شكلت الاحتجاجات الشعبية في بغداد ومن ثم بيروت مرورًا بطهران، حالة من عدم اليقين السياسي بالنسبة لصانع القرار الإيراني، حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأحداث في هذه المناطق، وعلى الرغم من هدوء الأوضاع في طهران، إلا أن الأوضاع في العراق ولبنان لازالت تشي بشيء من التأثير الكبير الذي تعرضت له الكاريزما السياسية الإيرانية في المنطقة، فنحن لسنا أمام ساحة صراع مسلح لتدفع من خلالها إيران بمليشياتها المسلحة لإخمادها بعناوينها العريضة، بل أمام حركات احتجاجية نزعت من يد إيران الضد النوعي الذي يمكن أن تواجه به هذه الاحتجاجات وتداعياتها.

والأكثر من ذلك، أن النظام السياسي في إيران بدا غير قادر على استيعاب الصدمات السياسية في الداخل والخارج، فإلى جانب الإجراءات الحكومية الإيرانية الداخلية المتمثلة بقطع خدمة الإنترنت، والقبض على شبكات تجسس، واعتقال الآلاف من طلبة المدارس والجامعات المشاركين في الانتفاضة الأخيرة، إلا أن الوضع الخارجي ليس بأفضل من ذلك، إذ شكلت عمليات القتل والخطف والاغتيال التي يتعرض لها الناشطون والمتظاهرون في الاحتجاجات الشعبية في العراق ولبنان تحت عناوين الطرف الثالث أو المجهولين، نموذجًا اخر من التعامل الإيراني مع الصدمة، مايعني أن النفوذ والقوة الإيرانية أصبحت أمام تحديات حقيقية، قد تضر بمجمل المشروع الإستراتيجي لطهران في الشرق الأوسط.

صورة الاحتجاجات

وأشارت ردود الأفعال العنيفة الناجمة عن الاحتجاجات في العراق ولبنان، إلى إلغاء فكرة حلول الوسط على مايبدو، وبدلًا من ذلك، أصبح استخدام الرصاص الحي والقنابل اليدوية وصفارات الإنذار وغيرها، إلى انعدام فرص الحل السياسي السلمي بنسبة كبيرة، خصوصًا وأن إيران راهنت على الحلول الأمنية منذ بدأ الاحتجاجات، تمامًا كما يحدث في لبنان الآن، إذ يلعب حزب الله، وهو أهم ذراع لإيران في سياستها الخارجية، دورًا رئيسًا في شؤون البلاد.

عندما تمت هزيمة تنظيم داعش بدءًا من عام 2017، وقبل ذلك التوقيع على الإتفاق النووي عام 2015، والذي أتاح لإيران التغول العسكري والسياسي في مختلف ساحات المنطقة، ماسمح لإيران بالنهاية بالسعي لتحقيق طموحاتها القديمة بتعزيز وجودها على شواطئ البحر المتوسط ​​والحدود الشمالية لـ"إسرائيل"، إذ حصلت إيران على حصة في ميناء اللاذقية السوري، وأنشأت موطئ قدم على مرتفعات الجولان السورية، وخط إمداد بري من طهران عبر العراق وسوريا، وما بعدها إلى لبنان.

إذ تشير التقارير الاستخبارية الأمريكية إلى أن الطريق البري الذي افتتحته إيران بعد هزيمة تنظيم داعش بحد ذاته هو خليط من الطرق على طول الحدود العراقية / السورية، حيث لم يتم إنشاء طريق ثابت بعد، إذ أثبتت الضربات الجوية الإسرائيلية المستمرة في سوريا، بأن إيران لم تتأثر كثيرًا، كما إن انسحاب القوات الأمريكية المفاجئ من شرق نهر الفرات، ومن ثم الإبقاء على عدد محدود من الجنود حول حقول النفط في دير الزور، شكل متنفسًا إستراتيجيًا لتنظيم داعش لإعادة تنشيط عملياته النوعية في مناطق البادية والجزيرة، وهي نفس الطرق التي تنتشر فيها المليشيات العراقية والأفغانية، كما أن الطرق المؤدية إلى دمشق ومن الغرب إلى بيروت، أو إلى الشمال الغربي من اللاذقية هي أقل مشكلة، بل والأكثر من ذلك يمكن القول بأنه من الصعب مراقبة أين تذهب الأمور في هذه المنطقة الجغرافية التي تشهد وجودًا عسكريًا كثيفًا.

إذ لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، وحتى بعض القوى العربية على مدار السنوات الثماني الماضية، من وضع حد لأدوار إيران و"حزب الله" في سوريا،  اللذان لعبا دورًا بارزًا في تحقيق الاستقرار لنظام بشار الأسد منذ أوائل عام 2013، وتحت إشراف قائد قيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وبالتعاون مع الميليشيات المسلحة من كل من العراق وأفغانستان وباكستان، ما ساهم في تعزيز قوس النفوذ الإيراني، ماجعل إيران تقوم ببناء المزيد من الزخم الإستراتيجي لمشروعها المذهبي في المنطقة.

قد أثبت النظام السياسي في إيران بأنه يعيش حالة تصفية ثورية في كل مرحلة من مراحل تطوره

وفي إطار ما تقدم يمكن القول بأن إيران لايمكنها ضبط إيقاع نفوذها الإقليمي، وفرض إرادتها السياسية إلا عن طريق العنف المسلح، وهو ما أوضحته التجربة السياسية الإيرانية في التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية في إيران للأعوام 1997 – 2009 – 2017 – 2019، وما أوضحته أيضًا سياساتها الأمنية في الحرب على داعش والتنظيمات المسلحة الأخرى في الساحة السورية، وقد أثبت النظام السياسي في إيران بأنه يعيش حالة تصفية ثورية في كل مرحلة من مراحل تطوره السياسي، ففي كل مرحلة أقدم المرشد الإيراني علي خامنئي على إيجاد قرابين سياسية لهذا النظام، فعل ذلك مع الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وهو ماقد يفعله مع الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني.

كانت سوريا نقطة تحول هائلة بالنسبة للمشروع الإستراتيجي الإيراني، إلا أن مايحصل في العراق الآن، قد يشكل نقطة تحول هائل أيضًا بالنسبة لإيران، خصوصًا وأن المتظاهرين العراقيين بدؤوا يتحدثون مع بعضهم البعض عن الهوية والحدود الوطنية، وهو ماقد يشكل عملية تآكل للوجود الإيراني في العراق، بل إن الإصرار الإيراني على الدفع المستمر نحو الحلول الأمنية جعل منها مجرد دولة شرق أوسطية قمعية تحكمها نخبة جشعة تخدم نفسها بنفسها، ولا يمكنها حتى أن تتخيل العمل السياسي السلمي، ناهيك عن إدراك كيف سيبدو التطور السياسي السلمي، فما يحصل اليوم في العراق ولبنان، من خلال خروج حركات اجتماعية عابرة للطوائف إلى الشوارع، مع إنهيار الأوضاع الخدمية والمعيشية في هذين البلدين، يشير إلى أن المحتجين عبروا نقطة اللاعودة، كما أنه قد يكون لديهم الكثير ليخسروه في حالة مغادرة الشارع، أكثر مما يفعلون من خلال البقاء هناك.