ارتفع منسوب التوتر المُسجل في الآونة الأخيرة بين الجزائر وفرنسا بعد التصريح الأخير المثير الذي أدلى به نزيل قصر الإيليزيه إيمانويل ماكرون، بشأن فوز عبد المجيد تبون بانتخابات الجزائر الرئاسية، فبنفس التوقيت الذي أعلنت فيه السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، فوز هذا الأخير، أدلى ماكرون بتصريح في نشاط رسمي للاتحاد الأوروبي أوضح فيه أنه على علم بفوز تبون بالانتخابات الرئاسية الجزائرية، لكنه لم يصدر أي ترحيب أو تهنئة، ودعا السلطات العليا في البلاد إلى فتح حوار مع الجزائريين في إشارة منه إلى الحراك الشعبي المستمر منذ 22 من فبراير/شباط الماضي.

غير أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون رفض الرد على تصريحات نظيره الفرنسي وقال في أول مؤتمر صحفي عقده في قصر الأمم بعد انتخابه كرئيس للجزائر: "لن أرد على تصريحات كهذه، فهو حر في تسويق البضاعة التي يريد في بلده، وأنا لا أعترف إلا بالشعب الذي انتخبني، ومستعد للحوار مع كل الأفراد دون أي تفرقة وكذا المتنافسين الأربع".

لكن لغة الجسد التي استخدمها تبون وهو يرد على تصريحات الصحفيين كانت كافية لإظهار التوتر المسجل بين البلدين في الآونة الأخيرة.

وتخلَف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن تقديم التهاني للرئيس الجديد، في وقت هنأته كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية وإسبانيا وإيطاليا ودول أخرى عربية وإفريقية، ولم يسجل هذا الموقف خلال العقدين الماضيين من الزمن، حيث كانت باريس سباقة لتهنئة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في العهدات الأربعة التي فاز بها.

على النقيض من ذلك ذهب الرئيس الجزائري الجديد، خلال حملته الانتخابية، إلى القول: "مشكلة الجزائر ليست مع فرنسا الرسمية، وإنما مع بعض الدوائر المعادية لبلادنا"، وألمح إلى بعض الأحزاب السياسية والجمعيات وحتى بعض وسائل الإعلام.

حقد شعبي

كذلك نالت فرنسا النصيب الأوفر من الشعارات التي رددها الملايين من الجزائريين الذين شيعوا الفريق أحمد قايد صالح إلى مثواه الأخير بمقبرة "العالية" في الجزائر العاصمة، حيث رددوا شعارات وهتافات مناهضة لفرنسا، إضافة إلى ذلك أقدم مشيعون جزائريون على طرد السفير الفرنسي كزافييه دريانكورت، من مراسم الجنازة.

وأظهر شريط فيديو حقق نسبة مشاهدة عالية على مواقع التواصل الاجتماعي، اُلتقط أمام الشارع الرئيسي المُحاذي لقصر الشعب بأعالي العاصمة الجزائر، آلاف المحتجين وهم يُطالبون ممثل الدبلوماسية الفرنسية في الجزائر بمُغادرة المكان، بعدما حل السفير الفرنسي كزافييه دريانكورت، لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان النائب السابق لوزير الدفاع الجزائري الفريق أحمد قايد صالح.

ملف "الذاكرة" في أروقة العدالة

ثالث مؤشر يبرز مدى توتر العلاقة بين البلدين، إعلان الجزائر مقاضاة فرنسا دوليًا حال واصلت رفضها الاعتراف بجرائهما التي ارتكبتها ضد الجزائريين، وقال وزير المجاهدين في الجزائر (قدماء المحاربين) الطيب زيتوني، إن الجزائر ستسلك كل الطرق وتنتهج جميع الوسائل القانونية التي تُمكنها من استرجاع ملف الذاكرة الوطنية، وأكد أيضًا أنه شرع في تجنيد المنتخبين والجمعيات وكذا مجموعة من المُحامين لطرح الملف بالمحاكم الدولية.

