قررت الجزائر وتركيا تعزيز تعاونهما الثنائي إلى أعلى المستويات في جميع المجالات، بتوقيعهما أمس بالجزائر على إعلان مشترك لتأسيس مجلس تعاون رفيع المستوى في اليوم الأول لزيارة طيب رجب أردوغان، كما أكد البلدان متابعتهما اليومية لتطورات الملف الليبي ورفض أي حل عسكري، مع دعم ما جاء في مؤتمر برلين وكل خطوة تصب في خانة الحل السياسي والسلمي.

وكما كان منتظرًا شدت زيارة أردوغان إلى الجزائر الأنظار، باعتبارها أول زيارة لرئيس إلى الجزائر منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد الحكم في البلاد شهر ديسمبر/كانون الأول، التي توجت بتوقيع الرئيسين إعلانًا مشتركًا لتأسيس مجلس تعاون رفيع المستوى بين البلدين.

رفض الحل العسكري

غطت الأحداث المتسارعة في ليبيا على مباحثات أردوغان وتبون اللذين تصدر اسمهما قائمة الوسوم الأكثر تداولًا في الجزائر عبر تويتر لعدة ساعات، حيث حاول الطرفان تقريب وجهات نظرهما بشأن الحل في الجارة الشرقية للجزائر، وهو ما كان بتأكيد الجانبين رفض الحل العسكري.

وقال الرئيس الجزائري في ندوة مشتركة مع نظيره التركي: "بخصوص ما يجري في المنطقة، يجمعنا اتفاق تام مع الشقيقة تركيا على اتبّاع ما تقرر في اجتماع برلين الأخير، وأن نسعى إلى السلم معًا إن شاء الله".

وأكدت ندوة برلين بشأن الأزمة الليبية التي انعقدت في 19 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، المبادئ الأساسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في ليبيا، خاصة ما تعلق بدعم الاتفاق السياسي الليبي كإطار فعال لحل الأزمة وضرورة التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، وقد اقترحت الجزائر احتضان حوار بين الأشقاء الليبيين، وأضاف تبون أن الطرفين "يتابعان يوميًا وبكل دقة كل ما يجري في الميدان وكل مستجداته".

ويبدو أن تبون الباحث عن عودة بلاده إلى النشاط الدبلوماسي المعروفة به تاريخيًا لقي الدعم من الرئيس التركي، خاصة أن الخلاف بين البلدين كان يتعلق بمسألة التدخل العسكري في ليبيا، فالجزائر من الرافضين لهذا الحل مهما كانت مسبباته، أما تركيا فقد وقعت اتفاقًا مع حكومة الوفاق الوطني يسمح لها بالتدخل عسكريًا هناك، لكن يبدو أنها أجلت ذلك باكتفائها بإرسال مستشارين لتدريب القوات الليبية.

وقال أردوغان في هذا الشأن: "الجزائر عنصر استقرار وسلام في هذه المرحلة الصعبة التي تجتازها المنطقة والتطورات في ليبيا  تؤثر على الجارة الجزائر مباشرة"، وأشار إلى "عدم إمكانية الحصول على نتيجة في ليبيا عن طريق الحلول العسكرية، لذلك نجري اتصالات مكثفة مع بلدان المنطقة والفاعلين الدوليين من أجل وقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى الحوار السياسي".

ولفت أردوغان إلى أن المحادثات التي جمعته بتبون سمحت بـ"التركيز على الخطوات المشتركة التي يمكن القيام بها في هذا المجال، لأن العناصر الأساسية لتحقيق الاستقرار الدائم هي الحوار والوفاق"، ويعتقد أردوغان أن انضمام الجزائر إلى مسار برلين سيكون له "إسهامات قيمة وبناءة في إطار جهود تحقيق الاستقرار في ليبيا"، وذلك بهدف عدم السماح بتحويل ليبيا إلى ساحة للمنظمات الإرهابية وبارونات الحرب ( في إشارة إلى حفتر).

ويبدو أن الجزائر ستعمل على القيام بدور الوسيط بين الدول المؤثرة في المشهد الليبي بهدف ضغط كل بلد على الطرف الذي يدعمه في ليبيا، فبعد حصولها على دعم تركي باستبعاد الحل العسكري حاليًّا، تعمل على إقناع الداعمين لحفتر بتقديم تنازلات والكف عن مساندة الضابط المتقاعد، لذلك ستكون الأزمة الليبية محور مباحثات وزير الخارجية الإماراتي مع مسؤولي الجزائر التي سيزورها اليوم.

