الفنان المقاول محمد علي

في الـ20 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلن الفنان المقاول محمد علي، إطلاق ما وصفه بـ "مشروع وطني جامع للمعارضة" هذا المشروع عبارة عن وثيقة للتوافق بمشاركة مختلف القوى السياسية المصرية في الخارج، بهدف عرضه على الشارع المصري للاستفتاء عليه بآليات محددة كمقدمة لإسقاط نظام الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي.

الفنان المثير للجدل منذ ظهوره للإعلام قبل عدة أشهر وكشفه لبعض أوجه الفساد داخل هيئات القوات المسلحة المصرية، قال خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة البريطانية لندن مؤخرًا: "جميع التيارات السياسية المعارضة تتواصل معي حاليًّا من أجل الإطاحة بالسيسي".

ومن خلال مقطع مصور نشره على صفحته الرسمية بموقع "فيسبوك" أمس الجمعة 27 من ديسمبر كشف أنه التقى ممثلين عن كل التيارات السياسية والفكرية التي وجدها في "حالة إنهاك شديد بسبب استهداف النظام لها بشكل مستمر"، مشيرًا إلى أنه عمل معها جميعًا على إيجاد نقاط عمل مشتركة يتجنبون بها مواطن الخلاف، للعمل على إنقاذ مصر وعودة الحرية والكرامة والعدالة، على حد قوله.

تحرك هو الأول من نوعه في إطار التنسيق السياسي الميداني بين كل التيارات بمختلف توجهاتها، بعيدًا عن الوقوف عند حاجز السجال الإعلامي وتهيئة الأجواء لرفض سياسات النظام عبر افتضاح بعض سياساته وما نجم عن ذلك من شحن للشارع ترتب عليه خروج عشرات التظاهرات المنددة في تحرك لم يشهده الشارع منذ سنوات.

وشهدت الساحة منذ 2014 وحتى اليوم عشرات المبادرات والرؤى للخروج من المأزق، لكنها سرعان ما لفظت أنفاسها الأخيرة حتى قبل ولادتها، لكن في الوقت ذاته لا يمكن إنكار أن كل مبادرة في هذا الإطار تنجح في تحريك الصخرة رويدًا رويدًا وإن لم يكن بالشكل المثير للاهتمام، ولعل هذا ما يفسر القلق الرسمي مع كل مرة تثار فيها مثل هذه التحركات، وصل الأمر إلى اعتقال بعض أصحابها كما هو الحال مع الأكاديمي حسن نافعة والدبلوماسي معصوم مرزوق الذي أُفرج عنه مايو الماضي بعد 9 أشهر من الاعتقال.

8 مبادئ حاكمة

بداية وصف المقاول ما حدث في يوليو/تموز 2013 بأنه "انقلاب عسكري ضد رئيس منتخب"، لافتًا إلى أنه بعد وفاة هذا الرئيس المنتخب محمد مرسي أعلن الإخوان أن الشرعية آلت إلى الشعب المصري، مستعرضًا وثيقته التي تضمنت 8 مبادئ رئيسية حاكمة و11 بندًا لأولويات العمل خلال المرحلة المقبلة.

المبدأ الأول الذي أكده في وثيقته أن نظام الحكم في مصر مدني ديمقراطي يقوم على العدل وسيادة القانون، الشعب فيه مصدر السلطات، مع ضمان الفصل بين السلطات الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، بالإضافة إلى استقلال الإعلام، ورقابة بعضهم البعض، والتداول السلمي للسلطة.

مؤكدًا في الوقت ذاته أهمية تعزيز حق المواطنة، والمواطنون والمواطنات والأقليات والمهمشون جغرافيًا وتاريخيًا، مثل سكان سيناء والنوبة والبدو، متساوون في الحقوق والواجبات، ومنع التفرقة بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الأصل أو العقيدة أو الطبقة الاجتماعية.

اختتمت الوثيقة بنودها بضرورة إعادة النظر في قوانين الانتخابات المعمول بها حاليًّا، ووضع قوانين أخرى بحيث تضمن المساواة بين المرشحين كافة

علاوة على ضرورة احترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقًا للمواثيق الدولية والقانون الدولي كحد أدنى، مع ضمان حرية الرأي والفكر والتعبير والعقيدة والعبادة والتنقل، وحرية التواصل والتجمع السلمي والتظاهر والإضراب.

