لفترةٍ ليست بالقليلة، ظلّت إثيوبيا واحدة من أكثر بلدان العالم تعايشًا بين معتنقي الديانات المختلفة، فمن الطبيعي جدًا في المدن والبلدات الإثيوبية أن تجد مسلمين ومسيحيين ويهود داخل البيت الواحد، صحيح أن الصراعات الداخلية فيها منذ قديم الزمان لكنها كانت صراعات عرقية يندر أن تجد لها خلفية ذات طابعٍ ديني.

ويحفظ للتاريخ للحبشة القديمة التي تشمل إثيوبيا الحاليّة بالإضافة إلى أجزاء من دول الجوار أنها احتضنت صحابة النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- وحمتهم من بطش أقاربهم على فترتين.

ومع أن ملك مملكة أكسوم الحبشية في ذلك الزمن كان مسيحيًا ملتزمًا، فإن نبي الإسلام لم يجد مانعًا من أن يحث أصحابه على اللجوء للنجاشي أصحمة بن أبجر مثنيًا عليه بأنه "ملكٌ لا يُظلم عنده أحد"، وعلى مر التاريخ اعتُبرت مدينة النجاشي الواقعة في إقليم تغراي شمالي إثيوبيا من أقدم المناطق الإسلامية لتبقى شاهدةً على التعايش والمحبة بين المسيحيين والمسلمين في القارة السمراء.

صورة

مسجد النجاشي في إقليم تغراي بعد ترميمه بواسطة تركيا 

اعتداءات على 30 كنيسة إثيوبية

رغم هذا التاريخ المشرّف؛ إلا أن الصراعات العرقية التي تشهدها إثيوبيا بين الفينة والأخرى، بدأت تأخذ طابعًا دينيًا، وإن لم يتدخل العقلاء فإنّ هناك احتمالًا كبيرًا لأن تتحول الصراعات القائمة إلى دينية بدلًا من عرقية، فقبل 3 أشهر تقريبًا انتفضت عدة مدن وقرى إثيوبية على وقع حرق عدد 30 كنيسة جميعها تابعة للكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية.

في الوقت الراهن بشكل عام، يعيش المسلمون والمسيحيون في وئام كما يقيم كل منهما الأعياد بكل حرية دون مضايقات ويتشاركون الاحتفالات وتبادل التهاني بالمناسبات الدينية، كما تعترف الحكومة الإثيوبية التي تتبنى العلمانية بالأعياد المسيحية والإسلامية على حد سواء، إلا أن الأحداث الأخيرة أثارت قلق الاثيوبيين، حيث أعلن رئيس الحكومة آبي أحمد مقتل نحو 90 شخصًا خلال أيام الاحتجاجات التي اندلعت ضده مؤخرًا ثم تحولت إلى اضطرابات عرقية ودينية في بعض المناطق.

وبحسب إحصاءات دولية، فإن نحو 3 ملايين إثيوبي نزحوا من البلاد خلال العام الماضي، فيما انقسم البعض بشأن سبب تزايد استهداف الكنائس في الآونة الأخيرة خاصة أن الصراع العرقي متجذر في المجتمع الإثيوبي منذ زمن، لكن عدم رضاء البعض عن أداء حكومة آبي أحمد تجاه الاحتجاجات الأخيرة وعدم تقديم خطة لحماية الكنائس أججّ الوضع القائم.

الاعتداءات على الكنائس تسببت في سخط شديد أدى إلى خروج مظاهرات كبيرة في عدد من المدن الإثيوبية، لكن سكان إقليم أمهرا الواقع في الشمال الغربي كانوا الأكثر تفاعلًا مع الاعتداءات، إذ خرجت تظاهرات عديدة بأعداد كبيرة في معظم مدن الإقليم على مدار أسابيع. 