اجتماع رفيع في تركيا

وفي الشأن الاقتصادي، أعلن الرئيس الجزائري قبوله دعوة أردوغان لزيارة تركيا التي سيتم بها عقد أول اجتماع لمجلس التعاون رفيع المستوى الذي وقعا اتفاقيته أمس بالجزائر، ولفت أردوغان إلى أن الطرفين يخططان لعقد هذا الاجتماع في أقرب الآجال.

وبهذا التوقيع، صارت الشراكة الجزائرية مع تركيا مساوية للتعاون الجزائري مع الدول التي تجمعهما علاقات تجارية تاريخية، خاصة الأوروبية منها مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وجنوب إفريقيا على مستوى القارة السمراء.

وفي العادة يجتمع هذا المجلس دوريًا كل سنة، ويرأسه على الأقل رئيسا حكومتي البلدين، كما يتابع التعاون القطاعي الثنائي في جميع المجالات، وهو ما يسمح بتنويع الشراكة الجزائرية التركية.

وليكون لمجلس التعاون رفيع المستوى معنى، كشف تبون أنه اتفق مع أردوغان على رفع حجم التبادلات بين البلدين إلى ما يفوق خمسة ملايين دولار قريبًا جدًا، وأبدى تبون رغبة في الاستفادة من تجربة تركيا التي أصبحت من أقوى الاقتصادات الموجودة خارج الاتحاد الأوروبي، من خلال الاعتماد بصفة خاصة على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهو القطاع الذي يراهن تبون عليه لبعث اقتصاد بلاده خاصة خارج المحروقات.

واتفق الرئيسان أيضًا على تكريس "تواصل يومي" بين الوزراء الجزائريين ونظرائهم من تركيا لا سيما وزيري الخارجية، "حتى لا يترك أي مجال لسوء التفاهم".

وبدوره أشار أردوغان إلى رغبة بلاده في نقل هذا التعاون إلى أرفع المستويات، "مستمدين القوة من روابط الصداقة والأخوة المتجذرة وتاريخنا المشترك الذي يعود لما قبل 5 قرون".

وقال الرئيس التركي إن هذه الزيارة كانت مناسبة لتقييم حجم التبادل التجاري بين البلدين، معلنًا أن الجانبين قررا رفعه إلى أكثر من 5 مليارات دولار، مع الجزائر التي تعتبر "ثاني أكبر شريك لبلاده في إفريقيا"، وأشار أردوغان إلى الإرادة المشتركة للبلدين في تحفيز رجال الأعمال وزيادة الاستثمارات والعمل المشترك ضمن مبدأ "رابح - رابح"، لذلك تقرر البحث عن إمكانات تعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.

وتسعى أنقرة التي انضمت في السنوات الأخيرة إلى نادي المصنعين للأسلحة إلى البحث عن أسواق خارجية خاصة أن ميزانية الدفاع في الجزائر تعد الأكبر قطاعيًا كل عام في موازنة البلاد، في المقابل تسعى الجزائر التي تواجه تحديات أمنية على كل حدودها خاصة مع ليبيا ومالي والنيجر والمغرب لتنويع ترسانتها الدفاعية وعدم الاعتماد فقط على الصناعة الروسية.

صورة

منطقة تبادل حر

لتسهيل التبادلات التجارية بين البلدين، كشف أردوغان في كلمته خلال ختام أشغال منتدى رجال الأعمال الجزائري التركي أنه تطرق لموضوع إنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا خلال لقائه مع تبون، وقال أردوغان: "من الضروري البدء دون تأخير في مفاوضات لإنشاء منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا"، وتأسف الرئيس التركي لعدم وجود منطقة تبادل حر بين الجزائر وتركيا رغم العلاقات التاريخية التي تربط البلدين، وكشف أنه "تم التحادث بين الوزراء بشأن هذا الموضوع وسيتم اتخاذ إجراءات في هذا الشأن بشكل سريع، لأنه من شأن منطقة التبادل الحر أن تزيل العقبات بين المستثمرين من البلدين لإنجاز مشاريع مشتركة سواء في الجزائر أم تركيا".

وإن كان أردوغان متحمسًا لإنشاء منطقة التبادل الحر، ربما لا يكون لدى الجزائر ذلك المستوى من الحماس بالنظر إلى تجاربها السيئة مع هذا النوع من الاتفاقات، فقد أجلت العمل ضمن منطقة التبادل الحر العربية، وأجلت لعدة مرات الدخول إلى منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، الذي ستطلب منه من جديد هذا العام تأجيل الإجراء مرة أخرى بالنظر إلى أن الاقتصاد الجزائري ليس مستعدًا بعد لهذا النوع من الاتفاقات لأنه سيكون سوق استهلاك فقط مقابل خسارة كبيرة لملايين الدولارات التي كان يحصل عليها من الرسوم الجمركية.

