد تشكيل الرؤى والمواقف وتفسيراتها بشكل كبير، ربما يأخذ بها إلى مناحٍ أخرى، كثير منها قد يكون مناقض تمامًا لواقع الحدث ذاته، هذا بخلاف الأضرار المتوقع حدوثها بحق المستهدفين بتلك الخطابات التي يدفع بعضها حياته ثمنًا لها.

"دليل تجنب التمييز وخطاب الكراهية في الإعلام"، أحدث إصدرات معهد الجزيرة للإعلام الذي جاء بهدف وضع بعض الأسس والثوابت للتفرقة بين التحيز والتمييز، وكيفية الخروج من دائرة التمييز إلى فخ الكراهية، مع تقديم إرشادات عامة للصحفيين لتجنب الولوج في هذا المستنقع.

الدليل الذي جاء في 40 صفحة يعتبر وفق ما ذكر في مقدمته مرجعًا مهنيًا لا غنى عنه للصحفيين، ليكمل سلسلة الإصدارات التي تسلط الضوء على المسائل الجدلية في مجالات الإعلام والصحافة من بينها "صحافة البيانات" و"فن التقصي" و"إنتاج الفيديو لشبكات التواصل الاجتماعي" و"الصحافة في زمن الحرب".

التمييز وخطاب الكراهية

يقول الدليل إن "التمييز" مصطلح قانوني متعارف عليه دوليًا لتعريف أي حالة يحدث فيها استثناء أو تقييد أو تمييز لشخص أو جماعة على أساس العرق أو اللون أو النسب، بما يؤدي إلى تقييد ما يتمتعون به من حقوق الإنسان، وقد يحدث التمييز من الصحفيين بشكل غير مقصود.

ويعرف هذا المصطلح بأنه "أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس أي سبب كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغير السياسي، مما يستهدف تعطيل أو عرقلة الاعتراف لجميع الأشخاص على قدم المساواة بجميع الحقوق والحريات أو التمتع بها أو ممارساتها".

الوسيلة الأبرز لوقوع الصحفي أو الوسيلة الإعلامية في التمييز هي ما يسمى بـ"التحيز"، فحينما يكون كاتب المادة متحيزًا لفكرة أو منهج أو توجه أو شخص أو موقف ما فإن ذلك ينعكس بالطبع على المنتج الإجمالي لما يكتب

أما مصطلح الكراهية فظهر في أواخر الثمانينيات بالولايات المتحدة لأول مرة لتعريف الخطاب الإعلامي الذي يتعمد نشر أو تبرير الكراهية تجاه جماعة عرقية أو قومية، وقد اقترح مجلس أوروبا تعريف "الخطاب المحرض على الكراهية" بأنه "جميع أشكال التعبير التي تنشر أو تحرض أو تشجع أو تبرر الكراهية العرقية أو كره الأجانب أو معاداة السامية أو غير ذلك من أشكال الكراهية المبنية على التعصب".

كيف يقع التمييز في الخطاب الإعلامي؟

الوسيلة الأبرز لوقوع الصحفي أو الوسيلة الإعلامية في التمييز هي ما يسمى بـ"التحيز"، فحينما يكون كاتب المادة متحيزًا لفكرة أو منهج أو توجه أو شخص أو موقف ما فإن ذلك ينعكس بالطبع على المنتج الإجمالي لما يكتب، وهنا يعرف التحيز بأنه "ميل أو تحامل على شخص أو مجموعة بطريقة غير عادلة أو التركيز أو الاهتمام بموضوع أو زاوية محددة".

وعن أشكال التحيز التي من الممكن أن يقع فيها الكاتب بالإعلام فتنحصر في أشكال ثلاث: الأول التحيز التحريفي الذي يشمل الأخبار التي تسعى لتحريف الحقيقة، ثانيًا التحيز المتعلق بالسياق وذلك عندما يبرز في الخبر توجه سياسي أو أيديولوجي محدد، ثالثًا التحيز في قرار التحرير، دوافع المحرر التي توجهه لاتخاذ موقف مسبق فينتج محتوى متحيزًا.

وهنا سؤال آخر: هل كل تحيز يعتبر تمييزًا؟ والإجابة بالطبع لا، فتحيز الصحفي لطرف على حساب آخر وبما يخل بالمهنية والموضوعية، ليس شرطًا أن يكون مؤشرًا على وقوع الكاتب في فخ التمييز، وذلك حسبما يشير الباحث في التنمية الدولية والقانون الدولي إحسان عادل.

عادل في مقال تضمنه الدليل أشار إلى أن الصحفي يقع في التمييز إذا تضمنت قصته الصحفية توجيهًا مباشرًا أو غير مباشر، لاستثناء أو تقييد أو تمييز في حقوق الإنسان تجاه شخص أو جماعة، وذلك بسبب هويتهم العرقية أو لونهم أو جنسيتهم أو لغتهم أو دينهم، ومن ضمن ذلك أيضًا الترويج لتفوق جماعة على أخرى بسبب هويتها العرقية أو لونها أو التحريض على العنف تجاه شخص أو جماعة لذات الأسباب.