كما تضمنت ضمان حرية إنشاء وإدارة الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية والمؤسسات الدينية، وكل منظمات المجتمع المدني غير الحكومية بالإخطار، من خلال قوانين تكفل استقلالها وتنظم العلاقة بينها وبين الدولة والأحزاب السياسية برامجها قابلة للنقد دون الاحتجاج بأسباب دينية أو عقائدية أو غيرها.

وقد اختتم تلك المبادئ الرئيسية بتأكيد أهمية العدالة الانتقالية كضمانة لتحقيق المصالحة المجتمعية، وتقوم على أساس الوفاء العادل بحقوق الشهداء والمصابين والمعتقلين، وعلى المصارحة وكشف الحقائق عن جرائم حقوق الإنسان المرتكبة منذ ثورة 25 يناير عبر لجان تتمتع بالاستقلالية والخبرة، وتشمل تلك الإجراءات آليات فعالة لجبر الضرر والتعويض والاعتذار العلني، وضمان عدم تكرار تلك الجرائم وإنشاء آليات للمحاسبة والتقاضي عبر قضاء ومحاكم مستقلة لا تجنح للانتقام.

أولويات العمل

وضع علي في وثيقته 11 بندًا فرعيًا لأولويات العمل خلال الفترة المقبلة، على رأسها التوافق في ظل مشروع وطني جامع يشمل كل التيارات المصرية لتحقيق مبادئ ثورة 25 يناير 2011 (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وتغيير النظام الحاكم باعتباره المسؤول عن كل ما جرى من قمع وفساد وبيع للأرض، وتفريط في المياه والثروات الطبيعية، وانهيار اقتصادي واجتماعي، وصولًا لتدهور غير مسبوق في عهد النظام الحاليّ.

بجانب إطلاق سراح كل السجناء السياسيين والمعتقلين على ذمة قضايا ملفقة ومعتقلي قضايا الرأي وإسقاط هذه القضايا، وإلغاء قرارات الفصل التعسفي الجائرة وقرارات مصادرة الأموال والممتلكات، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية، والدخول في مرحلة انتقالية على أسس توافقية وتشاركية بين كل التيارات الوطنية المصرية، من أجل إنقاذ الوطن، عن طريق المشروع الوطني الجامع الذي يشمل اتخاذ إصلاحات اقتصادية عاجلة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والعمل على الانتقال الديمقراطي وإصلاح دستوري شامل، وصولًا إلى انتخابات ديمقراطية تنافسية في نهاية المرحلة الانتقالية.

علاوة على رفع معدل النمو الاقتصادي لتحسين مستوى المعيشة وعلاج الفقر والتعامل مع ملف الديون، مع ضمان عدالة توزيع الثروة من خلال إصلاح المنظومة الضريبية والانحياز للتنمية البشرية عن طريق منظومة تعليمية وصحية حديثة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين الشباب وتعزيز قدراتهم.

كما أكد ضرورة رفض الانقلابات العسكرية وتجريمها، وحصر دور المؤسسة العسكرية في حماية حدود الوطن والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه، ولا يجوز لها التدخل في الحياة المدنية أو السياسية أو الاقتصادية، وتخضع المؤسسة العسكرية لرقابة الهيئات النيابية المنتخبة، وكذلك تخضع ميزانيتها وإنفاقها ومشروعاتها وحسابات كبار ضباطها لرقابة الهيئات الرقابية والمالية.

وفي الإطار ذاته وضع نظامًا محددًا للفصل بين السلطات على رأسها الاستقلال التام للسلطة القضائية بما في ذلك النائب العام، وإعادة هيكلة قوانين تنظيم القضاء، بحيث تخضع لموافقة السلطة التشريعية ورقابتها، ووقف إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وتنحصر ولاية القضاء العسكري فقط على الجرائم العسكرية التي تقع من أفراد من القوات المسلحة.