إضافة إلى هذا، فإن الجزائر وقعت أيضًا على اتفاق منطقة التبادل الحر الإفريقية الذي يدخل هذا العام حيز التنفيذ، لذلك يبدو أن هذا الطلب التركي سيؤجل إلى السنوات المقبلة، لكن هذا لا يعني أن التعاون الثنائي سيتوقف، إذ كشف الوزير الأول الجزائري عبد العزيز جراد أن الاجتماع القادم للجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني الذي سينعقد بالجزائر خلال هذه السنة سيكون "فرصة لتكريس عملنا المشترك".

وأشار جراد إلى وجود اتفاقيات مبرمة في مجالات ترقية وحماية الاستثمارات المتبادلة وحماية المستهلك ومراقبة نوعية المنتجات والخدمات والعمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال البحث العلمي والتكنولوجي، ومن جانبه كشف أردوغان أنه تم اتخاذ قرار عقد اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة التي كان آخر اجتماع لها في 2002، معتبرًا أن"تسهيل تنقل الأشخاص بين البلدين ورفع عدد التأشيرات الممنوحة سيسمح كذلك برفع التعاون بين البلدين".

وكان الطرف الجزائري قد انزعج في الأشهر الأخيرة من تشديد أنقرة إجراءات منح التأشيرات للجزائريين، رغم أن تركيا تعد الوجهة السياحية الثانية لهم بعد الجارة تونس، وحاول أردوغان طمأنة الجزائريين المتخوفين من منطقة التبادل الحر قائلًا "نحن لسنا مثل الدول الأخرى التي تنظر إلى الجزائر على أنها سوق للمنتجات ولا نفكر فقط في بيع منتجاتنا بل نصبو إلى تحقيق استثمارات مهمة أيضًا".

وذكر بأن الاستثمارات التركية سمحت بخلق أكثر من 30 ألف منصب شغل لليد العاملة الجزائرية، مشيرًا إلى وجود 377 مشروع استثماري تركي بالجزائر مما يجعلها تحتل المركز الثالث من حيث وجود الشركات التركية في العالم.

اتفاق طاقوي

يبدو أن حاجة الطرفين لبعضهما البعض، جعلت الطرف التركي يمضي قدمًا في تعاونه مع الجزائر، خاصة في مجال الطاقة، فقد كشف وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب أن الجزائر وتركيا وقعتا خلال هذه الزيارة على اتفاق يتضمن تجديد عقد تموين بالغاز الطبيعي المميع للسنوات الخمسة المقبلة، أي حتى 2024، وقال عرقاب إن هذا الاتفاق "سيمكن من تعزيز العلاقات الثنائية في مجال الطاقة"، وتستحوذ الجزائر على 38% من السوق التركية فيما يخص التموين بالغاز الطبيعي المسال.

كما كشف عرقاب أنه سيتم الشروع في أشغال إنجاز المركب البتروكيماوي لإنتاج البروبيلان و البوليبروبيلان (PDH-PP) في مدينة أضنة التركية خلال السداسي الأول لسنة 2020، مشيرًا إلى أنه من المتوقع استلام المشروع ودخول المركب في الإنتاج بعد 24 شهرًا من انطلاق أشغال الإنجاز، وأوضح الوزير أن الشركة التركية "رونيسونس" (Renaissance) تستحوذ على نسبة 66% من المشروع المقدر بـ1.4 مليار دولار، بينما تحوز الشركة الجزائرية الحكومية سوناطراك 34% منه.

واعتبر الوزير أن هذه الشراكة ستسمح بنقل التكنولوجيا إلى الجزائر التي تعتزم بناء مركب بتروكيميائي لإنتاج البروبيلان والبوليبروبيلان في أرزيو، ويتضح عامًا بعد عام أن الشراكة التركية الجزائرية تسير في الطريق الصحيح، رغم  العوائق التي تواجهها، خاصة أن اللوبي الفرنسي الذي كان يقف سابقًا في وجه تمتينها بدأ يزول أو على الأقل يضعف، وتبقى الأشهر المقبلة أكبر امتحان للخطابات البراقة التي تحدث عنها القادة.