صورة

تظاهرات في مدينة قوندر الإثيوبية ضد الاعتداءات على الكنائس 

حرق مساجد في إقليم الأمهرة

المشهد الثاني من مشاهد الصراع الذي يوشك أن يصبح دينيًا، إشعال النار في عدة مساجد بإقليم أمهرة الذي شهد أحداثًا متعددة منذ بداية العام المنصرم، أولها المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في عاصمة الإقليم مدينة بحر دار منتصف يونيو/حزيران الماضي.

وكما ذكرنا كانت مدن الإقليم هي الأكثر احتجاجًا على استهداف الكنائس، وكذلك على الصراع الدامي الذي تفجّر في إقليم أوروميا بين أنصار رئيس الوزراء آبي أحمد وأنصار الناشط الصاعد جوهر محمد، وعندما أحرق متطرفون 4 مساجد في بلدة "موتّا" الواقعة ضمن منطقة "قوجام" في إقليم أمهرة اندلعت التظاهرات في شتى الأقاليم الإثيوبية بما في ذلك أمهرة نفسه رفضًا لحرق المساجد أولًا ورفضًا للفتنة الدينية والطائفية بشكلٍ عام.

كثير من المراقبين يرون أن تصاعد التوتر الذي نتج عنه حرق الكنائس ثم المساجد ينجم عن ظاهرة التشدد الديني، وسط المسلمين والمسيحيين على حد سواء، كنتيجة طبيعية لتفشي العنصرية والتعصب العرقي، فمنذ أن وصل آبي أحمد إلى سُدة الحكم في 2018، تعاني إثيوبيا من تعاظم الصراع الإثني الذي هو أصلًا موجود، لذلك حذّرت عدة مراكز دراسات من أن إعلان الديمقراطية في مجتمع ما زال يُعاني من الاستقطاب العرقي أمر محفوف بالمخاطر، ذلك لأن حريات التعبير التي يكفلها الانفتاح الديمقراطي يمكن أن تتحوّل بسهولة إلى صراعات بين المجموعات العرقية بشكل علني.

وبدأت الصراعات تأخذ الطابع الديني منذ يوليو/تموز عام 2018 عندما هاجم متطرفون نحو 30 كنيسة، أحرقت أكثر من نصفها، يقول ناثان جونسون المدير الإقليمي لمنظمة إنترناشونال كريستيان في إفريقيا، وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة ترصد حقوق الإنسان في العالم، إنه على الرغم من صعوبة التحقق من الأرقام الدقيقة المعنية، فإن التوترات الكبيرة في إثيوبيا تعني أنه من المحتمل أن يكون عدد الهجمات أعلى من الحالات المؤكدة، ويضيف جونسون: "ليس لدي عدد إجمالي، فقد يكون هناك بعض الحالات غير المبلغ عنها أو التقارير التي لم نتحقق منها، ومع ذلك هناك ما لا يقل عن 15 كنيسة تعرضت للهجوم، 3 منها أحرقت بالكامل".

المشهد الديني في إثيوبيا يتكون من 4 طوائف أساسية 

يتكون المشهد الديني في إثيوبيا من عدة طوائف كبيرة تشمل المسيحيين بفروعهم الثلاث الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، إضافة إلى المسلمين وهناك اليهود وأتباع الديانات التقليدية.

تختلف التقديرات فيما يتعلق بأعداد كل طائفة فبينما تقول الإحصاءات الرسمية أن نسبة المسيحيين تزيد فوق 55% والمسلمين نحو 35%، يشكك آخرون يرون أن أعداد المسلمين لا تقل عن 50%، ولكن الثابت في كل الأحوال أنه لا يمكن مشاهدة أي مظاهر حساسية أو تعصب في الشارع العام الإثيوبي بل على النقيض يسود الاحترام المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة.