أكثر ما يميز الوثيقة الحاليّة أنها لم تتطرق إلى فكرة المصالحة كما عزفت المبادرات الأخرى، بل ارتكزت في الأساس على وضع أرضية مشتركة يتفق عليها الفريق المناوئ للنظام الحاليّ

إضافة إلى إعادة هيكلة الشرطة وإخضاع وزارة الداخلية لرقابة القضاء والهيئات النيابية المنتخبة، ووضع منظومة شاملة لمكافحة الفساد المالي والإداري والسياسي داخل مؤسسات الدولة، ومراجعة الاتفاقات الخارجية التي أبرمها النظام الحاليّ، التي من شأنها التنازل عن أرض مصر والتفريط في ثرواتها الطبيعية وإهدار مياه النيل.

وقد اختتمت الوثيقة بنودها بضرورة إعادة النظر في قوانين الانتخابات المعمول بها حاليًّا، ووضع قوانين أخرى بحيث تضمن المساواة بين المرشحين في الإمكانات المالية والظهور الإعلامي، ومنع الحصول على أي تمويل من الخارج في العملية الانتخابية لضمان عدم تدخل جهات أجنبية في الشؤون الداخلية المصرية.

أرضية مشتركة

تباينت ردود الفعل الأولية حيال بنود الوثيقة التي جاءت وفق ما ذهب البعض، ملبية لطموحات الكثير من المصريين المعارضين للنظام الحاليّ، وأنها تصلح لأن تكون أرضية مشتركة يتفق عليها الجميع في ظل تجردها الكامل من أي انتماءات طائفية أو دينية وإعلاءها للمصلحة العليا للدولة.

وفي هذا الإطار علق رئيس حزب "غد الثورة" المصري، أيمن نور، قائلًا: "الوثيقة الوطنية التي عرضها محمد علي تعبر بشكل واسع عن قضايا توافقت عليها الجماعة الوطنية المصرية خلال السنوات الماضية".

وأضاف نور في تغريدة على صفحته على "تويتر": "يمكن البناء عليها في المرحله القادمة"، مؤكدًا تأييده للوثيقة قائلًا: "أؤيد ما ورد في الوثيقة من نقاط وقضايا تعبر عن مستقبل مصر بعد رحيل السيسى ونظامه".

الأمر ذاته أكده الصحفي سامي كمال الدين الذي يرى أنه من خلال تلك الوثيقة "نستطيع تحويل مصر من شبه دولة إلى دولة مدنية ديمقراطية تليق بالشعب المصري وبمكانة مصر بين الأمم.. من ديكتاتور عميل أضاع مكانتها إلى دولة تليق بماضيها وحاضرها ومستقبلها".

وأضاف في تغريدة له على "تويتر" أن الوثيقة "تدعو إلى الدولة الديمقراطية التي نحلم بها جميعًا.. التي لا أظن أن أحدًا يختلف حول بنودها.. أو حتى عن صاحب الطرح لها في وطن جامع.. استمعوا اليوم إلى بنودها حتى تدركوا أن شعب مصر يستحق دولة تليق به وليس شبه دولة كما يريدها السيسي".

الداعية الإسلامي الشيخ سلامة عبد القوي أعلن هو الآخر تأييده للوثيقة واصفًا إياها عبر حسابه على "تويتر" بأنها: "خطوة جيدة على الطريق للعمل سويًا من أجل إسقاط الحكم العسكري وعودة مصر لشعبها".

ورغم تأييد الناشط الحقوقي عمرو عبد الهادي لها، فإنه تناول بعض البنود التي يجب أن تتضمنها الوثيقة منها وجوب الاعتراف بدستور 2012 وسقوط دستور 2014، وإقرار الحفاظ على هوية مصر الإسلامية، مؤكدًا في الوقت ذاته مساندته لما سماه "أي جهد لإسقاط الانقلاب العسكري دون شروط مسبقة وبعدها لكل حادث حديث والرأي للشعب".

جدل بين المغردين

عبر وسم "#وثيقة_محمد_علي" ناقش رواد مواقع التواصل الاجتماعي بنود الوثيقة، حيث جاءت المناقشات بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، هذا بخلاف الهجوم الممنهج من كتائب اللجان الإلكترونية التي رفضت الوثيقة، وسلطت سهام السباب والشتائم والتخوين المعروفة ضد المقاول والتيارات المعارضة المشاركة في إعدادها.