واعتبر المتحدث أن تباطؤ فرنسا في الاعتراف بجرائمها مؤشر على رفضها القيام بذلك، وعاد الوزير الجزائري ليشير إلى أن ملف الذاكرة الوطنية يحمل أربعة فروع أولها ما تعلق بالأرشيف الذي لم تستلم منه الجزائر منذ الاستقلال إلا 2% وما زال موزعًا على أربع هيئات فرنسية (الدفاع والداخلية والعدل والأرشيف الوطني الفرنسي)، أما ثاني فرع فيتعلق بالتفجيرات النووية التي استهدفت سكان الصحراء، أما الثالث فيتعلق بالمفقودين خلال ثورة التحرير، بينما رابع نقطة حملها الملف فتتعلق باسترجاع جماجم المقاومة الوطنية الموجودة بمتحف باريس لأكثر من قرن ونصف من الزمن.

إلى أين تتجه العلاقات بين البلدين؟

عن هذه العلاقة السياسية غير المستقرة والمتذبذبة، توقع البرلماني السابق والناشط السياسي محمد حديبي، تغيُر العلاقات الجزائرية الفرنسية بحكم التغيرات الداخلية الجزائرية، فيقول حديبي لـ"نون بوست" إن الطرف الفرنسي اليوم بين خيارين، يتعلق الأول بإعادة ترتيب أوراق علاقاته مع الجزائر بما يخدم مصلحة البلدين وفق مصالح ومنفعة عامة وليس لصالح جهة دون أخرى، أو الدخول في مرحلة التشنج والضغط وهذا لا يخدم باريس بحكم حاجاتها للجزائر اقتصاديًا وتجاريًا وماليًا وسياسيًا واجتماعيًا.

ويُجمع مراقبون على أن العلاقات بين البلدين محكومة بملفات ثقيلة، ففرنسا تضم جالية تقدر بـ5 ملايين مهاجر على أراضيها، إضافة إلى إحصاء نصف مليون جزائري متقاعد يحصل على منحة التقاعد، كما أنها تعتبر الشريك الاقتصادي والتجاري الثاني للبلاد.

ولم يستبعد المتحدث، إمكانية إعادة الجزائر النظر في العديد من الملفات التي تربطها بفرنسا على غرار الملف الاقتصادي والتجاري والملف السياسي خاصة بعد معطيات تشير إلى تدخل الطرف الفرنسي في الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد.

ليس من السهل على فرنسا خسارة استثماراتها في الجزائر، حيث تعتبر ثاني شريك، فتصدر ما يفوق 6 مليارات دولار للجزائر

وعلى النقيض يستبعد الإعلامي الجزائري أحسن خلاص، إمكانية تأثر العلاقات الجزائرية الفرنسية، ويقول لـ"نون بوست": "العلاقات بين الجزائر وفرنسا لم ولن تتأثر بتغير الرؤساء والحكومات بين البلدين إجمالًا خاصة بعد معاهدة الشراكة بينهما الموقعة في ديسمبر/كانون الأول 2012"، وأرجع بالمقابل أسباب عدم انطلاق المشاريع بين البلدين إلى الظرف الانتقالي الذي تعيشه الجزائر مع الحراك الشعبي الذي تشهده منذ 22 من فبراير/شباط الماضي، كما أن شركة "توتال" ما زالت تسير مصالحها الطاقوية في البلاد، كغيرها من المؤسسات الأخرى.

يقول الخبير الاقتصادي كمال سي محمد: "ليس من السهل على فرنسا خسارة استثماراتها في الجزائر، حيث تعتبر ثاني شريك للجزائر، فتصدر ما يفوق 6 مليارات دولار للجزائر، إضافة إلى مئات الفرنسيين الذين يشتغلون في الجزائر في قطاع المحروقات"، ويشير المتحدث إلى المساعي الفرنسية للاستحواذ على أكبر صفقات النفط في البلاد، واستدل بمساعي شركة "توتال" الفرنسية لاقتناص صفقة شراء شركة أناداركو التي يمتلك فيها الطرف الجزائري أكثر من نصف الأسهم بواسطة شركة سونطراك التي تستحوذ على ربع النشاط النفطي في البلاد، غير أن الجزائر وبتاريخ 9 من ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت رسميًا فرض حق الشفعة على عقد الحيازة الذي أبرم بين "أناداركو" و"كونتينوتال" الذي يشمل أصول الشركة الأمريكية الأولى في الجزائر وعدد من البلدان الإفريقية.

ستمارس شركة سوناطراك النفطية المملوكة للدولة الجزائرية حق الشفعة على المصالح التي تحوزها شركة "أناداركو" في الجزائر، لتقطع الطريق أمام "توتال" الفرنسية في الاستحواذ على حصة ضمن الإنتاج الإجمالي للمحروقات في الجزائر.