لم يمضِ إلا أقل من أسبوع واحدٍ على انتقادات صريحة غير معهودة وجهها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لمجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي أسسته السعودية، إلا وغادر أفورقي بنفسه متوجهًا إلى عاصمتها "الرياض" في زيارةٍ استمرت 3 أيام متصلة التقى فيها الملك سلمان وولي عهده. 

عدد من المراقبين حاولوا معرفة الأسباب التي دفعت أفورقي لتوجيه النقد غير المسبوق للتحالف السعودي عبر إطلالته التليفزيونية، خاصة أنه في حُكم الحليف للسعودية نظرًا لعلاقاته الوثيقة مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، والسبب الآخر أن وزارة الإعلام الإريترية أصدرت في يناير/كانون الثاني بيانًا صحفيًا هاجمت فيه تصريحات وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية أحمد القطان التي أدلى بها لجريدة الشرق الأوسط الممولة سعوديًا. 

أغلب الظن أن العبارات التي أغضبت نظام أفورقي هي قَوْل القطان: "المملكة سخرت إمكاناتها ودورها الإسلامي الريادي في سبيل حل الخلافات بين الأشقاء، وكان أول ثمار تلك الجهود تتويج اتفاقية السلام التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا بالتوقيع عليها من رئيس إريتريا ورئيس الوزراء الإثيوبي في مدينة جدة بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2018".

ربما غضب أفورقي ونظامه من تصريح القطان لأنه ورئيس الوزراء آبي أحمد وقعّا اتفاق السلام فعليًا في أسمرة منذ يوليو/ تموز 2018 أي قبل توقيع اتفاق جدة بشهرين كاملين، مما حدا بقناة فرانس 24 لأن تصف اتفاق جدة الذي رعاه الملك سلمان بأنه اتفاق إضافي أي لا قيمة له.

من اللافت أن حديث أفورقي الذي بثّه التليفزيون الإريتري الرسمي، وكذلك بيان وزارة الإعلام الإريترية السابق انصبّا على مهاجمة السعودية وحدها، والغريب في الأمر أنهما لم يتطرقا إلى قطر من قريب ولا بعيد لأول مرة، فقد كان نظام أفورقي يُكثر من إصدار البيانات الهجومية على قطر في الآونة الأخيرة زاعمًا قيامها بنشاطات تخريبية في المنطقة هدفها الإطاحة بالنظام الإريتري وضرب الاستقرار.

التحفظات الإريترية على مبادرة السعودية لكيان دول البحر الأحمر ليست جديدة، ففي الاجتماع السابق الذي استضافته العاصمة الرياض يوم 21 من أبريل/نيسان من العام الماضي، وشارك فيه نظام أفورقي بمستشار الرئيس للشؤون السياسية يماني قبرآب والأخير يُقال إنه وزير الخارجية الفعلي والعقل المنظر لتوجهات أسياس أفورقي، لوحظ أن قبرآب أبدى ترددًا واضحًا حيال الرؤية السعودية، وذكر أن الأمر يستدعي مراجعة شاملة قائلًا: "التجارب الماضية لروابط التعاون في البحر الأحمر كانت متعددة لكنها لم تؤدِ إلى نتائج مؤثرة".

تتضح بعض التناقضات التي يقوم عليها نظام الرجل الواحد، إذا كان أسياس أفورقي يرى أنه لم يكن للسعودية أي دور في اتفاق السلام بين إريتريا وإثيوبيا،  فلماذا ذهب إلى جدة ووقّع من جديد على اتفاق سلام "إضافي"؟

من الطبيعي أن تكون هناك تحفظات واختلافات في وجهات النظر، لكن أن تخرج إلى الإعلام في تصريح متلفزٍ لأسياس شخصيًا هذا يعني أن هناك رسائل أراد إيصالها للجانب السعودي، خاصةً أن وزارة الإعلام الإريترية هاجمت الشهر الماضي تصريحات أدلى بها وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية كما ذكرنا بالأعلى، وعلّقت الوزارة بقولها إن تصريحات القطان لا علاقة لها إطلاقًا بتطورات وحقائق اتفاق السلام التاريخي، والتصريح يعد إقصاءً لإفريقيا وإنجازات الأفارقة في هذا الشأن و"إدلاء بروايات لا أساس لها".

هنا تتضح بعض التناقضات التي يقوم عليها نظام الرجل الواحد، إذا كان أسياس أفورقي يرى أنه لم يكن للسعودية أي دور في اتفاق السلام بين إريتريا وإثيوبيا فلماذا ذهب إلى جدة ووقّع من جديد على اتفاق سلام "إضافي"؟ ولماذا كذلك يُعلن انضمامه بل وتوقيعه على ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي تم إعلانه مطلع العام الحاليّ بالعاصمة السعودية الرياض؟

للإجابة عن هذا السؤال لدينا احتمالين رئيسيين:

1- أن تكون الإمارات هي التي حرّكته لاتخاذ هذا الموقف المفاجئ، وقبل ذلك الهجوم على وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية، فالعلاقة بين الرياض وأبو ظبي تشوبها صراعات واختلافات عديدة رغم التحالف العلني، والارتباط بين أفورقي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات محمد بن زايد أقوى بكثير من ارتباط الأول بالسعودية.

2- أن تكون تصريحات أفورقي وقبلها بيان وزارة الإعلام الإريترية خطة ابتزاز للقيادة السعودية، ودفعها لفتح قناة للتواصل معه واسترضائه.

في كل الأحوال التقطت السعودية الرسالة سريعًا ووجهت الدعوة إلى رئيس النظام الإريتري لزيارة المملكة، حيث التقى بالملك سلمان وولي عهده الأمير محمد.

