الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مؤتمر صحافي مشترك في موسكو في 11 يناير 2020

ساعات قليلة تفصلنا عن "مؤتمر برلين" المرتقب، مؤتمر قالت ألمانيا إن هدفه إحلال السلام في ليبيا ومنع التدخلات الأجنبية التي زادت الوضع تعقيدًا في هذا البلد المنكوب، إلا أن الظاهر أيضًا أن أهداف المؤتمر لا تقتصر على هذه النقاط فقط بل تتعداها، فالأوروبيون يبحثون من خلال هذا المؤتمر عودة زمام الأمور في ليبيا وفي جنوب المتوسط ككل إلى أيديهم بعد أن خفت بريقهم هناك وضعفت مكانتهم لصالح قوى دولية وإقليمية جديدة على غرار تركيا وروسيا.

تفوق تركي روسي

في الـ8 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين عقب اجتماع في إسطنبول إلى وقف إطلاق النار في ليبيا اعتبارًا من نهاية ذلك الأسبوع، وأورد بيان للرئاسة التركية حينها "ندعو جميع أطراف النزاع في ليبيا إلى وقف العمليات القتالية في الساعة 00.00 من يوم 12 من يناير/كانون الثاني وإعلان وقف دائم لإطلاق النار".

عقب ذلك مباشرة، أعلنت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقف إطلاق النار في المنطقة الغربية التي تضم العاصمة طرابلس، لتعلن بعد ذلك حكومة الوفاق الوطني الليبية بدورها وقف إطلاق النار، قالت إنه جاء استجابةً لدعوة الرئيس التركي ونظيره الروسي.

دخول تركيا ومن قبلها روسيا، بقوة على خط الأزمة الليبية المتفاقمة، أرجع الملف الليبي إلى دائرة الاهتمام الدولي، وأجبرتا، بانخراطهما فيه، الدول الأوروبية على أن يكون في أولى أولوياتها

بعد ذلك ساد هدوء حذر في ضواحي العاصمة الجنوبية حيث تدور مواجهات منذ الـ4 من أبريل/نيسان من العام الماضي بين قوات حكومة الوفاق التي تحظى بالشرعية الأممية وتلك الموالية لحفتر الرافضة لكل شرعية باستثناء شرعية السلاح.

هدنة وقتية رحبت بها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا "أونسميل" وحثت الطرفين المتحاربين على "الالتزام بشكل صارم بوقف إطلاق النار وإعطاء فرصة للجهود السلمية لمعالجة كل الخلافات من خلال حوار ليبي-ليبي".

جمود أوروبي

وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ بعد جهود دبلوماسية مكثفة قادتها أنقرة وموسكو في إطار سعيهما للعب دور أكبر في ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة، مستغلين الجمود الأوروبي في هذا الشأن، فالأوروبيون منشغلون بمشاكلهم الداخلية وبالصراع فيما بينهم، ما أفقدهم قوتهم.

ليس هذا فحسب فأول محادثات بشأن وقف إطلاق النار جرت في موسكو لا في بروكسل، ودائمًا ما كانت الدول الأوروبية في موقف رد الفعل لا الفعل المباشر عكس ما كان عليه الوضع سنة 2011، عند التدخل العسكري ضد نظام معمر القذافي.

وغالبًا ما كانت البعثات الدبلوماسية الأوروبية التي انتقلت من طرابلس إلى تونس بعد تفجُر الاشتباكات من جديد في ليبيا أوائل العام الماضي، في وضع لا تحسد عليه فقد كانت مهمتها الانتظار ومشاهدة الأحداث المتسارعة في ليبيا فهي لم تكن لديها فكرة واضحة عن أهدافها.

خلال فترة الانتظار هذه، دأب الأوروبيون على إصدار مواقف تعبر عن القلق والاستنكار فقط، دون أن يكون لها رؤية واضحة لما يحدث في ليبيا ولا حل للأزمات التي يشهدها هذا البلد العربي المطل على جنوب البحر الأبيض المتوسط.

رغم تأكيد دعمهم المتواصل للشرعية الأممية، لم يستطع الأوروبيون تقديم أي شيء لحكومة الوفاق الوطني إلا وعود كلامية بالعمل على إيجاد حل للأزمة وبقيت مجرد كلام، حتى إنهم لم يستطيعوا إجبار حفتر على وقف هجماته على العاصمة طرابلس.

وقف اطلاق النار تخللته بعض الانتهاكات

وقف إطلاق النار تخللته بعض الانتهاكات

تأتي الدبلوماسية الأوروبية في كثير من الأحيان متأخرة وبعد ضياع قدرتها على التأثير، ما يسمح بضياع فرص كثيرة عليهم، فتاريخيًا ليبيا هي امتداد جغرافي للأوروبيين الذين يرون فيها "الدمية" التي لا يجب أن تخرج من تحت طوعهم.

عوامل عدة وراء هذا الجمود على رأسها فشل الأوروبيين في الاتفاق على بلورة حل للخلافات بينهم بشأن الملف الليبي، ففرنسا تدعم علنًا خليفة حفتر الذي تتهم قواته بارتكاب جرائم حرب، فيما تدعم إيطاليا حكومة الوفاق بينما تدعي ألمانيا الحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، فيما لا موقف واضح لبريطانيا.

ويغذي التنافس الفرنسي الإيطالي منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، سعي شركات النفط، وخاصة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، للفوز بعقود استثمار الذهب الأسود في ليبيا التي تمتلك احتياطات كبرى من النفط.

