أواخر العام قبل الماضي 2018، أُعلن في العاصمة السعودية الرياض تأسيس كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن بهدف تحقيق الاستقرار في المنطقة والحد من نفوذ القوى الخارجية بمحيط الممر الملاحي، وفق ما ذكرت وسائل إعلام سعودية آنذاك.

الفكرة لم تكن جديدة أو وليدة اللحظة، فقبل الاجتماع السعودي بعامٍ واحدٍ، استضافت العاصمة المصرية القاهرة اجتماعًا شارك فيه كبار المسؤولين بالدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، وهي السعودية والأردن والسودان وجيبوتي وإريتريا واليمن بالإضافة إلى مصر المستضيفة.

اجتماعات متكررة دون نتائج علنية واضحة 

الخارجية المصرية ذكرت آنذاك كلامًا فضفاضًا عن اللقاء السُّباعي، مفاده أن الاجتماع يأتي في إطار الحرص المصري على تنمية التعاون الإقليمي بين الدول العربية والإفريقية التي ترتبط بعلاقات تاريخية عميقة ومتشعبة عبر ضفتي البحر الأحمر، واستكمالًا للجهود المصرية في تنمية التعاون والتكامل بين هذه الدول بما يحقق رفاهية شعوبها، إلى جانب تنسيق الجهود لمجابهة التهديدات الأمنية وعلى رأسها الإرهاب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وعمليات التهريب والجريمة العابرة للحدود ‌وتعزيز التعاون التدريبي. 

بعد عامٍ واحدٍ من اجتماع القاهرة، أي في ديسمبر/كانون الأول 2018، استضافت السعودية اللقاء الذي أشرنا إليه في بداية المقالة، وكان الجديد هو انضمام الصومال إلى المنظومة الجديدة، ذكرت حينها وسائل الإعلام المقربة من السلطات السعودية أنه تم الاتفاق في اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن في الرياض على أهمية تأسيس كيان يجمع دول البحر الأحمر وخليج عدن يستهدف التنسيق والتعاون بينها ودراسة السبل الكفيلة بتحقيق ذلك في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والأمنية، وأن يُعقد اجتماع قادم لكبار المسؤولين بالقاهرة لمواصلة بحث كل التفاصيل ذات الصلة بذلك".

بالفعل انعقد في العاصمة المصرية الاجتماع الثالث للتكتل الجديد، وكان من اللافت أن وسائل الإعلام المقربة من نظام السيسي لفتت إلى أن الاجتماع نظمته وزارة الخارجية بالتنسيق مع وزارة الدفاع، كما أنه عُقد على مستوى منخفض شارك فيه مسؤولون بوزارات الخارجية إلى جانب عسكريين من الدول المعنية.

صورة

اجتماع ديسمبر 2018 في الرياض لدول البحر الأحمر وخليج عدن

خلال الأيام الماضية، انعقد اجتماع جديد لوزراء خارجية الدول السبعة في العاصمة السعودية الرياض وتم فيه الإعلان بصورة رسمية عن التوقيع على ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في العاصمة الرياض، عقب توقيع ميثاق التأسيس من 8 دول هي: السعودية والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا ومصر واليمن والأردن بحضور العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي ذكرت قناة الإخبارية الرسمية أنه بارك تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلّة على البحر الأحمر وخليج عدن والتوقيع على ميثاق المجلس، دون ذكر أي تفاصيل عن الميثاق الذي تم توقيعه.

كيانات سابقة للسعودية لم يُكتب لها النجاح 

على مدى السنوات الأخيرة أسست المملكة العربية السعودية عدة تحالفات وكيانات، لكنها لم تستمر كثيرًا، إذ سرعان ما كُتب لها الفشل والموت البطيء، وفق ما رصدته وكالة أنباء الأناضول التركية في النقاط الآتية:

1- تحالف عاصفة الحزم: أُسس في مارس/آذار 2015، ينفذ عمليات عسكرية في اليمن دعمًا للقوات الحكومية، في مواجهة جماعة "الحوثي" المسيطرة على عدة محافظات بينها العاصمة صنعاء، لكن الحرب المستمرة للعام الخامس، تسببت في تردي الأوضاع باليمن، حيث بات معظم السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ودفع الصراع الملايين إلى حافة المجاعة، وكان التحالف في البداية يضم عدة دول عربية، قبل أن يتآكل ذاتيًا ويقتصر على السعودية والإمارات.