أما خطاب الكراهية فإن الصحفي يكون قد مارسه إذا أطر في قصته الصحفية الأشخاص أو المجموعات بناءً على هويتهم وتشويههم بطريقة سلبية، وذلك بقصد نشر الكراهية تجاههم أو التحريض ضدهم، أو تبرير ذلك، وليس شرطًا أن تتضمن القصة خطابًا مباشرًا للكراهية حتى يقع الصحفي تحت طائلة هذه الجريمة، بل كذلك النظر إلى السياق العام للمادة ومدى وجود جو عدائي وإن لم يكن واضحًا بالشكل الكامل.

أسباب التحيز

أورد الدليل 5 أسباب للتحيز، أولها: التحيز من أجل التأثير على السياسة العامة، فممارسة الوسيلة الإعلامية للتحيز في التغطية يمنحها دورًا في التأثير على القرار السياسي داخل بلد ما (سلبًا أو إيجابًا)، ثانيها: تفضيلات شريحة القراء للمؤسسة الإعلامية، فخدمة العامة ومراعاة مواقف الرأي العام تفرض على الصحفيين في تغطيتهم لبعض القضايا الانحياز لطرف على حساب الآخر.

أما ثالث تلك الأسباب فهي التشريعات الحكومية وضغوط رجال السياسة، إذ تُجبر وسائل الإعلام على ممارسة تحيز معين في تغطية قضايا محددة لخدمة أجندة الحكومة أو رجال السياسة ويتضح ذلك بشكل أكبر في الدول غير الديمقراطية، كما تأتي المواقف الشخصية للصحفيين أنفسهم كأحد أسباب التحيز، فقد يكون للصحفي مواقف ما تنعكس بشكل أو بآخر على طريقة معالجته للمادة.

وخامس أسباب التحيز التي ربما تعد الأكثر انتشارًا في هذا الوقت، الأجندات التي يفرضها الممول على المؤسسات الإعلامية وكذلك المعلنين، فجهات التمويل عادة ما يكون لديها أجندات سياسية تسعى لتنفيذها فتوظف بذلك مؤسساتها والعاملين بها على ترجمة ذلك واقعيًا.

ومع ذلك يبقى في الاعتبار أنه ليس كل تحيز في الصحافة يعني ممارسة للتمييز أو ترويجًا لخطاب الكراهية، فهناك مواد تتحيز للعامة في مواجهة السلطة المستبدة، أو تتحيز لصالح الصوت الأضعف مقابل الصوت المهيمن أو تتحيز للحقيقة في وجه الدعاية السياسية الموجهة، فمثل هذا النوعيات من التحيز لا تدخل في إطار التمييز المقصود.

ما المخاطر المحتملة؟

الضرر المترتب على خطاب التمييز أو الخطاب الذي يحض على الكراهية في الإعلام لا يقتصر على إيذاء مشاعر الأفراد أو الجماعات التي استهدفتها تلك الخطابات فقط، بل إنه يساهم في ارتكاب العديد من الجرائم بسبب ما غذاه هذا الخطاب في نفوس شرائح مجتمعية معينة.

الدليل استعرض خطورة التحيز ونشر الكراهية في الإعلام من خلال عدة أحداث، ومنها ما ذكرته دراسة سويدية من ارتباط بين ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي من منشورات معادية للاجئين والمهاجرين والاعتداءات ضدهم، ودراسة أخرى في بلغاريا توصلت إلى ذات النتائج، حيث تضاعفت الجرائم العنصرية بسبب خطاب الكراهية المنتشر عبر منصات السوشيال ميديا.

التأثير لم يقتصر على الغرب فقط، ففي العالم العربي، نشرت عدة وسائل إعلام لبنانية وأردنية تغطيات متحيزة ضد اللاجئين السوريين، مما ساهم في خلق نظرة سيئة تجاههم داخل المجتمع، ففي موقع تابع لإحدى القنوات اللبنانية نُشر تقرير يربط بين انتشار السرطان في لبنان وزيادة أعداد اللاجئين، استنادًا إلى رأي أحد الأطباء ودون سرد أدلة تؤكد ذلك.

وفي الإطار ذاته تطرق الدليل إلى ما يسمى بـ"الذعر الأخلاقي" وهو المفهوم الذي يقصد به اتخاذ وسائل الإعلام موقفًا تتعدى فيه المخاوف العامة التهديدَ الموضوعي الذي يشكله المجتمع تجاه فرد أو جماعة، فدرجت بعض وسائل الإعلام طوال عقود على بث الذعر من بعض العصابات ومظاهر العنف المدرسي، لتصل مؤخرًا إلى تنميط المهاجرين واللاجئين بصفتهم مصدرًا للجرائم والأمراض والفقر والكثير من مشاكل المجتمع.