تدارك الأمر

دخول تركيا ومن قبلها روسيا، بقوة على خط الأزمة الليبية المتفاقمة، أرجع الملف الليبي إلى دائرة الاهتمام الدولي، وأجبرتا، بانخراطهما فيه، الدول الأوروبية على أن يكون في أول أولوياتها، فالأزمة لم تعد في طرابلس فقط، بل تعدتها لتصل إلى شواطئ العديد من دول المتوسط.

لذلك يسعى الأوروبيون الآن إلى التغلب على الجمود الذي اتسموا به سابقًا والدفاع عن مصالحهم على أعتاب المتوسط، ففي حال تواصل هذا الجمود سيفقدون كل الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في هذا البلد لفائدة دول جديدة هم في خلاف معها.

ويعتقد الأوروبيون أن مؤتمر برلين الذي يعقد في ألمانيا برعاية الأمم المتحدة، غدًا الأحد، لرسم مسار يضع نهاية للصراع في ليبيا التي تشهد اضطرابات منذ سقوط معمر القذافي، من شأنه أن يمهد لهم الطريق للبدء في التغلب على هذا الجمود والدفاع عن مصالحهم.

ويشارك في هذا المؤتمر المرتقب، كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا وتركيا وإيطاليا ومصر والإمارات والجزائر والكونغو، فضلًا عن فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًا، والجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

كما يشارك فيه أيضًا أربع منظمات دولية ممثلة في: الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، ونشرت عدة مواقع مسودة اتفاق مؤتمر برلين، التي ناقشها وعدلها وزراء خارجية 10 دول خلال الأشهر الخمس الأخيرة، وتظم هذه المسودة ثلاثة مسارات، واحد سياسي وآخر عسكري وثالث اقتصادي.

يأمل الليبيون في أن ينتهي مؤتمر برلين بتوقيع اتفاقية توافقية، ترسم معالم خريطة طريق واضحة لها تنقذ ليبيا من أزماتها المتعددة

يرى الصحفي الجزائري المهتم بالشأن الليبي رياض المعزوزي أن "هدف مؤتمر برلين، حفاظ الأوروبيين على مصالحهم في شمال إفريقيا، فهذه الدول عرفت مؤخرًا أن مصالحها في المنطقة بدأت تهددها أطراف أخرى على رأسها روسيا وتركيا".

ويضيف المعزوزي في تصريح لنون بوست "هذه الدول لا ترى في ليبيا إلا قطعة حلوى يجب أن تتذوقها وتأخذ حصتها منها، ما سيحدث في برلين هو خطوة لعودة الاتحاد الأوروبي لواجهة الاهتمام العسكري والدبلوماسي في المنطقة كي تؤكد وجودها رغم غيابها في الفترة الأخيرة، فالأوروبيون لهم مصالح كبيرة مع دول شمال إفريقيا يسعون للحفاظ عليها".

"تحركهم جاء نتيجة مصالحهم في ليبيا"، يقول رياض، فبعد أن كان نعمة للبلاد، أضحى النفط الليبي نقمة، فللحصول عليه أصبحت ليبيا مرتعًا للمخابرات وعساكر الدول الأجنبية والعربية (مصر والإمارات)، فكل طرف يسعى للحصول على النصيب الأكبر من النفط الليبي، دون النظر إلى سيادة البلاد.

وتحتوي ليبيا على ثروات هائلة من النفط وتقدر احتياطاتها بنحو 46.6 مليار برميل، وهي الأكبر في إفريقيا، ويعتبر النفط مصدر الدخل الأساسي للبلاد الذي مثل قبل اندلاع الثورة الليبية 95% من عائدات الصادرات الليبية.

يسعى الأوروبيون للعودة إلى ليبيا

يسعى الأوروبيون للعودة إلى ليبيا

بدورها، رأت الإعلامية التونسية سوسن برينيس أن "مؤتمر برلين هو محاولة أوروبية لإعادة الإمساك بخيوط الأزمة الليبية، بعد أن فقدتها وفقدت أيضًا القدرة على إجبار الأطراف الليبية بالالتزام بأي حل للأزمة، فخليفة حفتر حضر الأسبوع الماضي لقاءً مطولًا مع رئيس الحكومة الإيطالي ورفض الذهاب إلى بروكسل للقاء مسؤولي الاتحاد الاوروبي، بينما التقى بهم السراج في بروكسل ورفض التوجه إلى روما للقاء رئيس الحكومة الإيطالي نظرًا لوجود حفتر".

وتقول برينيس في تصريح لنون بوست "تعاني أوروبا من صعود النفوذ الروسي التركي شرق المتوسط الذي ترجم بإعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، ويترجم أيضًا بقدرة الروس على الضغط على حفتر وقدرة الأتراك في ضبط حليفهم حكومة الوفاق".

تضيف الإعلامية التونسية "ما يشغل الأوروبيين الآن هو أن يكونوا جزءًا من الحل نظرًا لقرب ليبيا من سواحل أوروبا التي تخشى من موجات الهجرة غير النظامية لكن تخشى أيضًا من فقدان مصالحها الاقتصادية في مجال الطاقة في ليبيا، حيث تتركز استثمارات الشركات الإيطالية غرب ليبيا بينما تهيمن الشركات الفرنسية في إقليم فزان، فالخشية كل الخشية في أوروبا فقدان هذه المصالح لفائدة المتدخلين الجدد، روسيا وتركيا".

أمام كل هذا يأمل الليبيون في أن ينتهي مؤتمر برلين بتوقيع اتفاقية توافقية، ترسم معالم خريطة طريق واضحة لها تنقذ ليبيا من أزماتها المتعددة وتعيد الأمن والاستقرار إلى هذا البلد العربي الذي أنهكته الحروب المتواصلة منذ سنوات.