شريحة كبيرة من المغردين أبدت تأييدها الكامل للوثيقة، لا سيما فيما يتعلق ببعض بنودها، إذ أشار البعض إلى أن بند الإفراج عن المعتقلين والمحبوسين وحده يكفي لدعمها والوقوف إلى صفها والقائمين عليها، وذلك من أجل الزود عن كرامة وحرية المصريين المسلوبة من سلطات النظام الحاليّ وفق ما أشاروا.

حيادية الوثيقة وابتعادها على التخندق والتحزب كان أبرز سماتها التي عززت فكرة دعمها وتأييدها، وهو ما أشار إليه حساب يحمل اسم "راميل" حين علق بقوله: "‏وثيقة محمد علي ليبرالية علمانية إسلامية لا حزبية.. الأهم الشعب والشعب فقط وما بعده زفرات وإرهاصات لا معني لها (ثوروا لتعيشوا بعزة وكرامة)".

فيما توقع مصطفى الليثي: "‏في اعتقادي مش هتلاقي مصري يختلف على وثيقة كل بنودها في مصلحته مش هيعترض على الوثيقة دي غير اللي شايف أن محمد علي خاين وممول من الخارج ودا غالبًا هيبقي أحمد موسى وأعوانه".

وفي الجهة الأخرى أبدى بعض المغردين تحفظهم على الوثيقة، كما جاء على لسان ريحانة: "‏لم تأت وثيقة محمد علي بالجديد.. نفس الخطوط العريضة للمبادرات التي تعرض منذ الانقلاب، فقط أزالوا منها بند الشرعية بعد قتل الرئيس الشهيد مرسي (الرئيس الراحل محمد مرسي)، أنا أثمن أي عمل لإسقاط النظام، لأن السؤال أين الجديد، وأين آلية التنفيذ؟".

فيما تساءل كريم: "‏وثيقة محمد علي للمعارضة الشعبية.. هل ستؤيدها الأحزاب والمعارضة أم سنختلف مرة أخرى"، وهو ذات سؤال أم أية "أنا مش فاهمة يعني الوثيقة دي هيتم تطبيقها إزاي يعني زي الملعونة تمرد كده وإلا هيكون إيه النظام؟"، أما يحيى فوجه رسالة قال فيها: "بلاش شق الصف كلنا واحد وهدفنا واحد بلاش تحزب إحنا مع #وثيقة_محمد_علي لأنه أخذ خطوة #الجوكر إحنا معاه في الخطوه اللي هيخدها ومع أي شخص ياخد خطوة في المصلحة العامة".

يذكر أن المشهد المصري لم يرحب بالكثير من المبادرات السابقة (تقدر بالعشرات) التي نادت بالمصالحة وفتح صفحات جديدة، ما أدى لفشلها سريعًا في ظل تمسُّك طرفي الصراع بموقفيهما من الأحداث، سواء جماعة الإخوان، باعتبار ما حدث في الثالث من يوليو/تموز 2013 انقلابًا عسكريًا مكتمل الأركان، أو الجيش الذي يرى أنه استجاب لنداء الشعب الذي تظاهر في الـ30 من يونيو/حزيران 2013، رافضًا استمرار حكم الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان محمد مرسي.

غير أن أكثر ما يميز الوثيقة الحاليّة أنها لم تتطرق إلى فكرة المصالحة كما عزفت المبادرات الأخرى، بل ارتكزت في الأساس على وضع أرضية مشتركة يتفق عليها الفريق المناوئ للنظام الحاليّ، كنواة من الممكن من خلالها تدشين كيان موحد قوي، يجمع تحت لوائه كل أطياف المعارضة الوطنية المصرية.

مدى استجابة التيارات السياسية المعارضة لما جاء في الوثيقة، وتخليها قليلًا عن بعض ملامح خريطتها الأيديولوجية، هو المحك الأول لتقييم مدى نجاحها في لم الشمل مرة أخرى بعدما تشتت السبل بالفريق المعارض في ظل السجال المتواصل بين أطرافه، الأمر الذي من الممكن استغلاله لخلق نقطة مضيئة على الطريق المظلم، ووضع إسترتيجية زمنية وإجرائية لتفعيلها على أرض الواقع، وإلا ستجد الوثيقة مصير ما سبقها.