من جديد عادت الولايات المتحدة لمغازلة حركة طالبان الأفغانية، لإبرام اتفاق هدنة معها، توقف بموجبه كل أعمال العنف لمدة سبعة أيام، على أن يجهزا في هذه المدة أرضية قابلة للتفاوض بينهما من جديد، بشأن الصراع الأشرس في تاريخ الولايات المتحدة مع الحركة الأفغانية، بعد توقف استمر عامًا كاملًا، بقرار من ترامب فور اعتراف طالبان بتنفيذ عملية هجومية في كابول أسفرت عن مقتل أحد الجنود الأمريكيين مع آخرين، في محاولة من الحركة آنذاك لتكثيف الضغط على أمريكا وفرض شروطها التفاوضية للانسحاب الكامل من أفغانستان، لكن لماذا يجب أن تتغير شروط اللعبة؟ وكيف سيحفظ كل منهما ماء وجهه قبل العودة لمائدة المباحثات من جديد؟ 

الخطوط العريضة للاتفاق إلى أين؟ 

في المؤتمر الأمني السنوي بمدينة ميونيخ بألمانيا، ألمحت الولايات المتحدة إلى اتفاق جديد مع حركة طالبان الأفغانية في غضون أيام، مما يمهد الطريق لمحادثات سلام بين الأطراف الأفغانية المختلفة، وقد يسفر بالضرورة عن انسحاب القوات الأمريكية من البلاد وإنهاء أطول حروب الولايات المتحدة على الإطلاق التي كلفتها حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة، خاصة أن هذه التكلفة الإنسانية والمالية الكبيرة لم تمكن الولايات المتحدة من القضاء على الحركة، ما يجعلها في أمس الحاجة لوضع حد لهذا النزيف المالي والبشري المستمر.

يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يرفض التسليم بخسارة الورقة الأفغانية المؤجلة دائمًا، التي قد تمكنه من حصد نقاط إضافية في معركة الرئاسة القادمة التي تعتبر الأشرس في تاريخ الولايات المتحدة بعد نجاته من مصيدة عزله التي دبرها الديمقراطيون في الكونغرس، لا سيما أن أحد بنود برنامجه الانتخابي، إعادة القوات الأمريكية إلى الوطن.

كانت المباحثات الأفغانية الأمريكية قد توقفت العام الماضي، بعد بلوغها مرحلة متقدمة للغاية، كادت أن تسفر عن إنهاء الوجود الأمريكي في البلاد الذي طال نحو 19 عامًا، منذ اكتساح الجيش الأمريكي لأفغانستان وإنهاء حكم طالبان، على خلفية رفضها تسليم أسامة بن لادن ورموز القاعدة بعد حادث 11 سبتمبر الشهيرة عام 2001، بعد أن دبرت طالبان اعتداءً في كابول، أسفر عن مقتل 12 شخصًا، ما وضع ترامب في وضع حرج للغاية واضطر لتعليق المفاوضات.

 

أدان ترامب في سلسلة تغريدات قتل طالبان لهذا العدد من الأشخاص، فقط من أجل تعزيز موقعهم التفاوضي، وأكد أنهم جعلوا الأمور أسوأ، وبلغة فيها الكثير من الحسرة، تعجب من قدرة طالبان على الاستمرار في القتال كل هذه السنوات، لدرجة أنه تساءل عن عدد العقود من الزمن التي تحتاجها الحركة للتوقف عن الاستمرار في القتال، وهو ما يطرح السؤال في النهاية: ما الذي جد في العلاقات بينهما لتصل المباحثات من جديد إلى الحديث عن تسوية نهائية؟  

صورة

حتى الآن ما زالت التفاصيل محدودة، ولا يعرف أحد بشكل واضح ما الذي تم الموافقة عليه، لكن يبدو أن الاتفاق قريب جدًا، وخاصة بعد اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو والرئيس الأفغاني أشرف غني، على هامش مؤتمر ميونيخ، وأسفر عن عقد هدنة تستمر سبعة أيام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ولم يحددا متى ستدخل حيز التنفيذ، ولكن التفاصيل التي سمح لها بالنشر تؤكد أنها ستؤدي إلى انسحاب القوات الأمريكية.

كما تؤكد المؤشرات أن الاتفاق الأمريكي مع طالبان سيتضمن إنشاء قناة تواصل لحل المشاكل التي قد تظهر مستقبلًا، على رأسها السعي لوقف الاستفزازات التي قد تقود لوقف الاتفاق أو تعطيله كما حدث في السابق، ومقابل ذلك تقلص أمريكا قواتها التي تتراوح بين 12 و13 ألف جندي، إلى 8 أو 6 آلاف عسكري، على أن تنتهي بخروج القوات الأمريكية نهائيًا من أفغانستان والانتقال بسير التفاوض من الحركة إلى الحكومة الأفغانية، لعقد اتفاق سلام شامل بينهما برعاية أمريكية.

يمكن القول إن وكالة الاستخبارات المركزية أكثر من يسعى لدفع سبل المفاوضات مع طالبان حاليًّا، وخاصة بعد اشتعال الصراع مع إيران لاستهداف الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري وصاحب الدور الرئيسي في توثيق العلاقات بين إيران وحركة طالبان، وترتكن الاستخبارات على الأسلوب الهادئ لمساعد الرئيس للأمن القومي روبرت أوبراين الذي خلف جون بولتون المستشار السابق الذي ساهم في تعقيد العلاقات بين الطرفين بسبب مواقفه المتشددة من التيارات الدينية ورفضه إجراء أي مفاوضات سياسية بين طالبان وإدارة دونالد ترامب، لكن استقالته منحت الطرفين فرصًا جديدةً للتقارب. 