وأخيرًا.. كيف يمكن تجنب الوقوع في هذا الفخ؟

في الفصل الأخير يقدم الدليل قائمة أسئلة يطرحها الصحفي على نفسه في كل مرحلة من مراحل إعداد المادة لتجويدها موضوعيًا وأخلاقيًا، تساعده في تجنب الخطاب التمييزي أو التحريض على الكراهية، بدءًا من اختيار الموضوع ووصولًا إلى التقييم الأخلاقي للمادة قبل نشرها، كما يقدم الدليل نماذج للتقييم تمكّن الصحفي من حل المعضلات الأخلاقية التي قد تواجهه.

أولًا: مرحلة التخطيط للقصة.. وهنا يجب على الصحفي أن يسأل نفسه عدة أسئلة: لماذا يجب أن أغطي هذه القصة؟ ما الفائدة المتوقعة من تلك التغطية؟ ما الجوانب الغائبة في الإعلام عن هذه القصة؟ ما أسوأ طريقة يمكن عمل القصة بها؟ ما الطريقة المثلى لتغطية القصة؟ وما المصادر؟ وأخيرًا.. هل درست ظروف المصادر وخصوصيتها؟

وفي هذه المرحلة على الصحفي الالتزام ببعض الخطوات منها: بناء خلفية معرفية عن الحدث الذي سيعمل عليه وتحديد مصادر القصة (المصادر كافة) والتحقق من المعلومات وصحتها قبل استخدامها وذلك عبر عدد من الآليات التي يمكن من خلالها التيقن من دقتها.

على الصحفي أن يسأل نفسه ابتداءً، هل اطلعت المصادر على موضوع القصة وأخذت موافقتهم على التصريح أو الظهور؟ 

ثانيًا: مرحلة إنتاج القصة.. وهنا على الصحفي أن يسأل نفسه ابتداءً، هل اطلعت المصادر على موضوع القصة وأخذت موافقتهم على التصريح أو الظهور؟ هل وازنت بين المصادر التي اخترتها ومنحتها حق التعليق على المعلومات التي ترتبط بها؟ هل كانت الأسئلة المطروحة مناسبة لموضوع القصة؟ وأخيرًا.. هل أخذت المعلومات التي وردت في القصة من عدة مصادر مختلفة؟

وهنا بعض الإرشادات الواجب مراعاتها: الحرص على وضع الأسئلة المناسبة لكل مصدر وإنجاز المادة في الميدان بعيدًا عن المكاتب المغلقة ومراجعة تصريحات المسؤولين وتقييم ما إذا كان بها محتوى يحض على الكراهية أو العداء والتأكد من فهم خصوصية المجتمعات ومراعاة السياقات الثقافية والدينية والاجتماعية، إلخ، بجانب ضرورة مراجعة القصص الصحفية المنشورة قبل ذلك عن الحدث ذاته، والتأكد من تقييم مضمون المحتوى سواء كان تصريحات أم صور أم مقاطع فيديو مع التفكير في عواقب استخدمها بأي طريقة كانت.

ثالثًا: مرحلة كتابة القصة.. والأسئلة التي يجب أن يسألها الصحفي لذاته تتمحور في: هل صغت القصة بطريقة موضوعية والتزمت برواية المصادر؟ هل وضعت الجمل أو المصطلحات التي تحمل موقفًا ضمن علامات اقتباس ونسبتها لمصدرها؟ هل منحت كل تصريحات المصادر وزنًا مماثلًا داخل القصة؟ هل قيمت التصريحات الواردة في القصة وحجم الضرر المتوقع منها؟ وأخيرًا: هل أوردت فقط المعلومات التي سمح لك المصدر بتضمينها في قصتك؟

وفي هذه المرحلة عدد من التنويهات على رأسها الابتعاد عن التعميم أو استخدام المصطلحات الفضفاضة التي تقبل أكثر من تأويل وعدم التعامل مع البيانات الواردة من جهات غير رسمية أو غير موثوق بها لا سيما في المعلومات التي تحتكرها جهات محددة، هذا بجانب تجنب عمل استنتاجات شخصية داخل القصة، ومنح الأقلية صوت بشكل مكافئ للصوت المهيمن.
 

رابعًا: مرحلة التقييم الأخلاقي للقصة.. وفي النهاية يجب على معد القصة أن يسأل نفسه تلك الأسئلة: ما الضرر المحتمل من نشر القصة؟ وما الفائدة كذلك؟ هل لدي مبررات مهنية كافية لنشر القصة؟ وهل كان بإمكاني تفادي ضرر محتمل؟ هل كان معياري الوحيد في تقييم القصة خدمة المصلحة العامة فقط أم أهداف أخرى ربما تؤثر على معالجة القصة؟ وأخيرًا: هل تقوم القصة على تنميط أو تشويه شخص أو مجموعة بناء على هويتهم؟ وفي حالة عدم وجود إجابة عن هذه الأسئلة على الصحفي مراجعة نفسه مرة أخرى.