لم تنشر معلومات تفصيلية عمّا دار في الزيارة التي استمرت 3 أيام، ولم تتحدث وسائل الإعلام السعودية عن أي دعم أو استثمارات، فما طرحته كانت مجرد أخبار بروتوكولية أشارت إلى أن جلسة المباحثات الرسمية بين أفورقي والملك سلمان تم خلالها "استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، ومستجدات الأحداث في القرن الإفريقي والمنطقة".

وبحسب صحيفة الرياض الرسمية، تم التأكيد في الاجتماع على "أهمية ودور مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في تنمية وتعزيز فرص التعاون في شتى المجالات".

كذلك لم تنشر وسائل إعلام المملكة شيئًا مختلفًا عن لقاء ولي العهد محمد بن سلمان، فقد ذكرت أن الاجتماع استعرض "أوجه العلاقات الثنائية ومجالات التعاون المشترك ومستجدات الأحداث الإقليمية والجهود المبذولة تجاهها". كما تم التأكيد على "أهمية دور مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، والفرص الواعدة والمشتركة بين دول المجلس".

أما الإعلام الإريتري الرسمي فقد زاد على ما نشرته الصحافة السعودية بأن أسياس "أشاد بالتحول الاقتصادي والاجتماعي العميق في السعودية"، مشيرًا إلى أنه سيكون لهذا التحول أهمية كبيرة، وأضاف موقع وزارة الإعلام الإريترية الرسمي أن أفورقي التقى خلال زيارته العديد من رجال الأعمال السعوديين الذين لديهم رغبة في الاستثمار في إريتريا في مختلف قطاعات الطاقة وصيد الأسماك والزراعة والتعدين، وأشار إلى شراكة اقتصادية محتملة بين البلدين، وأكّد لرجال الأعمال أن "إريتريا ترحب بالاستثمار السعودي".

السياسة الخارجية التي ينتهجها النظام الإريتري ليست ثابتة ولا تقوم على مبادئ محددة، فإريتريا خاضعة في الوقت الراهن لمزاج الفرد الواحد

يمكن أن نفهم أن الإعلام السعودي لم يورد تصريحات أفورقي التي أشاد فيها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، فهي تشكل إحراجًا كبيرًا للسعودية ومكانتها التاريخية، ذلك أن رئيس النظام الإريتري معروف عنه عدائيته وكراهيته الشديدة لكل ما له علاقة بالإسلام، فهو يعمل على طمس التاريخ الإسلامي العريق لبلده إريتريا، وتزعم حكومته أن عدد المسلمين في البلاد لا يزيد على 40% من جملة السكان بينما يزيد في الواقع على 70%، لذلك فإن إشادة أسياس أفورقي بالتغيير الذي يجري في المملكة يعني أن التغيير السعودي يتوافق مع آرائه وتوجهاته المعادية للإسلام والمسلمين.

هذا عن تصريحات رئيس النظام الإريتري بخصوص التحولات المثيرة للجدل التي يجريها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في بلاده، ولكن من غير المفهوم أن الإعلام السعودي تجاهل لقاء أسياس أفورقي مع رجال الأعمال السعوديين، وهذا ربما يعني أن اللقاء لم يتم أصلًا، وأن الإعلام الإريتري يضلل مواطنيه البسطاء ويخدرهم بأن الرئيس يسعى إلى جذب الاستثمارات الخليجية لإضفاء بُعد آخر إلى زيارة أفورقي التي استمرت 3 أيام، أو أن الإعلام السعودي قصد تجاهل اللقاء لأنه غير مهم ولن يتم تنفيذ مخرجاته على أرض الواقع، فإريتريا دولة غير جاذبة للاستثمار في الوقت الحاليّ.. لا توجد فيها بنية تحتية ولا قوانين مشجعة ولا عمالة ماهرة بعد أن هاجر غالبية المواطنين إلى الخارج هربًا من بطش عصابة أفورقي.

السياسة الخارجية التي ينتهجها النظام الإريتري ليست ثابتة ولا تقوم على مبادئ محددة، فإريتريا خاضعة في الوقت الراهن لمزاج الفرد الواحد، لا أثر للحكومة ولا لحزب الجبهة الشعبية "الحاكم"، كما لا يوجد في إريتريا برلمان على الإطلاق، وإلى أن يحدث تغيير في أسمرة، فإن البلاد ستظل خاضعة بالكامل للديكتاتور المتقلب الأهواء والأفكار، حسب مصلحته الشخصية ومزاجه أيضًا. 

الأيام القادمة ستكشف نتائج زيارة أفورقي إلى السعودية التي استمرت 3 أيام وعما إذا كان قد جنى ثمار هجومه وابتزازه للسعودية أم لا، فإذا عاود الهجوم يعني هذا أنها كانت رحلة فاشلة وأنه عاد خالي الوفاض، كما تشير المعلومات الأولية فقد كان في وداعه بمطار الرياض شخصية غير معروفة على غير ما جرى في الاستقبال، إذ ودّعه وزير الدولة عضو مجلس الوزراء عصام بن سعد بن سعيد، بينما استقبله عند الوصول أمير الرياض فيصل بن بندر.

غير مستغرب أن يعاود أفورقي الهجوم على السعودية، ولا إذا أصلح علاقاته بقطر رغم المصالح القوية التي تربطه بالإمارات.. فليس هناك من يستطيع التنبؤ بما سيفعله أسياس أفورقي أبراهام ولن يجرؤ أحد أفراد الحكومة ولا الحزب الحاكم أن يسأله عن شيء.