2- أواخر 2015، أعلنت السعودية تأسيس "التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب"، وتقول الرياض إنه يضم 41 دولة، وجرى أول اجتماع أواخر 2017 في الرياض، لبدء وضع تفاصيل التحالف، ومنذ ذلك الحين لم يأتِ أي ذكر للتحالف الإسلامي.

3- التحالف الرباعي.. السعودية والإمارات والبحرين ومصر، أعلنت هذه الدول قطع العلاقات مع قطر في يونيو/حزيران 2017، لكنها فشلت في فرض شروطها على الدوحة بالـ13 مطلبًا التي وضعتهم مقابل عودة العلاقات معها مرة أخرى.

4- عام 2018، طرحت المملكة فكرة تشكيل "حلف الناتو العربي" بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عُرف بمشروع تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي (MESA). وفي أبريل/نيسان 2019، أعلنت السعودية استضافتها اجتماعًا ضم الولايات المتحدة والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والأردن، في إطار التحضير لإطلاق "التحالف"، فيما لم تشارك مصر، أحد الأطراف المدعوة له.

القادة الأفارقة تجاهلوا دعوة لقمة سعودية إفريقية

بعد اندلاع الأزمة الخليجية بشهر أي في يوليو/تموز 2017، ذكرت وسائل الإعلام السعودية أن الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، دعا إلى عقد قمة سعودية إفريقية نهاية العام أو العام المقبل في المملكة.

الدعوة تجاهلها القادة الأفارقة كليةً ولم يعلق عليها الاتحاد الإفريقي على الإطلاق، إذ إن الأفارقة أدركوا أنها محاولة استقطاب سيئة نظرًا لتوقيتها الذي أعقب حصار قطر، والقمة لم تنعقد حتى اليوم رغم أن عبد العزيز قطان، وزير الدولة السعودي لشؤون الدول الإفريقية، أعلن في مارس/آذار 2018 استضافة المملكة للمرة الأولى لقمة سعودية - إفريقية، تعقد في العام 2019. 

أهداف السعودية من إنشاء التكتل الجديد

بسبب فشل القمة المشتركة مع إفريقيا، فإن تأسيس الرياض للتكتل الجديد "الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن" يُرجّح أن تكون أحد أسبابه محاولة لتعويض الفشل في استضافة القمة، هذا إلى جانب الأهداف الأخرى المعلنة وغير المعلنة مثل أمن البحر الأحمر، حيث إن الممرات والمضائق البحرية بمسافاتها الضيقة تشكل أهمية أمنية للدول المعنية بالتجارة العالمية عبر خليج عدن والبحر الأحمر الذي تقع قناة السويس أقصى شماله، وتشكل منفذًا رئيسيًا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

والاقتصاد السعودي كما هو معلوم يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير النفط وبالتحديد، تصدر النسبة الأكبر من منتجاتها النفطية المستخرجة من المنطقة الشرقية على الخليج العربي، عبر مضيق هرمز بين سلطنة عمان وإيران التي طالما هددت بإغلاق المضيق أمام حركة السفن خاصة في ظل التوترات الحاليّة.

فالسعودية ترى أن إيران قد تحاول حرمانها من الوصول إلى البحر الأحمر كطريق شحن احتياطي لمنتجاتها النفطية، في حال أقدمت الأخيرة على إغلاق مضيق هرمز في الخليج، وذلك من خلال احتمال توجيهها جماعة الحوثي الحليفة لها بإغلاق مضيق باب المندب لفرض حصار بحري كامل على السعودية سواء عبر الخليج أم البحر الأحمر. 

تسعى السعودية إلى منافسة تركيا في المنطقة بعد توتر العلاقات بين البلدين

لكن المشكلة تكمن في أن التحالف الجديد لا ينوي تشكيل قوة عسكرية خاصة به، فقد نفى وزير الخارجية السعودي، وجود تصور حاليًّا لإنشاء قوة عسكرية للتحالف، مشيرًا إلى أن جميع الدول لديها قدرات دفاعية وتنسيق ثنائي، ويمكن أن يتطور ذلك إلى تنسيق جماعي، وقال: "لا أتصور إنشاء قوة جديدة على خلفية ذلك التأسيس"، مما يحد من إمكانية نجاح التكتل في حماية الممرات المائية في هذه المنطقة الإستراتيجية.

