الرئيس الإيراني خلال استقبالة أمير قطر في طهران

 أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، زيارة سريعة لإيران، التقى خلالها المرشد العام الإيراني، علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة إثر مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، جراء هجوم أمريكي استهدف موكبه الجمعة قبل الماضية.

الزيارة التي تعد الأولى لأمير قطر منذ توليه مقاليد الأمور في البلاد جاءت تحت عنوان: خفض التصعيد والحوار كـ"حل وحيد" لمعالجة التوترات والأزمات، في ظل العلاقات الجيدة التي تجمع بين الدوحة وطهران والتي تعمقت بشكل أكبر مع وقوف إيران إلى جانب قطر في أزمتها مع دول الجوار في يونيو 2017.

الكثير يعول على الدبلوماسية القطرية في تبريد حالة الغليان التي تخيم على أجواء المنطقة منذ مقتل الجنرال الإيراني وما تبعه من رد استهداف قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، في محاولة لاحتواء حالة الغضب الذي تصاعد معه المخاوف من نشوب حرب عالمية ثالثة تهدد أمن واستقرار العالم أجمع وليس طرفي النزاع وفقط.

وكان نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قد زار طهران قبل نحو أسبوع، والتقى خلال الزيارة روحاني ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، وبحث خلال الزيارة التطورات الإقليمية خصوصا في العراق، وعلى رأسها ملف اغتيال سليماني.

تعزيز التعاون

الزيارة تأتي في إطار التسيق لتعزيز سبل التعاون بين البلدين وفق ما أشار أمير قطر الذي شدد خلال مؤتمر صحفي جمعه والرئيس الإيراني على أن العلاقات بين البلدين "تاريخية، لافتا إلى أنها شهدت تطورات كبيرة و"كانت القنوات بين الجانبين دائما مفتوحة"، مضيفا أنه وجه الدعوة لروحاني لزيارة الدوحة، مثمنا في الوقت ذاته موقف طهران وما قدمته لبلاده خلال الحصار، سواء بفتح موانئها أو أجوائها، وهو الموقف الذي لم ينساه القطريون.

من جانبه أكد الرئيس الإيراني أن البلدين قررا زيادة وتيرة تبادل الزيارات بينهما، لافتا إلى أنه نظرا لأهمية الأمن في المنطقة ولا سيما في الخليج، "قررنا الاستمرار بالتعاون والتشاور بين البلدين"، معلنا أن الجانبين قررا عقد اللجنة المشتركة بينهما بصورة سنوية، معبرا عن أمله بأن تتوسع العلاقات بين الدوحة وطهران.

أما فيما يتعلق بالتصعيد الدائر بين أمريكا وإيران، شدد أمير قطر على أن "الحل الوحيد لخلافات المنطقة هو الحوار وتخفيف التصعيد"، فيما أعلن روحاني عن اتخاذ "قرارات جيدة ومهمة لتوسيع العلاقات بينهما" بجانب الاتفاق حول عدد من الملفات بين البلدين.

وعقب المباحثات التي جمعت المرشد الإيراني علي خامنئي مع الوفد القطري صرًح بأن "الوضع الراهن يتطلب تعاونا وثيقا في المنطقة وعدم التأثر بمواقف القوى الأجنبية"، مضيفا أن أوضاع المنطقة صعبة وحساسة ولا بد من حوار شامل بين دولها، منبها أن "بعض من جاء من وراء البحار لا يرغب في أن تكون بين دول المنطقة علاقات جيدة".

زيارة تهدئة الأوضاع

التوقيت الحساس للزيارة يصب في مساعي الدوحة القيام بدور الوساطة لتهدئة الأوضاع الملتهبة، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية القطري الأسبق، حمد بن جاسم، الذي اعتبر زيارة تميم  إلى طهران، "مهمة في الظروف الحالية والتي تتطلب بناء جسور للتوصل لحوار سياسي يهدف إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة"، على حد وصفه.

بن جاسم في تغريدة له على تويتر، كتب يقول "زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى طهران، هي زيارة مهمة في توقيتها وفي دلالاتها وتؤكد ثوابت السياسة القطرية المبنية على حسن الجوار والحوار البناء خاصة في الظروف الحالية التي تتطلب بناء الجسور للتوصل لحوار سياسي يهدف إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة".

الرأي ذاته ذهب إليه الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الإيراني، أسامة الهتيمي، الذي أوضح أنن الزيارة في هذا التوقيت تكتسب أهمية خاصة ليس لأنها الأولى لتميم منذ توليه للأمور في قطر عام 2013 ولكن لتزامنها مع تطورات الأوضاع وتصاعدها فيما يخص الصراع بين طهران وواشنطن.

