في 28 فبراير سنة 2020، أجرى أفراد الأمن دوريات في أحد الشوارع عقب أعمال الشغب الطائفية بسبب قانون الجنسية الجديد في الهند في نيودلهي، الهند.

ترجمة وتحرير: نون بوست

هزت أعمال العنف الطائفية الأكثر دموية على مدى عقود، التي جدت في نيودلهي، الهند. وفي يوم الأحد 23 شباط/فبراير، اندلعت المواجهات قبيل وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البلاد بهدف عقد اجتماعات مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. وسرعان ما تنامت إلى أعمال شغب جماعية، حيث استهدفت حشود الهندوس منازل المسلمين في شماليَ شرقيَ المدينة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 45 شخصًا، معظمهم من المسلمين.

في هذا السياق، يعتقد أشوتوش فارشني، الأستاذ بجامعة براون ومؤلف كتاب يحمل عنوان "الصراع العرقي والحياة المدنية: الهندوس والمسلمون في الهند"، والحائز على جائزة، أن أعمال الشغب التي وقعت في دلهي في الأسبوع الماضي تنطوي على بعض السمات المميزة لما يُعرف بالمذبحة المنظمة. وعموما، حدث سيناريو مشابه في السابق: خلال سنة 2002، في ولاية كجارات، عندما كان مودي يترأس منصب رئيس ولاية كجرات، حيث قُتل أكثر من 1000 شخص في أعمال شغب دينية، معظمهم من المسلمين. وعلى الرغم من أنه وقعت تبرئة مودي في وقت لاحق من جريمة ارتكاب أفعال غير مشروعة من قبل القضاء في البلاد، إلا أن النقاد يقولون إنه كان بإمكانه اتخاذ المزيد من التدابير لمنع حدوث مثل تلك الهجمات.

خلال سنة 1984، ومرة أخرى في دلهي، وقع استهداف وقتل حوالي ثلاثة آلاف من السيخ بعد اغتيال رئيسة الوزراء، أنديرا غاندي، على أيدي حراسها الشخصيين السيخ. وفي كلتا الحالتين، لم يكن من الممكن تنظيم أعمال شغب دون تواطؤ بعض الأطراف في جهاز الشرطة. ويعتقد فارشني أن الاشتباكات الدامية التي جدت الأسبوع الماضي، يمكن أن تتكرر في أجزاء أخرى من البلاد، مؤكدا أن المسلمين معرضون للخطر بشكل خاص.

وفيما يلي مقابلة أجرتها مجلة فورين بوليسي مع فارشني:

رافي أغراوال: كان هناك جدال طفيف حول ما إذا كان ينبغي تعريف أعمال العنف في دلهي الأسبوع الماضي بأنها أعمال شغب أو شيئا أخر أكثر خطورة، على غرار مذبحة مدبرة. فهل يمكنك تفسير الفرق؟

شارك أفراد الشرطة بشكل مباشر في الهجمات التي استهدفت المسلمين

أشوتوش فارشني: تعتبر المذبحة المدبرة فئة خاصة من أعمال الشغب عندما لم يعد الأمر مجرد صدام بين جماعتين. وبدلا من ذلك، تقف الشرطة في صف إحدى المجموعات إما عن طريق التجاهل أو عن طريق التحريض أو حتى المشاركة بشكل مباشر في أعمال العنف. ويكمن الاختلاف الرئيسي بين أعمال الشغب والمذابح المدبرة في سلوك الدولة الذي يتجلى من خلال ممارسات الشرطة. ونشأ مصطلح المذبحة المدبرة في روسيا القيصرية عندما شنت مذابح ضد اليهود.

رافي أغراوال: بالنظر إلى المعلومات المتاحة لنا في الوقت الراهن، كيف تصنف العنف في دلهي؟

أشوتوش فارشني: يوم الأحد 23 شباط/فبراير، رأينا حشدان يتشاجران. وكانت هناك وفيات من كلا الجانبين. وفي اليومين الثاني والثالث، أضحى تحزب الشرطة واضحا. وفي الواقع، تعرّض مسجد ومعبد ومنازل ومحلات للمسلمين للهجوم، في حين لم ترد الشرطة على طلبات المساعدة. وتشير السجلات إلى أن عددًا كبيرًا من تلك المكالمات جاء من مناطق ذات غالبية مسلمة تقع في شماليَ شرقيَ دلهي. في المقابل، امتنعت الشرطة عن الحضور والتدخل في الظهور. ونتيجة لذلك، استهدفت الحشود الهندوسية المسلمين دون خوف من العواقب.

أما في المرحلة الثانية، شارك أفراد الشرطة بشكل مباشر في الهجمات التي استهدفت المسلمين. وهناك مقاطع فيديو تثبت ذلك، لا سيما ذلك الذي يظهر شبانا مسلمين يتعرضون للضرب من قبل بعض الهندوس. في المقابل، يطلب رجال الشرطة من الرجال المسلمون الذين سقطوا أرضا ويتعرضون للضرب أداء النشيد الوطني وهم يتعرضون للعنف. في الواقع، يعد هذا الأمر فظيعا للغاية. في المقابل، يتمثل الدليل الأكثر أهمية حتى اللحظة الراهنة في تجاهل الشرطة لنداءات المسلمين للحصول على المساعدة وعدم الاستجابة لها، حيث تعرضت المنازل وأماكن العبادة والمؤسسات التجارية للهجوم دون عقاب.