السبب الآخر غير المعلن هو سعي السعودية إلى منافسة تركيا في المنطقة بعد توتر العلاقات بين البلدين، فالأخيرة لديها وجود عسكري قوي في الصومال من خلال قاعدة عسكرية، كما توجد في السودان بموجب اتفاقية جزيرة سواكن التي وقّعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع النظام السوداني المخلوع، وما زالت الاتفاقية سارية حتى الآن، رغم أن السعودية وحلفاءها حاولوا الضغط على المجلس العسكري المحلول من أجل إلغائها.

قطر ترد بالتحرك عسكريًا 

نلفت إلى أن قطر تعد أكثر الدول الخليجية تفاعلًا مع مجريات الساحة الإفريقية، وأميرها الشيخ تميم بن حمد هو الزعيم الخليجي الوحيد الذي نفّذ 4 جولات في القارة السمراء خلال الـ3 أعوام الأخيرة، الجولة الأولى شملت إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا، أما الثانية فقد خصصها لـ6 دول في غرب القارة، بينما امتدت الجولة الثالثة إلى رواندا ونيجيريا.

هذه الدبلوماسية النشطة للدوحة مكنتها من أن تصبح ذات تأثير قوي سياسيًّا وإستراتيجيًّا، بغض النظر عن التحالفات الأخرى الجديدة التي تأتي في سياق مواجهة النفوذ القطري المتنامي في القارة السمراء وخاصة من السعودية والإمارات، لحجب نفوذ الدوحة وتقليل مكانتها السياسية والإضرار باقتصادها، لكن الأخيرة توظف ركائز إستراتيجية وسياسية متميزة تنتهجها الدبلوماسية القطرية من بينها زيارات الأمير بنفسه إلى الدول الإفريقية.

بالتزامن مع التحركات السعودية الأخيرة وتأسيسها كيان الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، فإن قطر لم تقف مكتوفة الأيدي إذ قام رئيس أركان جيشها الفريق ركن غانم بن شاهين الأسبوع الماضي بجولة إفريقية شملت 4 دول بدأها من السودان حيث أقيمت له مراسم استقبال رسمية، ومنه توجه إلى إثيوبيا ثم كينيا ورواندا

ويُلاحظ أن هذه الدول الأربعة لديها علاقات متميزة مع قطر وترتبط معها باتفاقيات أمنية وعسكرية بخلاف الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات التي تنفذها الدوحة عبر ذراعها القوي "جهاز قطر للاستثمار"، إلى جانب المساعدات الإنسانية التي تقدمها للقارة السمراء عن طريق مؤسساتها الخيرية.

تأثير التحالف السعودي الجديد على المنطقة 

بالعودة إلى كيان الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي أسسته السعودية، نجد أنه لم يتم إعلان البنود والتفاصيل التي ضمها الميثاق الموقع مؤخرًا، وبالتالي تغيب عنا الكثير من المعلومات.

ولكن في كل الأحوال لا يتوقع أن يُحدِث أثرًا كبيرًا على أمن المنطقة طالما أن التحالف ليس لديه قوة مشتركة خاصة تستطيع تأمين الممرات المائية في خليج عدن أو مضيق باب المندب وعموم سواحل البحر الأحمر وخليج عدن أو تنفيذ مهام أخرى مثل مكافحة الإرهاب والقرصنة.

أما تأثيره على الوجود القطري والتركي فيظل محدودًا أيضًا، لأن معظم دول التحالف تتمتع بعلاقاتٍ جيّدة مع الدوحة وأنقرة بخلاف مصر وإريتريا، كذلك كان الصومال تعهّد من قبل بعدم الدخول في أي تحالف يكون موجهًا ضد قطر وتركيا، كما أن حكومة السودان الانتقالية الجديدة أكدت أنها لن تُدخل نفسها في أي صراعات أو محاور إقليمية ولا دولية.

نقطة أخيرة.. استبعاد إثيوبيا من التكتل الجديد يثير استفهامات عدة، فإثيوبيا حتى إن لم تكن مطلةً على البحر الأحمر بشكلٍ مباشر فإنها مؤثرة جدًا في منطقة القرن الإفريقي وخليج عدن لارتباطها التاريخي بمعظم دول التكتل الجديد كما أن لديها اتفاقيات تعاون أمني مع السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال، وتوشك أن تنشئ قاعدة عسكرية في جارتها جيبوتي.