الهتيمي لـ "نون بوست" كشف عن حزمة من الدلالات التي تعكسها الزيارة منها أنها ربما تكون تجسيدًا لرغبة الطرف الأمريكي في عدم التصعيد، وهذا ما سعت إليه قطر، إذ تشير التكهنات إلى أن الدوحة أسهمت في تهدئة الأوضاع عقب عملية اغتيال «سليماني» وإقناع الطرف الإيراني بعدم تجاوز السقف المحدد في الرد على العملية من خلال زيارة وزير الخارجية القطري لإيران، لذا من المرجح أيضًا أن تكون زيارة الأمير القطري مهمة، وتستهدف محاولة تمرير التصعيد الذي وقع خلال الفترة الماضية، على حد قوله.

كما أشار الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني إلى أن الزيارة تستهدف التأكيد على حرص قطر على الوقوف إلى جانب إيران في أزمتها الراهنة ومحاولة الخروج بأقل الخسائر ضمانا لأمن واستقرار المنطقة، فيما اعتبره "رد للجميل"  على الموقف الذي كانت قد اتخذته طهران من قبل عندما أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين، فضلًا عن مصر مقاطعتهم لقطر عام 2017، إذ سارعت إيران وبلا تردد لعرض مساعدتها على الجانب القطري.

اختبار قوي للدبلوماسية القطرية

كثير من المراقبين يعتبر أن الوساطة القطرية لخفض التصعيد بين أمريكا وإيران اختبار قوي لدبلوماسية الدوحة لاسيما بعد النجاحات العدة التي حققتها منذ فرض الحصار عليها، حيث نجحت في التحول من العزلة المخطط لها إلى آفاق من التعاون وفتح جبهات متعددة في خارطة علاقاتها الخارجية تجاوزت بها ما كانت عليه حتى قبل يونيو 2017.

نجحت قطر عبر ما تنتهجه من خط دبلوماسي معتدل في الحفاظ على علاقات متوازنة مع كافة الأطراف، فرغم الصراع بين طهران وواشنطن تقف الدوحة على مسافة واحدة من الجميع، وهو ما أهلها للقيام بهذا الدور الذي ارتضى به الطرفين دون غيرها من القوى الإقليمية الموجودة في المنطقة.

الباحث والناشط السياسي المقيم في كندا، ياسر ذويب، يعتبر أن الدبلوماسية القطرية الوحيدة في المنطقة القادرة على النجاح في الوساطة وإحداث تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، مشددا على أن الدوحة تتمتع بسمعة طيبة في الوساطة وحل النزاعات من جانب، وعلاقاتها المتوازنة بين كافة الأطراف من جانب آخر.

وأوضح أن زيارة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، إلى إيران قبل عدة أيام جاءت في إطار جهود الدوحة لمنع التصعيد وخفض حدة التوتر، علاوة على جهودها الدبلوماسية من خلال بحث الأزمة مع كافة الأطراف الفاعلة. وهذه ثقة كبيرة تتمتع بها قطر في المنطقة، وفق ما أشار في تصريحاته لصحيفة "الشرق" القطرية.

كما ثمًن الدبلوماسية القطرية لما لها من خبرات طويلة في التعامل مع تلك الأزمات الإقليمية والدولية، وبالتالي فهي مؤهلة للنجاح في الوساطة وتهدئة الأمور ومنع التوتر حفاظا على استقرار وأمن المنطقة والعالم، متوقعا أن يتم احتواء التصعيد والضربات الانتقامية المتبادلة بين الجانبين، على حد قوله.

جدير بالذكر أن قطر لم تكتفِ بالبيانات والدعوات لضبط النفس في أعقاب اغتيال سليماني، لكنها سارعت بإرسال وزير خارجيتها إلى إيران التي تشهد أجواء ملتهبة وتصعيد للانتقام، وبعد يوم من زيارته لطهران، بحث آل ثاني مع نظيره الأمريكي مايك بومبيو، التطورات المتسارعة في المنطقة، الذي بدوره تقد بالشكر للدوحة لدورها الملموس أجل تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.

وفي المجمل تمتلك الدوحة علاقات استراتيجية مع واشنطن وطهران، تؤهلها حتماً للدخول في جولة من التفاوض الجديدة؛ لتهدئة الأوضاع الساخنة والوصول إلى صيغة من التفاهم بين البلدين، وسط حالة من التفاؤل بشأن قدرتها على القيام بذلك وهو ما يمكن أن تكشف عنه الأيام القليلة المقبلة.