رافي أغراوال: تعد حقيقة أن كل ما حدث كان في نيودلهي، عاصمة الهند، أمرا مهما.

أشوتوش فارشني: لدى مدينة دلهي هيكل فريد لعمليات الشرطة. وفي كل شبر آخر من الهند، تقدم الشرطة تقاريرها إلى حكومة الولاية، عوضا عن الحكومة المركزية، نظرا لأن القانون والنظام يتم تعريفهما على أنهما ولاية خاضعة للدستور الهندي. في المقابل، تقدم شرطة دلهي تقاريرها إلى الحكومة المركزية، بدلا من حكومة الولاية. ومن الناحية الفنية، لا تعد دلهي ولاية كاملة. فضلا عن ذلك، تجعل حقيقة أن الحكومة المركزية يقودها حزب بهاراتيا جاناتا حكومة مودي مسؤولة عن القانون والنظام في دلهي. وسيكون وزير الشؤون الداخلية، أميت شاه، السلطة النهائية التي ستقدم إليها قوة شرطة دلهي تقاريرها. لذلك، تقع مسؤولية الإخفاق في الحفاظ على القانون والنظام على عاتقه.

رافي أغراوال: سمعت بعض مرتكبي الهجمات يهتفون "جاي شري رام" أو "يحيا الإله رام". هل يمكنك شرح أهمية هذه الانشودة؟

 ينتمي أكثر السكان المسلمين ضعفا إلى الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا

أشوتوش فارشني: "جاي شري رام"، من الناحية اللاهوتية، هو تمجيد للإله رام، الإله الهندوسي المعروف بالتعاطف، والذي يعتبر تجسيدًا للأخلاق والمثل العليا. لكن في الحملات الأيديولوجية القومية الهندوسية الأخيرة، وقع استخدام جاي شري رام كسلاح للتعبير عن القوة والذكورة والعنف، بدلاً من اللطف والرحمة. لذلك، وقع تحويل معنى "جاي شري رام" إلى صرخة معركة من أجل إقامة نظام قومي هندوسي، برئاسة دولة قومية هندوسية.

رافي أغراوال: نظرًا لأنك تصف أحداث الأسبوع الماضي في دلهي بأنها تحمل السمات المميزة لبداية مذبحة مدبّرة، ما مدى خطورة اندلاع أعمال عنف أخرى مماثلة في جميع أنحاء البلاد؟

أشوتوش فارشني: ينتمي أكثر السكان المسلمين ضعفا إلى الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا، إلى جانب أن الدور الذي تضطلع به الشرطة حاسم، حيث تخضع الشرطة للحكومة الدولية. وفي حال استخدمت حكومات حزب بهاراتيا جاناتا في مختلف ولايات الهند الشرطة ضد المسلمين، فلن يقاوم سوى ضباط الشرطة الأكثر شجاعة، نظرا لأن هيكل السلطة واضح للغاية.

بعبارة أخرى، يعدّ التهديد الذي تواجهه الأقليات المسلمة في الدول التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا كبيرا. وتعتبر ولاية أتر برديش، أكبر ولاية في الهند ويبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة، أضعف منطقة بشكل خاص. وتبلغ نسبة السكان المسلمين في هذه المدينة حوالي 18 بالمئة، وهم منتشرون في جميع أنحاء الدولة. فعلى سبيل المثال، شهدت مدينة مظفر نجار أعمال شغب كبيرة في سنة 2013. في المقابل، لم تتدخّل الشرطة. علاوة على ذلك، تخضع مدينة أتر برديش لحكم السياسي، يوغي أديتياناث، الذي اشتهر وجاهر بشكل علني بمعاداته للمسلمين.

رافي أغراوال: ما الذي يمكن للمجتمع المدني ووسائل الإعلام القيام به لمنع اندلاع العنف؟

أشوتوش فارشني: يمكن أن يضطلع المجتمع المدني بدور مهم للغاية فيما يتعلّق بالمقاومة وإحلال السلام، على الرغم من أنه لا يمكن تحقيق هذا الأمر بسرعة البرق. وفي الواقع، يستغرق إنشاء شبكات بين الطوائف الدينية الهندوس والمسلمين بضع سنوات، إن لم يكن أكثر. إلى جانب ذلك، يعد احتمال تفكك المجتمعات المتكاملة أدنى بكثير من احتمال تفكك المجتمعات المنفصلة. ولطالما تتلخّص القضية الأكثر إلحاحًا في كيفية تخفيف حدة العنف أو مداه. وفي هذا الصدد، يلعب الإعلام دورًا رئيسيًا، من خلال إعداد التقارير ببسالة، وإدانة ما يُعتبر غير مقبول ويمثّل انتهاكا واضحا للمعايير والقواعد والقوانين. كما يمكن لوسائل الإعلام أن تبطئ أو تقلل من حدة العنف، من خلال إنشاء سرد من الانتقادات.