ويشهد التاريخ على احتضان إثيوبيا الحاليّة عدة ممالك إسلامية في التاريخ مثل إمارة هرر التي تقع في شرق إثيوبيا وما زالت آثارها موجودة حتى اليوم، كالسور الذي ظلّ صامدًا عبر العصور، يشابه الطراز الإسلامي في العصر الأموي، كما أن هنالك أقاليم في إثيوبيا معظم سكانها من المسلمين كإقليم أوروميا وسط البلاد، وإقليمي العفر والصومال الإثيوبي شرق البلاد، إلى جانب إقليم بني شنقول في جنوب غرب إثيوبيا.

أما أتباع الديانة المسيحية في إثيوبيا فيرون أن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية بتاريخها العريق وتقاليدها أصبحت مرادفًا لهوية إثيوبيا نفسها في الشمال والغرب وجنوب إثيوبيا ويربط العديد من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية EOTC ديانتهم بشمال إثيوبيا أو على وجه التحديد عرقية الأمهرة مما أثر في تعميق الاستقطاب السياسي.

كلمة السر.. الصراع العرقي

المعطيات التي أوردناها أعلاه، تشير إلى أن أزمة حرق الكنائس ومن ثم المساجد يمكن حصرها في سببين رئيسيين:

1- استفحال الصراعات العرقية والتعصب لصالح القوميات.

2- اتهامات للحكومة الفيدرالية بإهمال الملف الأمني وفرض هيبة الدولة.

عليه، حتى الآن يمكن القول إنه لا يوجد خطر داهم يهدد السلم والتعايش الديني في إثيوبيا، باعتبار أن المجتمع لا يزال مترابطًا ينبذ التعصب الديني، ولكن المشكلة أن تفاقم الصراعات الإثنية يهدد بتمدد التطرف الديني، كما أن الصراع العرقي نفسه مرتبط بالأوضاع السياسية في إثيوبيا التي لا تبشر بخير في ظل حالة الاستقطاب التي تشهدها الساحة السياسية في إثيوبيا على وقع قُرب الانتخابات العامة التي يُفترض أن تجري في مايو/أيار من العام الحاليّ 2020.

وبسبب الصراع العرقي، احتلت إثيوبيا المرتبة الأولى عالميًا في النزوح الداخلي عام 2019، إذ بلغ عدد النازحين 3 ملايين نسمة، مقارنة مع إحصاءات عام 2017 التي سجلت نزوح 1.4 مليون نسمة، بحسب إحصاءات التقرير العالمي لمراقبة النزوح الداخلي لعام 2019، الصادر عن المجلس النرويجي للاجئين.

لا يبدو أن هناك حلًا عاجلًا للصراع العرقي يمكن أن تتوافق عليه الأطراف الإثيوبية، وبالتالي يُتوقع أن يستمر الصراع وتستمر معه بعض الانفلاتات

حتى الآن تبدو الدولة الإثيوبية عاجزة عن إيجاد حل جذري للصراع العرقي المستفحل، فليست لديها أي خطط لمواجهة الأزمة من جذورها، في حين تستمر الاستقطابات السياسية التي تجلّت في انضمام الناشط المؤثر جوهر محمد إلى حزب مؤتمر الأورومو الفيدرالي المعارض، ومحمد ينظر إليه بأنه يعد منافسًا قويًا لآبي أحمد.

كما أن جبهة تحرير تغراي المؤسسة للائتلاف الذي أتى بآبي أحمد للسلطة أصبحت في عِداد الأحزاب المعارِضة بعد أن رفضت الاندماج في حزب الازدهار الجديد الذي شكله أحمد مؤخرًا وقرر أن يدخل به الانتخابات القادمة.

لكل هذه الأسباب وغيرها لا يبدو أن هناك حلًا عاجلًا للصراع العرقي يمكن أن تتوافق عليه الأطراف الإثيوبية، وبالتالي يُتوقع أن يستمر الصراع وتستمر معه بعض الانفلاتات مثل حرق المساجد والكنائس أو الاعتداء على شركات وممتلكات طوائف محددة مما يهدد السلم والتعايش الاجتماعي في إثيوبيا على المدى البعيد وربما القريب أيضًا.