صورة

استقالة بولتون وحدها، ليست هي التي ستفتح بابًا جديدًا للحوار مع أمريكا، بل استقالة السفير الأمريكي السابق في أفغانستان جون باس، بعد خلافات طاحنة مع ترامب، أجبرته على الاستقاله من منصبه، لترشح الإدارة الأمريكية بدلًا منه، روس ويلسون صاحب الخبرة الكبيرة في هذه المنطقة، الذي سبق له العمل في العديد من البلدان المجاورة، كما تولى منصب قنصل عام للولايات المتحدة في السفارة الأمريكية بموسكو في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وعاد إليها مرة أخرى في نهاية الثمانينيات، ما يؤكد أنه رجل المهام الصعبة.  

ويرتكز الهدف الأساسي من الحوارات الجديدة المرتقبة بين أمريكا وطالبان، العودة عند حدود النقطة التي توقفت عندها المفاوضات، في خريف عام 2018، حين بدأت الولايات المتحدة محادثات سلام منفصلة مع ممثلي حركة طالبان، لإنهاء الصراع بينهما، نهاية بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان.

ما المقبول للجانبين حاليًّا لحفظ ماء الوجه؟

ليس من السهل تحديد ما المقبول لكل من الولايات المتحدة وطالبان لحفظ ماء الوجه بمثل هذا القرار، خاصة بعد سلسلة التصعيدات والتصريحات العنيفة المتبادلة بعد توقف المفاوضات قبل عام، ويمكن تلخيص المأزق الذي يحيط بهذه الأجواء، في الغموض والحرص الشديد في الحديث عن نتائج المباحثات التي لخصها وزير الخارجية الأمريكية بجملة "الساعة لم تحن بعد".

تحاول الولايات المتحدة اللعب على عامل والوقت ومد حبال المشاورات لعقد صفقة جديدة "مفصلة للغاية" تصل من خلالها إلى توحيد تعريفات العنف على الورق مع الحركة، لتشمل بذلك كل أعوان الحركة وحلفائها في الداخل والخارج، للاشتراط عليها بعدم استضافة أو تدريب أو جمع التمويل لمتطرفين دوليين في المناطق التي تسيطر عليها الحركة على المدى الطويل.

أكثر ما يضيف حساسية للمفاوضات المرتقبة، تحديد شخصية المفاوض الذي ستتحدث معه أمريكا وما درجة تمثيله للحركة لكي يكون مسؤولًا عن إلزامها بما يجرى الاتفاق عليه، خاصة أن أفغانستان تحوي كل أنواع الجماعات الدينية المسلحة المتلهفة لإثارة المشكلات مع أمريكا سواء لخلفيات دينية أم سياسية، ما يعقد إجراء أي محادثات سلام مع طالبان بمعزل عن هذه الجماعات.

هذا الموقف المعقد يقودنا إلى ربط الأحداث ببعضها، وربما لن يكون أمام ترامب إلا اللعب على ورقة المصالح، في ضوء ما يسمى بالوثيقة الإستراتيجية الأمريكية لآسيا الوسطى للفترة 2019-2025 التي تهدف لتعزيز السيادة والازدهار الاقتصادي في هذه البلدان، التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي. 

التوجه الجديد للإدارة الأمريكية ربما سيكون حلقة الوصل مع المفاوضات الجديدة

ويبدو أن أمريكا أصبحت تعلم أن التدخل العسكري لم يعد يجدي في هذه البلدان، ولهذا تعلق آمالها على المشاركة في الاستقرار والأمن والتنمية المستدامة في آسيا الوسطى، وهو نفس المنطق الروسي في التوجه الخارجي للدولة، وتهدف أمريكا إلى استباق روسيا في إعادة رسم مراكز القوى على الصعيدين العالمي والإقليمي. 

وأصبحت منطقة آسيا الوسطى محل تنافس كبير بين القوى الدولية، واستغلت كل من الصين وروسيا، تركيز السياسة الأمريكية على الحسم العسكري مع التيارات المتطرفة، بتشكيل بنية اقتصادية جديدة، قد تضرب المصالح الأمريكية في مقتل، ولهذا كان ترامب وما زال يحاول تركيز قوته على حل المشاكل الداخلية، على أن تتولى الإدارات الخارجية سحب القوات الأمريكية من كل البلدان، والتركيز على عمل مشاريع جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإثارة لعاب ما يسمى بقوس الفوضى عند أمريكا الذي يمتد من باكستان مرورًا بأفغانستان وإيران وآسيا الوسطى والقوقاز وأوكرانيا بالمشروعات التنموية والاقتصادية. 

التوجه الجديد للإدارة الأمريكية ربما سيكون حلقة الوصل مع المفاوضات الجديدة، وبالتأكيد ستحرص على إدماج الحكومة الأفغانية فيها حتى لا تقع في نفس الفخ القديم إذا انقلبت طالبان في أي لحظة وشعرت باستفزاز أمريكي في المفاوضات، ستقابله على الفور بالطريقة المعتادة في تأديب المارد الأمريكي ووقتها سينتهي أي أمل في إصلاح حقل الألغام الأفغاني  طوال فترة رئاسة ترامب.