علاوة على ذلك، تتدخل الشرطة في بعض الأحيان، حتى دون موافقة سياسية. ومن الناحية القانونية والدستورية، يمكن للشرطة التدخل في أوقات الأزمات. ومع ذلك، يبدو أن عدد ضباط الشرطة والإداريين والبيروقراطيين اليوم تقلّص مقارنة بما كان عليه في وقت سابق. في الحقيقة، لم يُستبعد رجال الشرطة بشكل كامل، حيث صادفت مرارًا في بحثي أمثلة على ضباط الشرطة والإداريين الذين كانوا مستعدين لتطبيق القانون ببساطة وعدم اتباع أي مخطط سياسي. بالإضافة إلى ذلك، لا يتمتع عدد كبير من ضباط الشرطة والبيروقراطيين بالشجاعة الكافية للوقوف في وجه السلطات السياسية.

رافي أغراوال: يتعرّض الصحفيون في الهند للتهديد في الوقت نفسه. فقد صرّح أحد المصورين لصحيفة "واشنطن بوست" أن المحتشدين هددوا بنزع سرواله للتحقق مما إذا كان قد خُتِن، وذلك لمعرفة ما إذا كان مسلما بالفعل. فما علاقة ذلك بالخطابات التي تقدّمها الحكومة؟

في سنة 2019، كان البرنامج الانتخابي يدور بشكل مباشرة حول إعادة بناء القومية الهندوسية في الهند

أشوتوش فارشني: لقد خلقت أيديولوجية الحكومة موقفا على أرض الميدان بحيث لا يجب أن تأتي التعليمات من الأعلى. وفي الواقع، يبتكر العملاء استراتيجياتهم الخاصة ويعتقدون أنه من خلال التصرف بطريقة متعصبة، ومهاجمة المسلمين، يمكنهم الارتقاء في التسلسل الهرمي السياسي. لذلك، يبدأ هيكل الحوافز الذي ينشأ من الأعلى باكتساب منطق خاص به وينشط الموظفين المبتذلين الذين يحاولون تحقيق ما من الممكن أن يقدّره رؤساء الحزب أو يسُرّهم.

رافي أغراوال: بدأت فترة ولاية رئيس الوزراء مودي الثانية في أيار/ مايو الماضي، بعد فوزه بأغلبية ساحقة في الانتخابات الوطنية. وعلى الرغم من ظهور دلائل على النسخة الهندوسية الشوفينية القوية، التي لاحظناها على سبيل المثال في العديد من حوادث إعدام المسلمين، في فترة ولايته الأولى، إلا أن ذلك شهد تسارعا ملحوظا في دفع حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم إلى تنفيذ أجندته الاجتماعية. فلماذا يعدّ الحال هكذا؟

أشوتوش فارشني: قبل فترة ولاية مودي الأولى في سنة 2014، لم تتناول الحملة السياسية سوى عدد قليل للغاية من المواضيع القومية الهندوسية. ولم يكن في وسعي أن أحصي أكثر من خطابين. لذلك، يمكنك القول إنها كانت تحمل رسائل يمكن للبعض فقط فهمها، بالإضافة إلى بعض النزعات الطائفية في أداء السياسيين من الرتب المتوسطة، إلا أن هذا الخطاب لم يكن مهيمنا.

في الحملة التي سبقت ولاية مودي الثانية، في سنة 2019، كان البرنامج الانتخابي يدور بشكل مباشرة حول إعادة بناء القومية الهندوسية في الهند. ومن الممكن أن يزعم البعض أن نسبة التصويت لحزب بهاراتيا جاناتا ارتفعت بمقدار سبع نقاط مئوية، وأن الانتخابات في الهند سمحت بدفعة أكثر إيديولوجية وثقافية للطائفة القومية الهندوسية. في المقابل، من الواضح أيضًا من البيانات الانتخابية أن التفويض كان معقدًا.

بعبارة أخرى، لم يكن التصويت لصالح مودي يتلخّص ببساطة في دفع أجندة اجتماعية وثقافية، وكان الأمن القومي في الحقيقة يشكّل أيضا مشكلة. وتجدر الإشارة إلى أن برامج الرعاية الاجتماعية اكتسبت شعبية كبيرة، حيث شاعت برامج حزب بهاراتيا جاناتا المتعلقة بالصرف الصحي وغاز الطهي. وسيكون النظر إلى انتخابات أيار/ مايو 2019 باعتبارها تصويتا لإعادة الهيكلة الإيديولوجية للهند بمثابة تفسير مبالغ فيه لرغبات الناخبين. ولكن يُعتبر ذلك ما يحدث في السياسة. ويبدو أن حزب بهاراتيا جاناتا أصبح أكثر جرأة لاستخدام المسار التشريعي للبدء في إعادة هيكلة نظام الحكم. إلى جانب ذلك، كان تعديل قانون المواطنة الذي صدر في 11 كانون الأول/ ديسمبر، والذي أدى إلى موجة الاحتجاجات الحالية، تتويجا لهذا الأمر.

المصدر: فورين بوليسي